إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الوسوسة في التطليق
المجيب
د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
التاريخ السبت 24 شوال 1426 الموافق 26 نوفمبر 2005
السؤال

أخي يعاني من أحلام اليقظة، وعادة هذه الأحلام تكون على حسب ما يتأثر به من مواقف، وهو كما يخبرني أنه في تلك الحالة يأخذه الحلم و يتخيل مواقف تفصله عن عالم الواقع لا إراديًّا، وقد حاول أكثر من مرة مقاومة تلك الأحلام إلا أنه يرجع إليها لا إراديًّا، علماً أن هذه الأشياء تحدث له عندما يكون منفرداً، وقد أبرم عقد النكاح قريباً وانتهت هذه الأحلام فترة، ولكن رجعت إليه أحلام اليقظة مرة أخرى، وانتهى الحلم بتطليق زوجته، أقصد أن الحوادث المتخيلة في عقله تزاحمت و انتهت القصة في مخيلته بتطليق زوجته، وهو الآن يعاني، فهل وقع الطلاق أم لا؟
مع العلم أنه شاك في أن لفظ الطلاق جرى على لسانه أو في مخيلته. أفتونا مأجورين.

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "إن الله –عز وجل- تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به" رواه البخاري (6664)، ومسلم (127) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- وقال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث برقم (1183): والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيءٌُ حتى يتكلم به. انتهى، وانظر نيل الأوطار (6/290).
أما حالة أخيك فهي نوع من الوسواس، والواجب عليه عدم الالتفات إليه وإشغال نفسه بأمور تبعده عنه حتى لا يتطور إلى أمور لا تحمد عقباها.
والوسوسة : هي حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير. (القاموس/748).
والوسواس هو الشيطان، وقد أمرنا بالاستعاذة منه، قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ من شر الوسواس الخناس الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [الناس:1-6].
وسأذكر أهم وسائل علاج الوسوسة بأنواعها في الطلاق أو الطهارة أو الصلاة أو غيرها:
أولا: قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [الأحزاب:21]، فالحق في اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- قولا وفعلا وأن ما خالفه إنما هو من تسويل إبليس ووسوسته: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6].
ثانيا : لنعلم أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما كان فيهم موسوس، فلو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، وهم خير الخلق وأفضلهم .
ثالثا : ليعلم الموسوس أن عمله هذا من الغلو في الدين، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَق) [النساء:171].
وقال عليه الصلاة والسلام: "إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين"، رواه أحمد (1851) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-
رابعا: بعض الناس يبرر ما يقع به من الوسوسة بأنه احتياط للعبادة.
وهذا القول مردود، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في رد شبه الموسوسين: (من ذلك قولهم: إن ما نفعله احتياط لا وسواس، قلنا سموه ما شئتم فنحن نسألكم: هل هو موافق لفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمره، وما كان عليه أصحابه أو مخالف؟
فإن زعمتم أنه موافق فبهت وكذب صريح، فإذن لابد من الإقرار بعدم موافقته وأنه مخالف له فلا ينفعكم تسمية ذلك احتياطا، وهذا نظير من ارتكب محظورا وسماه بغير اسمه، كما تسمى الخمر بغير اسمها والربا معاملة). وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (الاحتياط حسن ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك الاحتياط).
خامسا: وجوب الكف عن الاسترسال في الوسوسة, والانتهاء عنها بقطع حبالها ومتعلقاتها, مستعيناً لذلك بالاستعاذة بالله من شر الشيطان الرجيم، قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت:36] وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنّ للشيطان لـمَّة بابن آدم, وللمَلَك لـمَّة, فأما لـمَّة الشيطان, فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق, وأما لـمَّة الملك, فإيعاد بالخير, وتصديق بالحق, فمن وجد ذلك, فليعلم أنه من الله, فليحمد الله, ومن وجد الأخرى, فليتعوّذ بالله من الشيطان الرجيم", ثم قرأ: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء" رواه الترمذي (2988)، وابن حبان (997).
وأنصح من ابتلي بشيء من ذلك بقراءة الفصل النفيس الذي أفرده ابن القيم في كتاب إغاثة اللهفان (1/126)، وكتاب (ذم الموسوسين) لابن قدامة، وتلبيس إبليس لابن الجوزي.
كما أنصح أخي بمراجعة طبيب نفسي للنظر في أمره.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ