إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان لماذا وُصف الخمر بالرجس ولم يوصف بـ (النجس)؟
المجيب
عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالرياض
التاريخ الاحد 29 ذو الحجة 1426 الموافق 29 يناير 2006
السؤال

قال تعالى: "إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ". لماذا قال تعالى (رجس) ولم يقل (نجس) مع أنهما يؤديان نفس المعنى؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد جاء لفظ القرآن الكريم على مبلغ عظيم من الفصاحة والبيان ما أعجز العرب الأقحاح عن مباراته، وأما الإتيان بمثل القرآن بعد عجز العرب من غيرهم فهو أعظم وأشد، هذا مما يجب التسليم به في حال تدبر القرآن.
وقد قارن بعض العلماء بين بعض الأمثال القرآنية وأمثال العرب، من مثل: قول العرب: (القتل أنفى للقتل)، وقول الله تعالى: "ولكم في القصاص حياة" [البقرة: 179] وغيرها، وممن فصل في ذلك من كتب في إعجاز القرآن.
ثم إنه ليس كل كلمة تكون لها لفظة مماثلة لها في المعنى تماما، وقد منع جماعة من العلماء الترادف بين الكلمات في اللغة، بل جعلوا ذلك من المعاني المتقاربة.
ولو رجعنا لمحل السؤال: وهو معنى (رجس) و(نجس) في اللغة العربية لوجدنا ما يلي:
أن معناهما يدور على النجاسة والقذارة والسخط والشر، ولم يتمحض معنى (الرجس) على النجاسة فقط، بل هو أعم من ذلك؛ ولذلك لم يختلف العلماء في نجاسة الخمر، بل اختلفوا في نوع النجاسة هل هي حسية أم معنوية ؟.
ولو فرضنا أن معنى كلمة (رجس) هو معنى كلمة (نجس)، لوقع السؤال أيضا: لماذا لم يقل نجس؟ فنصبح في دوامة من طلب التعليلات، والوقوف على دقائق استعمال المفردات في القرآن يحتاج إلى طول باع في البلاغة والبيان والبديع، وكثرة مطالعة في كتب التفسير واللغة، والله المستعان.
وهذه الدقائق لا تظهر لكل أحد في مواطن، ولكن الذي ظهر لي هنا -والله أعلم-: أن الحكمة من استعمال (الرجس) محل (النجس) في أمرين:
1-أنها أعم، فتكون أبلغ في التحذير والنهي والتفظيع.
2-لما كان أصول كلمة رجس (الراء والجيم والسين) وجدنا كلمة في اللغة بأصولها تماما وهي: الرَّجَس، وهي تدل على شدة الصوت، كان المعنى الذي يفهم هنا: أن الخمر وما معها من الميسر والأنصاب والأزلام من الأعمال التي هي قوية الدرجة وكاملة الرتبة في القبح. والله أعلم.
وإليك نقل تفسير الآية من كتب التفسير:
في تفسير الطبري (7/32) ونحوه عند ابن كثير (2/93): {رجس}..قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي سخط من عمل الشيطان، وقال سعيد بن جبير: إثم، وقال زيد بن أسلم: أي شر من عمل الشيطان.
وفي زاد المسير لابن الجوزي (2/417): فأما الرجس فقال الزجاج: هو اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال: رجس الرجل يرجس ورجس يرجس إذا عمل عملا قبيحا...
وفي المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية (2/233): كل مكروه ذميم، وقد يقال للعذاب، وقد يقال للنتن وللعذرة والأقذار: رجس، والرجز العذاب لا غير، والركس العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين.
وفي التفسير الكبير للرازي (12/66): والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل، يقال: رجس الرجل رجساً ورجس إذا عمل عملاً قبيحاً، وأصله من الرجس بفتح الراء وهو شدة الصوت، يقال: سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد، فكان الرجس هو العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة في القبح.
وفي روح المعاني للآلوسي (7/15): {رجس}: أي قذر تعاف عنه العقول، وعن الزجاج: الرجس كل ما استقذر من عمل قبيح. والرجز بمعناه عند بعضهم، وفرّق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس، فجعل الرجس الشر، والرجز العذاب، والركس العذرة والنتن.
وفي أضواء البيان للشنقيطي (1/426): يفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين؛ لأن الله تعالى قال: إنها رجس، والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس، وقيل: إن أصله من الركس وهو العذرة والنتن، قال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة: "وسقاهم ربهم شرابا طهورا" [الإنسان: 21]؛ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا: أن كل الأوصاف التي مدح بها تعالى خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله:"لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون" [الصافات: 47]، وكقولـه: "لا يصدعون عنها ولا ينـزفون" [الواقعة: 19]... وجماهير العلماء على أن الخمر نجسة العين؛ لما ذكرنا، وخالف في ذلك ربيعة والليث والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين، كما نقله عنهم القرطبي في تفسيره..
وفي تفسير السعدي: رجس: أي نجس خبث معنى، وإن لم تكن نجسة حسا، والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها، وعدم التدنس بأوضارها.
وفقك الله لكل خير، وزادك من تدبر كتابه الكريم والعمل به.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ