إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حكم العمل في البنوك الربوية
المجيب
د. عبد الله بن محمد السعيدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التاريخ الثلاثاء 05 رمضان 1422 الموافق 20 نوفمبر 2001
السؤال
إنني مهندس اتصالات وشبكات ، عرض عليّ العمل في أحد البنوك التي يغلب على تعاملها المعاملات الربوية كمهندس في قسم الشبكات والحاسب ، سمعت عن فتوى تجيز العمل في هذه البنوك حتى لا يسيطر غير المسلمين عليها داخل البلد الإسلامي ، وأن العامل فيها يأخذ أجر الاحتباس في أوقات العمل .
الجواب
إن الذي يعمل في البنوك الربوية لا يخلو عمله من أحوال :
الحال الأولى : أن يكون رباً صِرفاً سواء كان للعامل ( الموظف ) ، أو لغيره ( البنك ) كالقرض بفائدة مشروطة ، سواء كان بالقرض المباشر من إدارة القروض ، أو كان طريقه أدوات الائتمان كالكمبيالة من جهة حسمها ، وبطاقة الائتمان ، ونحو ذلك ، فهذا الصنف العمل فيه عمل بالربا ، وهو ممنوع لما سيأتي من أدلة.
الحال الثاني : أن يكون عمله مما يدعو ، ويؤدي إلى الربا، مثل ما تسميه البنوك بـ " أدوات الائتمان " وهي أعمال خدمية غاية البنوك منها أن تكون وسيلة لتسويق وترويج سلعتها الأساسية " الربا "، ومن أمثلتها :الاعتماد المستندي ، فتح الاعتماد البسيط ، خطاب الضمان ، بطاقة الائتمان ، ونحو ذلك، فهذا الصنف العمل فيه إعانة على الربا ، فهو ممنوع لهذا الاعتبار ، وأدلته ستأتي علاوة على أن جنس هذه الأعمال لا تخلو من مخالفات شرعية على الراجح ، كالتكسب بالكفالة وأخذ أجر عليها ، وكاصطناع خدمات عدة يلزم العميل بدفع مقابلها على هيئة رسوم ، أو عمولة ، أو خدمات ، ونحوها ، ودعوى ما يستحق الأجر بمقابله يضيق عند التحقيق، بحيث يظهر أن مقصودها أكل أموال الناس بالباطل بمجرد ما يدعيه من هذا القبيل ، وهو مما يحتج به على منع العمل فيها .
الحال الثالث: أن يكون عمله مشروعاً – من حيث الظاهر –، ومثاله: ما تعلن البنوك الربوية القيام به من أعمال مشروعة – على الراجح – كالمرابحة للآمر بالشراء، وصناديق الاستثمار الاسلامية ، ونحوها .
وجنس هذه الأعمال علىفرض سلامتها من مخالفة شرعية – والغالب عدمه – فإن غاية البنوك منها أن تتقوى بها على دعم رسالتها الأساسية " الربا " من خلال :
01 منافسة البنوك الإسلامية كيلا تسحب العملاء عنها.
02 تقوية مركزها المالي .
ويترتب على مزاولة البنوك الربوية لهذا الجنس من الأعمال مفاسد منها :
01 منافسة البنوك الإسلامية .
02 إذابة الفروق بين البنوك الربوية والبنوك الإسلامية ، ومن مقاصد الشريعة: " تمييز الخبيث من الطيب " .
03 التلبيس على العامة ، وهو فرع عن سابقه.
04 التلبيس على بعض المفتين ، وطلاب العلم ، وهو فرع عن سابقه رقم "2".
05 ويترتب على التلبيس على العامة أن يألفها الناس ، فلا يأنفونها ولا يتورعون عن التعامل معها ، وهذا فيه ما فيه .
06 ويترتب على التلبيس على الخاصة تغيَّر نظرتهم تجاهها ، مما يؤثر على فتاويهم ومواقفهم بشأنها على نحوٍ يكون فيه ما فيه من التسامح .
07 ويترتب على كل ما سبق دعم البنوك الربوية .
وإذا كان الربا هو أساس عمل هذه البنوك ، ولا تزال تمارسه وتدعو إليه بجانب ما تقوم به من أعمال تدعي أنها إسلامية .
وإذا كان من شأن هذه الأعمال دعم رسالة البنوك الربوية ، وتثبيت قدمها ، وإحداث القبول لها من العامة ، وبعض الخاصة ، وإذا كانت الشريعة المطهرة تعتبر بالمآلات ، وتنيط بها أحكامها ، وإذا كان من المقرر عند الفقهاء في قواعدهم " المعاملة بنقيض القصد " فالظاهر عندي منع العمل فيما هذا جنسه لدى البنوك الربوية تفويتاً للفرصة عليها ، ومعاملة لها بنقيض قصدها ، ودفعاً للضرر عن البنوك الإسلامية.
الحال الرابع : أن لا يكون عمله من قبيل المعاملات المالية المصرفية المذكورة في الأحوال الثلاثة السابقة ، وذلك له أحوال مختلفة ، ومن أظهرها موضوع السؤال ، وهو العمل في الحاسب الآلي كأن يكون مبرمجاً ، ومهندساً لنظم البنك التي تقوم عليها معاملاته ، وتنضبط بها شؤونه ، فهذه معونة على الربا أظهر من مجرد كتابة عقده المتوعد عليها .
وبكل حال : فإن القيام بعمل الربا ، أو المعونة عليه ممنوع شرعاً لما يلي :
01 لتحريم الربا : فإن المحرم لا يجوز للإنسان أن يفعله لنفسه أو لغيره ، وإن كان يحرم عليهما معاً ، والربا من ذلك .
02 لنهي الله – تعالى – عن التعاون على الإثم والعدوان كما في قوله - تعالى -: " .. ولا تعاونوا على الإثم والعدوان .."
03 للعن آكل الربا ، والمعين عليه ، كما في الحديث الذي رواه مسلم (1597) " لعن الله آكل الربا ، وَمُؤْكِلِهُ ، وكاتبه ، وشاهديه ... ". والملعون – عياذاً بالله – في هذا الحديث أربعة أطراف إثنان ركنان في ماهية الربا ، لا يتصور وجود الربا دونهما، وهما : الآكل (المقرض) والموكل ( المقترض ) . واثنان خارجان عن ماهية العقد بمعنى: أن الربا يمكن أن يوجد دون توقف عليهما ، وهما: الكاتب ، والشهود ، ومع ذلك طالهم اللعن لإسهامهما فيه وإعانتهما عليه ، والذي يعمل في الحاسب الآلي ليس أقل شأناً من هذا، فإن في الحاسب الآلي ضبط أعمال البنك وتيسير شؤونه .
والمقام يا أخي الكريم مقام فتيا لا يتسع لكثير بسط – ربما – ولمزيد من التفصيل يمكنك الرجوع إلى كتاب : (الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة) فثم بغيتك في الجزء الثاني ص 875 . لكن : " عليّ لربع العامرية وقفة " . عليّ وقفة لمناقشة احتجاج من يفتون بجواز العمل في البنوك الربوية – كما ذكرت – بقولهم : " حتى لا يسيطر عليها غير المسلمين داخل البلد الإسلامي " أقول : هذا يناقش من وجوه :
الأول : هل نحن نقر هذه الأعمال – أعني المسلمين – حتى ننافس فيها، فإن المنافسة لا تكون إلا في المشروع ،أما الممنوع فلا .
الثاني : إن هذا القول أشبه بقول القائل :" بجواز البغاء للمسلمات " كيلا يسيطر غيرهن على هذا العمل في البلد الإسلامي ، وهو ظاهر السقوط .

إرسال إلى صديق طباعة حفظ