إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان قصة تحريق عثمان -رضي الله عنه- للمصاحف
المجيب
خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاربعاء 25 ربيع الأول 1426 الموافق 04 مايو 2005
السؤال

أنا مسلمة ملتزمة، وعن فهم والحمد لله، المشكلة أنني مقتنعة أن الله لا يريدني أن أكون مسلمة لمجرد أني ولدت مسلمة، فإن لم أتفكر، فما الفرق بيني وبين المسيحيين، أو حتى المشركين الذين يعيب الله عليهم اتباعهم دين آبائهم دون تفكير؟ لذلك بدأت أقرأ عن المسيحية وأستمع للطرفين، والمشكلة أنني أريد أن أكون محايدة، مما يجعلني في موقف شك في كل شيء إلا وجود الله الخالق عز وجل، هل ما أفعله حرام وأنا مقتنعة من أنه حقي أن أختار الإسلام ديناً، وليس أن يفرض علي كما يرضى اليهود والنصارى.
والأمر الآخر أرجو توضيح قصة حرق عثمان للمصاحف، وما هي القراءات؟ شكراً لكم.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
يقول الله تعالى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم "[البقرة:256].
فاختيار الدين راجع لقرار الإنسان، ولذلك لم يجبر الإسلام أحداً على الدخول فيه ولم يحارب أحداً على الدخول في الإسلام، وإنما حارب من يقف بينه وبين تبليغه للناس، أو من يقف في طريق الناس لاتخاذ قرارهم في الإسلام أو عدمه، ولذلك بعد الفتوحات الإسلامية ترك الناس على أديانهم التي كانوا عليها قبل الإسلام، فمن شاء دخل فيه ومن شاء بقي على دينه، ولهم جميع الحقوق، ولكن بعد تبيين الحق يتحمل الإنسان مسؤولية قراره الديني والدين الذي ارتضاه لنفسه، ويتحمل خطأه إن كان أخطأ في الآخرة، أو يفوز بالنعيم الأبدي إذا أحسن اختيار القرار الصحيح، وليس هذا في الإسلام فحسب، بل حتى في اليهودية والنصرانية، بل في المسيحية الوضع أشد، فلا يعذر أحد بجهله كما هو معروف في يوم الدينونة، يوم يدين المسيح العالم على حسب اعتقادهم. أما في الإسلام فقد يعذر الإنسان بجهله، أو غيره من الأعذار التي قررها الإسلام في شرائعه.
وأما ما يتعلق بالبحث بين الفروق بين الإسلام وغيره من الديانات فهذا ليس واجباً على المسلم، بل يكفي في المسلم إذا أراد أن يعرف الفروق بين الديانات أن يقرأ القرآن الكريم، ففيه كل شيء عن أحوال الديانات السابقة، وأيضاً فيه الرد عليها وبيان فسادها، ولا أفضل من التعبير الرباني في بيان الحق ورد الباطل. والأفضل في ذلك قراءة القرآن بتفهم وتدبر، والوقوف على بيان ميسَّر لبيان ألفاظه.
ومهمة البحث في أقوال أهل الديانات الأخرى من خلال كتبهم ومراجعهم فهذا ليس فيه فائدة؛ لأن الله أغنانا بالقرآن عن ذلك وهو أصدق الحاكمين، ولكن هذه المهمة ممكن أن تكون خاصة بأهل العلم، ممن يقوم بالدعوة في صفوف المخالفين أو مناقشتهم في معتقداتهم، وهذه لا ينبغي الإقدام عليها إلا ممن وثق في قوة حجته وقوة إيمانه ويقينه وتصديقه، لأنه قد يتعرض للفتنه والشبهات، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان كثيراً ما يدعو بقوله: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" أخرجه الترمذي (2140).
وأما الوصول إلى الشك في كل شيء إلا في وجود الخالق، فلا شك أنه حرام في كل الديانات، والشك لا يغني من الحق شيئاً، والشك ضده الإيمان وهو التصديق، أي التصديق بكل ما جاء عن خبر الصادق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا من شك فمعناه أنه ليس مؤمناً؛ لأن الإيمان هو التصديق، فالله أغنانا عن النظر في كلام المسيحيين مما ساقه هو في كتابه، فالأفضل الوقوف عنده.
أما السؤال عن موضوع إحراق المصاحف فهذه شبهه يرددها المسيحيون للتشكيك في القرآن الكريم، وخلاصتها الصحيحة:
أنه في عهد عثمان -‏ رضي الله عنه -‏ وعلى التحديد عام ثلاثين للهجرة أخذت مهمة تعليم القرآن التي كانت موكولة إلى القراء تتعرض لخطر اختلاف القراءات باختلاف القراء المعلمين، وقول كل منهم إن قراءته هي الأدق، وخصوصاً بعد توسع الفتوحات الإسلامية، ودخول كثير من غير العرب في الإسلام، ومضى حذيفة بن اليمان الذي كان رفيق سعيد بن العاص في فتح أذربيجان، وأعلن عن تخوفه من أن يختلف الناس على القرآن، ومضى حذيفة إلى عثمان فأخبره بما رأى، وهو يقول:‏ أنا النذير العريان فأدركوا الأمة.‏ واستجاب لحذيفة، وقرر عثمان نسخ مصحف إمام، فأرسل إلى حفصة يطلب منها المصاحف التي كان قد نسخها أبو بكر فأرسلتها،‏ وأمر زيداً ليقوم بالمهمة التي قام بها أيام أبى بكر،‏ وضم إليه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص،‏ وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام،‏ وقال لهم،‏ إذا اختلفتم فاكتبوه بلسان قريش ففعلوا.‏ وبعد أن نسخوا المصحف ردَّ عثمان إلى حفصة نسختها،‏ وأرسل إلى كل أفق بمصحف وحرق ما سوى ذلك انظر صحيح البخاري (4988).
وحدد عثمان – رضي الله عنه - مع الكُتّاب – رضي الله عنهم – الأسس والمنهج الذي يعتمدون عليه في نسخ المصاحف العثمانية، وهي:
1- لا يكتب شيء إلا بعد التحقق من أنه قرآن.
2- لا يكتب شيء إلا بعد العلم بأنه استقر في العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم.
3- لا يكتب شيء إلا بعد التأكد أنه لم ينسخ.
4- لا يكتب شيء إلا بعد عرضه على جمع من الصحابة.
5- إذا اختلفوا في شيء من القرآن كتبوه بلغة قريش.
6- يحافظ على القراءات المتواترة، ولا تكتب قراءة غير متواترة.
7- اللفظ الذي لا تختلف فيه وجوه القراءات يرسم بصورة واحدة.
فالضوابط التي حددها عثمان –رضي الله عنه- لا تجعل مجالاً للشك في أن الذي بين أيدي المسلمين اليوم إنما هو عين القرآن الذي أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وما فعله الخليفة عثمان –رضي الله عنه- كان محل الرضى من الأمة ومن جميع الصحابة.‏ وهذا خلاصة ما فعله الخليفة عثمان رضي الله عنه، مع العلم أن بعض المسيحيين يزيدون وينقصون في هذه القصة، ويأخذون بعض الأقوال الشاذة، ويبرزونها على أنها الحقيقة، وهذا مخالف للمنهج العلمي كما هو معروف، فالمنهج العلمي ألا يؤخذ من الخصم إلا ما صح عند الخصم نفسه، وهكذا.
وأما عن القراءات فهي تعني كيفية النطق بكلمات القرآن، وغالبها في أداء التلاوة وكيفية النطق بكلماتها كالإدغام والإظهار والتَفخيم والترقيق والمَد والقَصْر والتليين، وهلم جرا، وليس معناها آيات جديدة، أو قرآن جديد.
وضابط القراءات المقبولة: كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانيّة، ولو تقديرًا، ووافقت اللغة العربية ولو بوجه وصحّ إسنادها، ـ فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردُّها ولا يحل إنكارُها.
وسبب تعدد القراءات مرجعه إلى النقل واللغة العربية، فليس لأحد أن يقرأ القرآن برأيه المجرد، بل القراءة سنة متبعة، بمعنى أن القراءة توقيفية أي مردها إلى الشارع الحكيم، فمتى ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بها جازت، وإلا فلا.
والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ