إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الاحتجاج على المعصية بالقدر والضعف البشري!
المجيب
صالح بن درباش الزهراني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 15 ربيع الأول 1426 الموافق 24 إبريل 2005
السؤال

السلام عليكم.
ما هي عاقبة من يخطئ، وينسب الخطأ إلى قدر الله؟ كمن يزني ثم يقول: إنه ضعيف وزنى، وليس ذلك الخطأ كله مني؛ لأن الله جعلني ضعيفاً؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :
فإن من أصول الإيمان وأركانه الإيمان بالقضاء والقدر ، خيره وشره ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، إلا أن ذلك لا يعني أن يرتكب الإنسان المعاصي والقبائح ويحتج بأن ذلك محض قدر الله عليه، فقد عاب الله على المشركين احتجاجهم على شركهم بقدر الله فقال : {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148] فلو كان لهم حجة بالقدر على شركهم ما أذاقهم الله بأسه !.
فلا يجوز للإنسان أن يحتج بقدر الله على ما يرتكبه من ذنوب وقبائح صغيرة أم كبيرة، وينسب ذلك إلى الله تعالى ، ومن نسب ذلك لله على جهة اللوم والاحتجاج به على الوقوع في المعاصي فقد افترى على الله الكذب، والله يقول : { إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ} [النحل : 116].
وتتميماً للفائدة نذكر أن الاحتجاج بالقدر على قسمين :
القسم الأول :ممنوع : وهو الاحتجاج به على المعاصي لتبريرها ، وتبرير الاستمرار فيها ، فهذا لا يجوز، بل هو من فعل المشركين ، وبعض العصاة ، والصوفية الغلاة .
قال الله تعالى عن المشركين :{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ } [ النحل :35 ].
وقال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148].
وقد جيء إلى عمر بن الخطاب بسارق، فقام ليقطع يده، فقال : يا أمير المؤمنين إنما سرقت بقدر الله ، فقال له : ونحن إنما نقطع يدك بقدر الله .
ولما قال أبو عبيدة لعمر: أَفِِرَاراً من قدر الله ؟ فقال : نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله. أخرجه البخاري (5729) ومسلم (2219).
القسم الثاني : مشروع : وذلك في حالين:
أ- الاحتجاج به على المصائب .
ب- الاحتجاج به على المعصية بعد التوبة منها ، ومنه احتجاج آدم وموسى .
قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: "احتجَّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيَّبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك بيده، أتلومني على أمر قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدم موسى". ثلاثا رواه البخاري (6614) ومسلم (2652).
ففي هذا الحديث :
أ- احتجَّ آدم بالقدر على المصيبة ، وهي الخروج من الجنة ، لا على الذنب الذي هو الأكل من الشجرة .
ب- أو أنه احتجَّ بالقدر بعد التوبة من الذنب؛ لدفع اللوم عنه، لا على الاستمرار في الذنب.
والخلاصة :
أنه يحتج بالقدر على المصائب لا على المعايب = (الذنوب).
كما أن هناك فرقاً بين من يحتج بالقدر على أمر قد مضى، وهو نادم على فعله ، ويعزم أن لا يعود إليه، وبين من يحتج بالقدر ليبرر استمراره على المعصية، فالأول مقبول، والثاني لا يقبل.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ