إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حديث :" خير المجالس ما استقبل به القبلة"
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الخميس 12 رجب 1428 الموافق 26 يوليو 2007
السؤال

ما معنى حديث: "خير المجالس ما استقبل القبلة"؟ آمل الجواب بالتفصيل.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فحديث: "خير المجالس ما استقبل به القبلة"، من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ولذلك أورده السخاوي في كتابه المهم في بابه:(المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة) (رقم153) بلفظ: "أكرم المجالس...". وللحديث طرق متعددة وشواهد: وأشهر رواياته حديث ابن عباس –رضي الله عنهما-، لكن الإسناد إليه شديد الضعف، وحكم عليه بالبطلان، كما تراه في أحاديث الشيوخ الثقات لأبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري وحاشية تحقيقه (رقم173). وخير أسانيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط رقم(2375)، من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة". فقد وصفه السخاوي بقوله: "سنده حسن"، وهو كما قال، فشيخ الطبراني الذي قد يتمسك من يضعف الحديث به لتضعيفه، وهو إبراهيم بن محمد بن عرق الحمصي، الصواب فيه أنه مقبول الحديث، وباقي رجال الإسناد معروفون مقبولون. لكن يبقى التفرد الذي في إسناده، أخشى أن يؤتى الإسناد من قِبَلِهِ. وقد يشير إلى عدم صحة الحديث مرفوعاً من جميع وجوهه، ما نقله السخاوي عن ابن حبان أنه حكم على الحديث بالوضع، وقال: "وقد كانت أحواله –صلى الله عليه وسلم- في مواعظ الناس أن يخطب وهو مستدبر القبلة"، لكن السخاوي تعقبه بقوله: كذا قال! وما استدل به لا ينهض للحكم بالوضع، إذ استدباره–صلى الله عليه وسلم- القبله؛ ليكون مستقبلاً لمن يعلمه أو يعظه ممن بين يديه".
وإن كنت لا أجرؤ على الحكم على الحديث بالقبول، إلا أني لا أحكم بعدم صحة معناه، وأن استقبال القبلة في المجالس، وخاصة مجالس العبادة، مثل: عند الذكر والدعاء وقراءة القرآن والتعليم ونحو ذلك، أمر دلت النصوص المتفرقة على استحسانه، وجاءت آثار السلف على اتباعه. فالقبلة هي اتجاه أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة حتى أطراف الأصابع تستقبل بها القبلة في السجود، وإشارة الإصبع في التشهد. (صحيح البخاري رقم828)وفي الحج: يحج البيت (وهي القبلة)، ويطوف بها، ويهل حين يهل بالحج مستقبلاً لها (صحيح البخاري رقم1553)، ويستقبل القبلة على الصفا والمروة للذكر والدعاء، وكذلك في عرفة، وعند المشعر الحرام بمزدلفة (صحيح مسلم رقم1218)، ويوجه الهدي عند النحر إلى القبلة (موطأ مالك رقم1112)، وبعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى يتوجه البيت بالدعاء (صحيح البخاري رقم1751،1752،1753) وفي الاستسقاء تستقبل القبلة عند الدعاء (صحيح البخاري رقم1005،1028، وصحيح مسلم رقم894). وعند الابتهال بالدعاء، كما فعل النبي –صلى الله عليه وسلم- يوم بدر (صحيح مسلم رقم1763). وحتى يدفن المسلم، يوجه إلى القبلة كما فُعِل بالنبي –صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه –رضي الله عنهما-، وكما هو حال جميع مقابر المسلمين قديماً وحديثاً، وهذا كله يدل على تكريم هذه الجهة حتى في غير الصلاة.
ويدل على أن تكريم هذه الجهة مقصد شرعي: النهي الصريح الصحيح عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة (صحيح البخاري رقم 144، وصحيح مسلم رقم264،265).ولذلك فقد جاء عن جمع من السلف استحباب الجلوس مستقبل القبلة. ففي المصنف لابن أبي شيبة (8/675) بإسناد صحيح: "أن عبد الله بن مسعود–رضي الله عنه- جلس مستقبل القبلة"، وأورده ابن أبي شيبة مع آثار أخرى، تحت باب (من كان يستحب إذا جلس أن يجلس مستقبل القبلة). وانظر أيضاً:(الأدب المفرد للبخاري رقم(1137)، وأدب الإملاء والاستملاء للسمعاني رقم(119). ويظهر من ذلك أن المقصود من هذا الحديث مطلب شرعي صحيح، وهو تكريم جهة القبلة، والحرص على الجلوس باستقبالها في حال المجالس الفاضلة. وقد عبر المناوي في (فيض القدير 2/512) عن ذلك تعبيراً حسناً، فقال: "يشير إلى أن كل حركة وسكون من العبد على نظام العبودية، بحسب نيته، في يقظته ومنامه، وقعوده وقيامه، وشرابه وطعامه، تشرف حالته بذلك، فيتحرى القبلة في مجلسه، ويستشعر هيئتها، فلا يعبث، فيسن المحافظة على استقبالها"، والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ