إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان بداءة اليهود والنصارى بالسلام
المجيب
نزار بن صالح الشعيبي
القاضي في المحكمة العامة بمكة المكرمة
التاريخ الاحد 08 ربيع الأول 1426 الموافق 17 إبريل 2005
السؤال

ما حكم بداءة اليهود والنصارى بالسلام، وهل تجوز عيادتهم؟.

الجواب

الحمد لله وحده، وبعد:
فقد اختلف العلماء في حكم بداءة اليهود والنصارى بالسلام على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الجواز، وهو قول جمع من السلف، روي ذلك عن ابن مسعود وأبي أمامة، وابن عباس، وابن عيينة، واختاره القرطبي، وهو قول لبعض الشافعية، وذلك لعموم الأدلة الدالة على استحباب إفشاء السلام.
وروي عن الأوزاعي أنه قال: (إن سلَّمت فقد سلّم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون من قبلك).
واستدلوا أيضاً بعموم جواز برهم في قوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم" الآية...[الممتحنة:8]
وقيّد بعضهم الجواز بما إذا كانت لك حاجة عند الكافر، وقد روي ذلك عن علقمة النخعي، وبه أوَّل القرطبي النهي، وحملوا النهي في الحديث على ما كان مشهوراً من حال اليهود من استبدال لفظ السلام بالسام، فإن غيَّر أهل الكتاب أسلوب ردهم، واستبدال اللفظ الطيب بالخبيث، فلا حرج إذاً؛ إذ الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً.
القول الثاني: يكره ولا يحرم، وهو قول لبعض الشافعية.
والقول الثالث: التحريم؛ لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام" رواه مسلم (2167). وهذا صريح في النهي.
وأيضاً فإن السلام تحية خاصة بالمسلمين، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، وهذا دعاء له كما ثبت في الصحيحين أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام" صحيح البخاري (835) وصحيح مسلم (402). وهي تحية أهل الجنة، فلا يجوز صرفها لغيرهم، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو ترجيح الحافظ ابن حجر وهو الراجح.
وكل ما تقدم من خلاف هو في تحيتنا لهم بلفظ (السلام)، أما إن كانت بعبارة أخرى (كصباح الخير، ومرحباً)، ونحو ذلك، فلا أرى أن النهي يتناوله؛ لأن النهي من أجل اختصاص هذه التحية بالمسلمين، إلا إذا كان هذا الكافر حربياً، فلا تجوز بحال من الأحوال، وقد نقل ابن مفلح عن الشيخ تقي الدين أنه قال: (إن خاطبه بكلام غير السلام مما يؤنسه به فلا بأس بذلك). [الآداب الشرعية لابن مفلح (1/468)].
وكذا قالوا: أكرمك الله، ويعني به الإسلام.
وأما عيادتهم فهي جائزة ما لم يكن هذا الكافر حربيا، خصوصاً إذا كان يطمع في هدايته وإسلامه، فالنبي – صلى الله عليه وسلم- عاد غلاماً يهودياً كان يخدمه. أخرجه البخاري (1356). [راجع ما تقدم في أحكام أهل الذمة لابن القيم (1/413)، والآداب الشرعية لابن مفلح (1/468)، وفقه الأقليات المسلمة لخالد عبد القادر (572)].
قال الشوكاني – رحمه الله تعالى- في تعليقه على هذا الحديث ما نصه: (وفي الحديث دليل على جواز زيارة أهل الذمة إذا كان الزائر يرجو بذلك حصول مصلحة دينية كإسلام المريض، قال المنذري: قيل يعاد المشرك ليدعى إلى الإسلام إذا رجي إجابته، ألا ترى أن اليهودي أسلم حين عرض عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- الإسلام، فأما إذا لم يطمع في الإسلام ولا يرجو إجابته، فلا ينبغي عيادته، وهكذا قال ابن بطال: (إنها إنما تشرع عيادة المشرك إذا رجي أن يجيب إلى دخول الإسلام، فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا، قال الحافظ – أي ابن حجر- والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى، قال الماوردي: عيادة الذمي جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن لها من جواز عيادة أو قرابة) ا.هـ كلام الشوكاني. [نيل الأوطار جزء 8 (ص: 389) طبعة دار الحديث]. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ