إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل الإعجاز العلمي من العلم؟
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاربعاء 25 ربيع الأول 1426 الموافق 04 مايو 2005
السؤال

الحمد لله، والصلاة والسلام على حبيبنا محمد وآله وصحبه، ومن والاه إلى يوم الدين. هل يوجد دليل على مشروعية الاشتغال بمسألة الإعجاز العلمي في القرآن، أو السنة النبوية الصحيحة؟ وهل نجد مثالاً في عهد (خير القرون) على ذلك؟ لأن الموضوع بين الذين يؤيدونه بشكل مطلق، والذين ينفونه بشكل مطلق أيضا ضاع عليهم الاحتكام إلى الشرع كما أمر بذلك العزيز الحكيم. و جزاكم الله خيراً.

الجواب

لقد كان الرسل - عليهم السلام - قبل النبي محمد – صلى الله عليه وسلم- يبعثون إلى أقوامهم خاصة ولأزمنة محدودة, وقد أيدهم الله –تعالى- ببينات حسية تستمر محافظة على تأثيرها وقوة إقناعها مدة الزمن المحدد لكل رسول, فإذا حرَّف الناس الدين جدده الله ببعث رسول آخر مؤيدا ببينة جديدة, ولما ختمت النبوة بمحمد – صلى الله عليه وسلم- وجعلت للناس كافة أيدها الله ببينة كبرى باقية هي القرآن الكريم, وقد ضمن الله حفظه من التحريف وتطالع الأجيال منه كل حين وجوها من الإعجاز تشهد بصدق رسالة التوحيد. ولا تتجلى وجوه الإعجاز في القرآن إلا بدراسته وتفسيره, وقد كان الصحابة – رضي الله عنهم- يتجنبون الجدل في القرآن، ويتحرجون عن تأويل ما لم يفسره النبي محمد – صلى الله عليه وسلم- وإذا اجتهد السلف صرحوا غالبا بعبارة العدول (والله أعلم بمراده).
قال ابن كثير: سأل رجل ابن عباس – رضي الله عنهما- عن "يوم كان مقداره ألف سنة" فقال له ابن عباس – رضي الله عنهما-: فما "يوم كان مقداره خمسين ألف سنة"؟, فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس – رضي الله عنهما-: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.
وعن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئاً.. كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن.
وعن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله.
فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به, فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا رويت عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير, ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه, وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى: "لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَه" [آل عمران 187]، ولِمَا جاء في الحديث: "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار".
وعن عائشة – رضي الله عنها- قالت: "ما كان النبي – صلى الله عليه وسلم- يفسر شيئا من القرآن إلا آيات تعد علمهن إياه جبريل عليه السلام".. فإن من القرآن ما استأثر الله –تعالى- بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله كما صرح بذلك ابن عباس – رضي الله عنهما- قال: التفسير على أربعة: أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله".
إن القرآن الكريم هو المعجزة الباقية لخاتم النبيين محمد -صلى الله عليه وسلم-, والمتحدى بلفظه ومعناه, ولهذا لا خلاف عند المحققين أن بيان وجوه الإعجاز فيه، وإن كان فرض كفاية على الأمة فهو فرض عين على القادرين, وقد اشتغلوا بدراسته خاصة في مجال البلاغة، وأفردوا له الكثير من المصنفات، واعتمدوا مصطلح "إعجاز القرآن", وليس مصطلح (الإعجاز العلمي في القرآن الكريم) الذي شاع اليوم إلا امتداداً لجهود أعلام الأمة في ذلك المجال, غير أنه يختص بتقديم (البينة العلمية) على أن القرآن الكريم هو كلام الله؛ لأنه يستحيل أن يعلم بشر زمن التنزيل بما أخبر به القرآن، وجاءت الكشوف العلمية بعد أكثر من عشرة قرون لتعترف بصدقه، وتقر به جميعاً رغم تعدد مجالاته ووفرته.
وقد أكثر السيوطي من ذكر تصانيف الإعجاز للسابقين عليه؛ منها: (إعجاز القرآن للخطابي، وللرماني ولابن سراقة، وللقاضي أبي بكر الباقلاني، ولعبد القاهر الجرجاني، وللإمام فخر الدين، ولابن أبي الإصبع واسمه البرهان وللزملكاني واسمه البرهان أيضا ومختصره له واسمه المجيد، ومجاز القرآن لابن عبد السلام والإيجاز في المجاز لابن القيم، ونهاية التأميل في أسرار التنزيل للزملكاني.. وبدائع القرآن لابن أبي الإصبع.. وأسرار التنزيل للشرف البارزي.. ومناسبات ترتيب السور لأبي جعفر بن الزبير، وفواصل الآيات للطوفي، والمثل السائر لابن الأثير.
قال ابن كثير: (ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: "الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذى ولا يدانى، فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء.. في غاية نهايات البلاغة، وكلما تكرر حلا وعلا لا يخلق عن كثرة الرد ولا يمل منه العلماء، ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" لفظ مسلم؛ وقوله وإنما كان الذي أوتيه وحيا أي الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه.
وقال السيوطي: (لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظماً أحسن تأليفاً وأشد تلاؤماً وتشاكلاً من نظمه, وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته.
وقال الخطابى: (وقلت في إعجاز القرآن وجها آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ في آحادهم وهو صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال ومن الروعة والمهابة في حال أخرى ما يخلص منه إليه, قال الله تعالى: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله", وقال تعالى: "الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم" الآية.
قلت: ولهذا أسلم جبير بن مطعم لما سمع قراءة النبي – صلى الله عليه وسلم- للطور حتى انتهى إلى قوله "إن عذاب ربك لواقع", قال: خشيت أن يدركني العذاب، وفي لفظ: كاد قلبي يطير فأسلم, وفي أثر آخر أن عمر – رضي الله عنه- لما سمع سورة طه أسلم، وغير ذلك.
وقول أهل التحقيق إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد عن انفراده فإنه جمع كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق.
وقال القرطبي: (.. ومنها الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي. وقال ابن كثير: (يقول تعالى مقسماً لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم أن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، فقال تعالى: "فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم".. ولهذا قال تعالى: "تنزيل من رب العالمين"؛ لأن الله -عز وجل- مقرر له ما يبلغه عنه، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات، ولهذا قال: "وإنه لحق اليقين" أي الخبر الصادق الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ولا ريب.
وقد ادخر القرآن الكريم كثيراً من الآيات للأجيال في عبارات معلومة الألفاظ، لكن الكيفيات والحقائق لا تتجلى إلا حينا بعد حين, يقول تعالى: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ" [ص: 87 - 88], وقد فسر الطبري معنى الحين بقوله: (فلا قول فيه أصح من أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقت دون وقت.
فلكل نبأ في القرآن زمن يتحقق فيه، فإذا تجلى الحدث ماثلاً للعيان أشرقت المعاني وتطابقت دلالات الألفاظ والتراكيب مع الحقائق, وهكذا تتجدد معجزة القرآن على طول الزمان, يقول العلي القدير: "وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" [ الأنعام 66و67].
ونقل ابن كثير عن ابن عباس – رضي الله عنهما- تفسيره للمستقر بقوله: (لكل نبأ حقيقة، أي لكل خبر وقوع ولو بعد حين).
وقد تردد هذا الوعد كثيراً في القرآن الكريم بأساليب متعددة، كما في قوله تعالى: "ثم إن علينا بيانه" [القيامة: 19], وقوله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" [فصلت: 53], وقوله: "وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها" [النمل 93].
قال ابن حجر: (ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه للعادة في أسلوبه وفي بلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من العصور إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه.
وقال الرافعي: (والكلام في وجوه إعجاز القرآن واجب شرعاً، وهو من فروض الكفاية، وقد تكلم فيه المفسرون والمتكلمون، فإن كان ذلك قد وفى بحاجة (تلك) الأزمنة فهو لا يفي بحاجة هذا الزمان؛ إذ هي داعية إلى قول أجمع وبيان أوسع وبرهان أنصع، في أسلوب أجذب للقلب وأخلب للب وأصغى للأسماع وأدنى إلى الإقناع.
وقال محمد رشيد رضا: (ومن دلائل إعجاز القرآن أنه يبين الحقائق التي لم يكن يعرفها أحد من المخاطبين بها في زمن تنزيله بعبارة لا يتحيرون في فهمها والاستفادة منها مجملة، وإن كان فهم ما وراءها من التفصيل الذي يعلمه ولا يعلمونه يتوقف على ترقي البشر في العلوم والفنون الخاصة بذلك.
وقال جوهري: (أما قولك كيف عميت هذه الحقائق على كثير من أسلافنا؟, فاعلم أن الله هو الذي قال: "سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" وقال: "وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا".
إن الله لا يخلق الأمور إلا في أوقاتها المناسبة، وهذا الزمان هو أنسب الأزمنة.
والمدار على الفهم والفهم في كل زمان بحسبه، وهذا زمان انكشاف بعض الحقائق.
وفي قوله تعالى: "سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" [الأنبياء: 37] قال ابن عاشور: (وعد بأنهم سيرون آيات الله في نصر الدين, وهي كما قال الرازي: أدلة التوحيد وصدق الرسول – صلى الله عليه وسلم- ولذلك قال سبحانه "فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ". أي أنها ستأتي لا محالة في وقتها, واستعجال المنكرين يعني كما قال الجوهري: استبعاد ماجاء في هذه الآيات من الأمور العلمية التي أوضحها علماء العصر الحاضر، فهم يستبعدونها طبعاً؛ لأنهم لا يعقلونها، فقال الله –تعالى- لا تستبعدوا أيها الناس "سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" فإذا لم تفهمها أمم سابقة فسيعرفها من بعدهم، فقد ادخرنا هذه الأمور لأمم ستأتي لتكون لهم آية علمية على صدقك فتكون الآيات دائما متجددة).
وقد رافق الوعد في القرآن بتجلي دلائل التوحيد فيض من التفصيلات العلمية مع دعوة صريحة للنظر في الكون، واستجوابه عن عجائب القدرة وبديع الصنع ودلائل الوحدة، والنظم المقدرة وبينات القصد منذ بَدء الخلق، مما يؤكد تناوله لنفس موضوعات العلوم الطبيعية اليوم, لأن الله تعالى لا يأمر بالتطلع والتأمل والنظر إلا إلى ما يمكن أن يبلغه علم المخاطبين أو يدركه النظر, وذلك كقوله تعالى: "قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" [يونس: 101], وقوله: "أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا" [ق:6], وقوله: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" [العنكبوت: 20], وهذه النصوص الكريمة تؤكد أن العلم بخلق الله طريق إلى معرفة الله, وهذا العلم أيضا تأهيل لإدراك صدق ما كشفه القرآن الكريم من أسرار الخلق بينة على التنزيل وصدق الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم-، ولعل هذا يفسر ربط القرآن الكريم بين أدلة صدق حديثه وبين الأمر إلى التطلع في الكون وإدراك خفايا الخلق, كما قال تعالى: "أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ" [الأعراف: 185].
لقد جعلت البشرية اليوم العلم بخلق الله سبيلا إلى معرفة الحق فإذا بها على موعد مع المعجزة الخالدة، وإذا ببينات الوحي والتوحيد في القرآن الكريم تتفجر في عصر العلم, وهكذا تسطع بين أيدينا اليوم بينة الوحي المنزل على نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم-بما نزل فيه من علم إلهي بين أسرار الكائنات.
إن العلم بخلق الله سبيل إلى معرفة الله، وطريق لبيان إعجازه في كشف خفايا الخلق، والتي جاءت الكشوف العلمية بعد قرون لتعترف بصدقها وتقر بها جميعا بينة على التوحيد وصدق نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم-، يقول العلي القدير: "لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ" [النساء: 166].
قال ابن كثير: (أي فيه علمه من البينات والهدى، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل.
ومثله قوله تعالى: "فاعلموا أنما أنزل بعلم الله" [هود: 14], وقوله تعالى: "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل" [الإسراء: 105]: أي متضمنا للحق، متضمناً علم الله.
قال الألوسي: (أي متلبسا بعلمه المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ