إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حقيقة رفع عيسى -عليه السلام- إلى السماء
المجيب
خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاثنين 06 جمادى الأولى 1426 الموافق 13 يونيو 2005
السؤال

بعض الأشخاص يروجون بأن المسيح -عليه السلام- مات ميتة طبيعية، ولم يرتفع إلى السماء ودفن في الأرض، وبعد البحث الموسع خلصتُ إلى مسألتين أحتاج مساعدتكم فيهما:
1- كلمة : "رفعه" مذكورة (29) مرة في القرآن، لكنها حين استخدمت في الكلام عن عيسى -عليه السلام- أضيف إليها كلمة (إلى) (سورة النساء: الآية 158) وبهذا الاستخدام إشارة من القرآن إلى الصعود إلى السماء.
2-كلمة "توفاه" أيضا مستخدمة في القرآن (29) مرة ، ولكن المشكلة التي أواجهها أنه في الآية (55) من سورة آل عمران، وفي كل موضع في القرآن هذه الكلمة قد تعني "نوم" أو "يؤدي إلى الموت" في حال استخدامها في سياق الكلام عن عيسى عليه السلام.
ومن واقع فهمي فقد يكون الذي حصل أن الله بطريقة ما ذهب بعيسى -عليه السلام- إلى نوع من النوم (الآية 60: سورة النساء).
أرجو تفسير الكلمتين فيما يتعلق بصعود عيسى -عليه السلام- حيًّا إلى السماء من الناحية اللغوية. وجزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله، أما بعد:
معنى: "التوفي"
التوفي في لغة العرب معناه الاستيفاء، كاستيفاء المدة من الشهور والأيام في الدنيا ، ويطلق التوفي على القبض أيضاً، كما يقال: توفيت المال واستوفيته، إذا قبضته وأخذته كاملاً، وكلاهما متقاربان.
والتوفي لا يعني الموت إلا بقرينة، فقد يطلق على الموت، وقد يطلق على غيره، والذي يحدد ذلك قرينة السياق.
ويطلق التوفي في لغة العرب على ثلاثة معانٍ:
الأول : يطلق التوفي على النوم: ومنه قوله تعالى:" الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى"[الزمر: 42].
والتوفي هنا قبض الأرواح عن التصرف في حال النوم، واستيفاء العقل والتمييز إلى وقت اليقظة، والذي ينام كأنه استوفى حركاته من اليقظة.
الثاني: يطلق التوفي على الموت، وذلك وقت انقضاء الأجل، وفيه استيفاء للروح دون البدن، فيستوفي الله الروح كما في قوله تعالى: " حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون "[الأنعام: 61]. أما البدن فليس فيه هنا استيفاء ولا قبض، بل يبقى في الأرض ويوارى في التراب.
الثالث : يطلق التوفي على توفي الروح والبدن جميعاً، أي قبضهما واستيفاؤهما جميعاً، وهذا الذي حصل للمسيح عليه السلام ، وبذلك خرج عن حال أهل الأرض الذين يحتاجون إلى الأكل والشرب واللباس والنوم وغيرها ، فحاله -عليه السلام- ليست كحال أهل الأرض في ذلك .
وعلى هذا فمعنى التوفي في قوله تعالى : " وإذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ... "[آل عمران: 55]. أي قابضك ورافعك في الدنيا من غير موت، وهذا التوفي يحتمل معنيين، وكلاهما صحيح :
الأول : أي رافعك إلي وافياً لم ينالوا منك شيئاً، كما يقال : توفيت من كذا وكذا واستوفيته : إذا أخذته تاماً .
الثاني : إني متسلّمك، كما يقال : توفيت منه كذا : أي تسلمته وقبضته .
والله لم يذكر في القرآن عن المسيح أنه مات ولا قتل ، ولو أراد الله الموت لقال : (وما قتلوه وما صلبوه بل مات) ، ولكن هذا لم يحصل ، ولو أراد الله في معنى الوفاة المذكورة في القرآن الموت ؛ لكان المسيح -عليه السلام- في ذلك كسائر المؤمنين والناس جميعاً في قبض أرواحهم والعروج بها إلى السماء ، ولو فارقت روح المسيح بدنه لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء ، ولذلك قال الله تعالى : " بل رفعه الله إليه ... "؛ ليبين أن الرفع للروح والبدن ، ويشهد لذلك الحديث الصحيح كما عند الإمام مسلم وغيره في نزول المسيح -عليه السلام- في آخر الزمان بروحه وبدنه، وهذه الأحاديث كثيرة مشهورة ومتواترة ومعروفة في كتب السنة والحديث ، ويشهد لذلك قوله تعالى : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً .."[النساء: 159] أي موته في آخر الزمان بعد نزوله عليه السلام، ولذلك قال : " ليؤمنن به " وهذا فعل مُقسم عليه، ولا يكون إلا في المستقبل ، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، كما عند البخاري (3448)، ومسلم (155) : " والله لينزلن فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ..." وهذا دلالة على المستقبل بدلالة القسم .
وخلاصة الكلام هنا أن لفظ التوفي في اللغة العربية لا يدل بنفسه على توفي الروح دون البدن، ولا توفيهما جميعاً، ولا توفي النوم إلا بقرينة منفصلة ككثير من الألفاظ العربية.
معنى :" الرفع "
الرفع في لغة العرب ضد الوضع ، وقد يستخدم في الأعيان ( أي الأجسام )، وقد يستخدم في المعاني .
والرفع في الأجسام حقيقة في الحركة والانتقال إلى جهة العلو، كما يقال : ارتفع الطائر، أو ارتفع موج البحر . فارتفاع الشيء ارتفاعاً بنفسه أي علا ، وهكذا .
وأما الرفع في المعاني فهو محمول على ما يقتضيه المقام، فمثلاً : قوله عليه الصلاة والسلام : " رفع القلم عن ثلاثة الصغير حتى يكبر و ..." أخرجه أبو داود (4398)، والنسائي (3432). معناه عدم التكليف الشرعي ، ويقال : ارتفع الرجل بحسبه ونسبه أي شرُف وصار شريفاً .
وأما معنى الرفع في قوله تعالى في سورة النساء عن المسيح عليه السلام : " بل رفعه الله إليه "، فيدل على أن الرفع هنا بمعنى العلو الحسّي أي الارتفاع؛ لأن معنى الرفع في الأجسام حقيقة في الحركة والانتقال إلى أعلى ، وهذا ما حصل للمسيح عليه السلام .
ومما يدل أيضاً أن الرفع كان حقيقة في أمر المسيح قرينة " إليه " في السياق، أي الرفع كان لمكان عالٍ؛ لأن الله أضاف جهة الرفع إليه ، والله -جل وعلا- في جهة العلو كما تدل عليه النصوص والعقل والفطرة .
وخلاصة الكلام هنا أن الرفع الوارد في الآية رفع حقيقي إلى أعلى بالبدن والروح، لأن الرفع في اللغة حقيقة في الأعيان ( أي الأجسام )، وليس مجازاً، والمسيح كان كذلك ، إضافة إلى أن جهة الرفع أضيفت لله –تعالى- وهو في جهة العلو ، فيكون الرفع هنا: أي الانتقال إلى أعلى .


إرسال إلى صديق طباعة حفظ