إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل كان المنافقون معروفين بأسمائهم في العهد النبوي؟!
المجيب
د. عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 27 رمضان 1426 الموافق 30 أكتوبر 2005
السؤال

لماذا لا يذكر علماء السيرة عدداً -ولو تقديريًّا- للمنافقين الذين كانوا في المدينة أيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكيف كان تأثيرهم بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا يعقل أن يختفوا فجأة بعد وفاته؟.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقبل أن أجيب عن سبب عدم اهتمام علماء السير والمحدثين -رحمهم الله- بالتتبع الدقيق لأسماء المنافقين، وعدهم -ولو تقديريًّا-؛ فيجب أن يعلم أن الحديث هنا عن المنافقين نفاقاً اعتقاديًّا، أي: النفاق المخرج من الملة، كمن يقع في قلوبهم بغض للدين، أو بعض شعائره، أو بغض للنبي –صلى الله عليه وسلم- أو تولي الكفار، وغير ذلك من صور النفاق الاعتقادي -نعوذ بالله من النفاق كله-.
إذا علم هذا، فإن العلماء لم يهتموا بذلك لأسباب، من أهمها ما يلي:
أولاً: أن أسماء بعض المنافقين كانت تخفى على النبي –صلى الله عليه وسلم- فضلاً عمن دونه كحذيفة –رضي الله عنه- صاحب السر -فكيف ببقية الصحابة –رضي الله عنهم-
وقد أثبت القرآن هذا، فقال تعالى : "وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ". [التوبة:101].
ولكن ليعلم أن خفاء أسمائهم لا يعني خفاء علاماتهم، وصفاتهم، بل هم معروفون للصحابة، فضلاً عن النبي –صلى الله عليه وسلم- إما بأعيانهم، وإلا فبعلاماتهم.
قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: "ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول" [محمد: 30]. يقول عز وجل: ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عياناً، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين، ستراً منه على خلقه، وحملاً للأمور على ظاهر السلامة، وردًّا للسرائر إلى عالمها، "ولتعرفنهم في لحن القول"، أي: فيما يبدو من كلامهم، الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو، بمعاني كلامه، وفحواه وهو المراد من لحن القول".
وقال في تفسير قوله تعالى: "لا تعلمهم نحن نعلمهم": لا ينافي قوله تعالى : "ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول"؛ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفاتٍ يُعْرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقاً، وإن كان يراه صباحاً ومساءً".
وقال العلامة السعدي في تفسير هذه الآية: "(لا تعلمهم) بأعيانهم فتعاقبهم، أو تعاملهم بمقتضى نفاقهم، لما لله في ذلك من الحكمة الباهرة".
وقد وقع في السيرة ما يوضح ذلك عمليًّا، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "المنهاج" (8/429): "ولهذا لما جاءه المخلفون عام تبوك، فجعلوا يحلفون، ويعتذرون،كان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، لا يصدق أحداً منهم، فلما جاء كعب، وأخبره بحقيقة أمره، قال :"أما هذا فقد صدق" أو قال : "صدقكم".
ثم إن الصحابة -رضي الله عنهم- وإن لم يعلموا بعض المنافقين بأعيانهم، إلا أنهم كانوا يعرفونهم بصفاتهم، وهذا متيقن.
وفي السنة أمثلة كثيرة تدل على علم الصحابة بصفاتهم، وعلاماتهم، أكتفي منها بثلاثة أمثلة :
(1) قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه -وهو يتحدث عن صلاة الجماعة- كما في صحيح مسلم (654): (ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق).
(2) قول كعب بن مالك رضي الله عنه -وهو يحكي قصة تخلفه عن غزوة تبوك-: (فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء). صحيح البخاري (4418)، وصحيح مسلم (2769).
(3) ما رواه البخاري في صحيحه (4668)، ومسلم في صحيحه (1018) عن أبي مسعود البدري –رضي الله عنه- قال : أمرنا بالصدقة، قال: كنا نُحامل، قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاع، قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء... الحديث.
والشاهد منه قوله: فقال المنافقون، فإنه ظاهر في معرفة الصحابة لهؤلاء المنافقين بصفاتهم، ومواقفهم، ولحن قولهم.
ثانياً -من أسباب عدم تتبع أسمائهم-:
أن خطورتهم الكبرى على الدعوة الإسلامية كانت تتمثل في العهد النبوي -إبان حياة النبي –صلى الله عليه وسلم-، أكثر من غيرها، ولما مات النبي –صلى الله عليه وسلم- ذهب بعض الخطورة، وإلا فإنهم -كما قال الله عنهم-: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) [المنافقون:4].
وليس كما قال السائل: اختفوا فجأة! بل هم موجودون، ولكنهم قلة، وذليلة –أيضاً-.
ثالثاً -من أسباب عدم تتبع أسمائهم-:
أن أعدادهم بدأت بالتناقص في أواخر العهد النبوي، فضلاً عن عهد الخلفاء الراشدين ـ رضوان الله عليهم ـ ولذلك أسباب أهمها -في نظري- أمران:
الأمر الأول: موت كبارهم، ورؤسائهم كابن أُبيّ وأضرابه.
الأمر الثاني: فضحهم بالآيات التي كشفت دسائسهم، وبينت خباياهم.
قال الله تعالى: "يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ". [التوبة:64].
قال ابن عباس رضي الله عنهما -كما في الصحيحين-: "التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنـزل (ومنهم، ومنهم)، حتى ظنوا أنها لن تبقي أحداً منهم إلا ذكر فيها".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "المنهاج" (8/474): "وينبغي أن يعرف أن المنافقين كانوا قليلين بالنسبة إلى المؤمنين، وأكثرهم انكشف حاله لما نزل فيهم القرآن، وغير ذلك".
ومما يدل على قلتهم في أواخر العهد النبوي، بل وفي أواخر عهد الخلفاء الثلاثة -أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- ما رواه البخاري في صحيحه (4658) في كتاب التفسير، باب: فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم، من طريق زيد بن وهب، قال: كنا عند حذيفة –رضي الله عنه-، فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية -أي التي بوب عليها البخاري- إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- تخبروننا، فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا، ويسرقون أعلاقنا؟ قال: أولئك الفساق، أجل لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير، لو شرب الماء البارد لما وجد برده.
وحذيفة -رضي الله عنه توفي- بعد عثمان –رضي الله عنه- بأربعين ليلة، كما يقول الذهبي في "السير" (2/364).
رابعاً: أن تعيينهم يعني الحكم على أعيانهم بالكفر الأكبر، وهذا فيه خطورة كبيرة؛ للأدلة الكثيرة في التحذير من تكفير المسلم بغير برهان ظاهر، وتأكدٍ من انتفاء الموانع التي توجب الحكم عليه بالكفر.
والحذر يكون أكثر خصوصاً في باب النفاق -الذي يخفى أمره على أكثر الناس- من جهة أن المنافقين معدودون في جملة المسلمين، وتجرى عليهم أحكام الإسلام في الظاهر، كما هو هدي النبي –صلى الله عليه وسلم- في ذلك.
خامساً:أن لهؤلاء العلماء -رحمهم الله- أسوة وقدوة في المنهج الإلهي الذي سلك سبيل التحذير منهم بأوصافهم، وعلاماتهم، لا بأسمائهم.
وإذا كان الله تعالى -وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء-لم يعينهم بأسمائهم، فكيف يطالب المخلوق -ولله المثل الأعلى- الذي يقصر علمه، وفهمه، وتتنازعه أنواع من الضعف البشري بحصرهم، وذكر أسمائهم؟
وهذا من تمام حكمة الله، إذ لو عينوا لظن غيرهم أنهم ليسوا كذلك، بل بقي الأمر مربوطاً بصفات، وعلامات حتى يحذرها المؤمن، ويخافها، والله تعالى أعلم وأحكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ