إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان سبب نزول آية الكرسي
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 27 محرم 1427 الموافق 26 فبراير 2006
السؤال

هل يصح كون سبب نزول آية الكرسي الحديث الآتي: (سأل بنو إسرائيل رسولهم موسى: هل ينام ربك؟ فقال موسى: اتقوا الله، فناداه ربه عز و جل: يا موسى سألوك هل ينام ربك؟ فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث، نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال الله تعالى: يا موسى لو كُنت أنام لسقطت السماوات والأرض، فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك)؟. ولهذا السبب أنزلت آية الكرسي. أرجو الرد.

الجواب

الحمد لله ذي المحامد العليّهْ، والصلاة والسلام على هادي البشريّهْ، وعلى أزواجه والذريّهْ، أما بعد:
فلهذا الحديث -الذي فيه قصةٌ لموسى مع ربّه عز وجل، عن تنزيه الله تعالى عن النوم- رواياتٌ:
الأولى: رواية أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-:
أخرجها أبو يعلى في المسند (6669)، وابن جرير في تفسيره (4/534)، وابن أبي حاتم في التفسير (18015)، والدار قطني في الغرائب -كما في أطرافه- (5229)، والبيهقي في الأسماء والصفات (79)، والخطيب في تاريخ بغداد (1/268)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (23،22)، كلهم من طريق أميّة بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، به.
لكن جاء فيه أن موسى -عليه السلام- هو الذي وقع في نفسه السؤال عن الله عز وجل: هل ينام؟!!
وأميّة بن شبل اليماني لمّا ترجم له الذهبي في ميزان الاعتدال (1/276)، لم يذكر فيه توثيقاً، بل قال: "له حديث منكر، رواه عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعاً، قال: وقع في نفس موسى: هل ينام الله... الحديث، رواه عنه هشام بن يوسف. وخالفه معمر، عن الحكم، عن عكرمة قوله، وهو أقرب، ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى، وإنما رُوي أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك".
فأضاف ابن حجر في اللسان (2/219) أن ابن حبان ذكره في الثقات.
قلت: وفاتهما أن يحيى بن معين قال عنه: "ثقة"، كما في الجرح والتعديل (2/302)، والثقات لابن شاهين (109)، وتاريخ الإسلام للذهبي (4/583).
وفاتهما أيضاً أن علي بن المديني قال عنه في سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة له (202): "ما بحديثه بأس".
إذن فأميّة بن شبل مقبول الحديث حَسَنُه، لكن تبقى العلّتان اللتان أشار الذهبي إليهما.
- مخالفته لمعمر بن راشد، وتأتي.
- والنكارة في متنه، والتي أشار إليها البيهقي أيضاً في الأسماء والصفات، ثم ابن كثير في تفسيره.
أما رواية معمر بن راشد عن الحكم بن أبان عن عكرمة موقوفاً عليه، ليس فيه ذكر أبي هريرة ولا النبي –صلى الله عليه وسلم- فأخرجها عبد الرزاق في تفسيره (1/102)، ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (4/533)، والخطيب في تاريخ بغداد (1/268-269).
ونبّه الخطيب إلى مخالفة رواية أميّة بن شبل لرواية معمر، وكذلك ابن عساكر في تاريخ دمشق.
ولا شك أن معمر بن راشد أحفظ وأتقن بمراتب من أميّة بن شبل، فحديثه أولى، ولذلك أورد ابن الجوزي هذا الحديث في العلل المتناهية، أي أنه يعدّه من الأحاديث الشديدة الضعف.
وبذلك لا يصحّ هذا الخبر من هذا الوجه إلا عن عكرمة مولى ابن عباس موقوفاً عليه.
الثانية: رواية ابن عباس عن النبي –صلى الله عليه وسلم- مرفوعة:
أخرجها ابن مردويه في تفسيره، ومن طريقة الضياء في المختارة (10/113-114) (111)، قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم: حدثنا محمد بن الفضل بن موسى: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي: حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن نبيَّ الله –صلى الله عليه وسلم- قال: إن بني إسرائيل سألوا موسى –عليه السلام- هل ينام ربُّك؟..."الحديث.
فمحمد بن عبد الله بن إبراهيم هو أبو بكر الشافعي صاحب الفوائد الشهيرة بالغيلانيات (ت354هـ)، وهو أحد الحفَّاظ المتقنين.
ومحمد بن الفضل بن موسى الرازي القُسْطاني (توفي بين 281هـ و290هـ)، قال عنه ابن أبي حاتم: كتبت عنه وهو صدوق. الجرح والتعديل (8/60) وانظر له: تاريخ بغداد للخطيب (3/152-153)، وتاريخ الإسلام للذهبي (6/821).
وأحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن عثمان الدَّشتكي، هو وأبوه، وجدّه من رجال التهذيب، وكلّهم مقبول، وأقلّهم هو الجدّ: عبد الله بن سعد بن عثمان، فمع أن الحافظ قال عنه: "صدوق"، إلا أنه لم يذكر عنه في التهذيب، إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات، وأنه من رجال أبي داود والترمذي والنسائي، ويضاف إليهم أنه أخرج له أبو عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم، كما في إتحاف المهرة لابن حجر (2/554رقم 2236)، وهذا يرفع (مع ما سبق) من شأنه.
وأشعث بن إسحاق بن سعد القُمي: صدوق مقبول الرواية.
وجعفر بن أبي مغيرة دينار الخزاعي القُمي: صدوق مقبول الرواية، لكنه ليس من أقوى الرواة عن سعيد بن جبير، حتى قال ابن منده في الردّ على الجهمية (15): "ليس بالقوي في سعيد بن جبير"، ومع أن الإمام أحمد هو أجل، وعبارته أجل عبارة في توثيقه، إلا أنه قدَّم أسلم المنقري عليه، وقال في هذا السياق: "جعفر ليس بالمشهور" العلل (5256)، وهو يعني أنه ليس بتامّ الشهرة؛ وكذلك ابن منده: إنما يعني (فيما يظهر) أنه ليس بأقوى ما يكون في سعيد بن جبير.
قلت: فهذا إسنادٌ ظاهره الحُسن عن ابن عباس –رضي الله عنهما- لكن له علّة، فقد خولف بوجهين:
الأول: أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (2580)، قال: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي... بالحديث، لكنه جعله موقوفاً على ابن عباس، ليس مرفوعاً إلى النبيّ –صلى الله عليه وسلم-
وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (138)، عن ابن أبي حاتم بمثله تماماً.
وأحمد بن القاسم بن عطية الرازي أبو بكر: حافظ، وثقه ابن أبي حاتم. الجرح والتعديل (2/67-68)، وتاريخ الإسلام للذهبي (6/275).
فخالف أحمد بن القاسم: محمد بن الفضل بن موسى، في شيخهما أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، فالأول رواه موقوفاً، والثاني رواه عنه مرفوعاً.
فإن لم تكن الرواية الموقوفة هي الأشبه بالصواب، فلن تكون المرفوعة إلا مساويةً لها، وعليه لا يُحكم للرفع على الوقف.
وقد رجّح ابن كثير في تفسيره الرواية الموقوفة.
الوجه الثاني من المخالفة: يجعل الحديث موقوفاً على سعيد بن جبير، ليس فيه ذكر ابن عباس أصلاً.
أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب السنّة (1028) من طريق يحيى بن يمان، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، موقوفاً عليه.
وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (4/276-277) من طريق جرير بن عبد الحميد عن أشعث بن إسحاق وابن عمّه يعقوب بن عبد الله، كليهما عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير موقوفاً عليه.
وبذلك يتابعُ جرير بن عبد الحميد يحيى بن يمان على رواية هذا الحديث عن أشعث بن إسحاق موقوفاً على سيعد بن جبير، خلافاً لراو واحد هو عبد الله بن سعد الدشتكي الذي ذكر فيه (ابن عباس) مرفوعاً أو موقوفاً (كما سبق). وواحدٌ من ذينك الراويين أولى بالصواب من عبد الله بن سعد، فكيف وقد اتفقا على مخالفته.
ولذلك فإن الأصوب في هذا الإسناد أن يكون من كلام سعيد بن جبير.
أما ما جاء عند أبي نعيم في الحلية (4/302)، والضياء في المختارة (10/295-296) من رواية بعض أطراف هذا الحديث من رواية زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعاً إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فهو مع ما في زياد البكائي من ضعف، فهو معدود في أفراده عن عطاء بن السائب ومن مناكيره. كما تراه في الكامل لابن عدي (3/192)، وميزان الاعتدال للذهبي (2/91-92). كما أن عطاءً اختلط، ولم أجد ما يدل على وقت سماع زياد البكائي منه، لا أنه قبل الاختلاط، ولا أنه بعده.
ومن ثَمَّ ليس في هذه الرواية ما يقوّي رفع الحديث.
الثالثة: رواية عبد الله بن سلام –رضي الله عنه- موقوفاً عليه.
أخرجها الآجري في الشريعة (764)، والخطابي في غريب الحديث معلقة (2/375-376)، كلاهما من طريق منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِراش، عن خرشة بن الحرّ، قال: دخلت على عبد الله بن سلام فانقبض مني، حتى انتسبت له، فعرفني، فقال: والله لا أحدّثُ بشيءٍ إلا وهو في كتاب الله -عز وجل-: إن موسى –عليه السلام- دنا من ربه –عز وجل- حتى سمع صريف الأقلام، فقال:يا جبريل، هل ينام ربّك؟ قال جبريل : يا رب يسألك هل تنام؟ قال: يا جبريل، أعطه قارورتين، فليمسكهما الليلة لا ينام، فأعطاه، فنام، فاصطدمت القارورتان، فانكسرتا، فقال: يا ربّ، قد انكسرت القارورتان، فقال: يا جبريل، إنه لا ينبغي لي أن أنام، ولو نمت لزالت السماوات والأرض".
وإسناده صحيح، وهو نص على أن هذا الخبر من الإسرائيليات؛ لأن عبد الله بن سلام يذكر أنه في كتاب الله تعالى، وهو ليس في القرآن فهو يعني التوراة. ومن المعلوم أن عبد الله بن سلام –رضي الله عنه- كان أحد أحبار اليهود قبل إسلامه. ثم إن هذا الخبر لو كان عند عبد الله بن سلام عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أو سمعه عنه، لكان أوثق له أن يرويه عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فعُدُوله عن روايته عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- يدل على أنه لا يعرفه إلا عن كتب أهل الكتاب.
الرابعة: رواية أبي بردة بن أبي موسى (وهو تابعي) مقطوعاً:
أخرجها البيهقي في الأسماء والصفات (78) من طريق عاصم بن علي عن المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، قال: إن موسى عليه السلام قال له قومه: أينام ربّك؟ ...الحديث.
وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (119) من هذا الوجه، لكن وقع فيه من رواية أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري موقوفاً عليه. ولكن يبدو أنه خطأ، حيث إن السيوطي ذكر الأثر في الدر المنثور (12/305)، مَعْزُوًّا إلى أبي الشيخ والبيهقي، أنهما روياه عن أبي بردة موقوفاً عليه، ليس فيه ذكر أبي موسى الأشعري.
ثم إن هذا الإسناد فيه ضعف، حيث إن المسعودي (عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة) أحد المختلطين، وسماع عاصم بن علي منه بعد الاختلاط، كما تراه في تاريخ بغداد للخطيب (10/220).
هذا ما وقفت عليه من روايات هذا الخبر، وأصحّها وأقواها ما جاء عن عبد الله بن سلام –رضي الله عنه- موقوفاً عليه، وهو مما نقله من كتب أهل الكتاب والغالب أن من ذكره من التابعين، وصحّ عنهم، كعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير = قد تلقّاه عن أهل الكتاب أيضاً.
وهو من الإسرائيليّات التي ليس عندنا ما يكذّبها، ولا ما يصدّقها، فلا يجوز أن نردها ولا أن نقبلها، ويجوز أن تُروى معزوة إليهم، لقوله –صلى الله عليه وسلم-: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". صحيح البخاري (3461).
أمّا أن هذا الخبر هو سبب نزول آية الكرسي بالمعنى المعروف لأسباب النزول فلا وجه له، وإنما المقصود أنّ هذه الآية نزّهت الله –عز وجل- عن نقص كان قد وقع السؤال عنه في الأمم التي قبلنا، فجاء الجواب عنه في آية الكرسي: "لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم". هذا.. والله أعلم.
والحمد لله على أفضاله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ