إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان طاعة ولي الأمر
المجيب
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ الجمعة 19 ربيع الأول 1423 الموافق 31 مايو 2002
السؤال
هل رئيس الجمهورية له حق الطاعة بالرغم أنه لا يعمل بشريعة الإسلام؟ وما العمل إذاً للعودة بالعمل بها؟ أرجو رد فضيلتكم؛ لأن هذا الموضوع قد أثار جدلاً وخلافات بين جميع طلاب الجامعة عندنا.
الجواب
كل رئيس أو حاكم لا يحكم بشريعة الله فهو كافر؛ لقوله –تعالى-: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" [المائدة:44]، وقوله: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً" [النساء:65]، وليس لمن هذه حاله ولاية شرعية على مسلم "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا" [النساء:141]، هذا جواب مجمل لشخص غير معين.
أما إذا أريد تطبيق هذا الحكم على شخص بعينه يحكم بغير ما أنزل الله ففي الأمر تفصيل لا يخلو من ثلاث حالات، هي:
1-إذا كان يحكم بغير ما أنزل الله من القوانين الوضعية وهو يعلم حكم الله في مسألة أو مسائل، ويرى أن الحكم فيها بما أنزل الله لا يصلح لهذا الزمان فهو كافر كفراً أكبر ينقله عن الملة وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ لأن لسان حاله أو مقاله رد لحكم الله، وقد نصب نفسه مشرعاً معه -سبحانه-.
2-وإن حكم بغير ما أنزل الله في أمر ما وهو يعلم حكم الله، ويرى أن حكم الله وحكم غيره من المتبعين للطاغوت سواء وهو بالخيار له الأخذ بأحدهما مما يراه ينفع نفسه أو ينفع الناس في زعمه، فهو كافر كفراً أكبر كالذي قبله تماماً.
3-إن حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله أصلح للخلق في دينهم ودنياهم، وإنما حكم بخلافه متأولاً، أو مجبراً، أو مكرهاً، أو لشهوة عنده فمن هذه حاله لا يكفر كفراً ينقله عن ملة الإسلام وهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب وهذا الذي يسميه العلماء كفراً دون كفر.
والصنفان –الأول والثاني- لا يجوز للمسلمين أن يقبلوا ولايتهم بحال، وهم آثمون بذلك.
أما الصنف الثالث فواجب المسلمين نصحهم وتوجيههم والإنكار عليهم، وإن استطاع المسلمون عزلهم وتعيين من هو أصلح منهم جاز لهم ذلك بشرط أمن الفتنة من سفك دماء، أو انتهاك أعراض، أو إهدار أموال، وإذا لم يكن تولية حاكم أصلح من هذا فيجب أن يسمع له ويطاع ما لم يأمر بمعصية الله؛ لحديث عبد الله بن عمر بن الخطاب في الصحيحين (البخاري (2955) ومسلم (1839)): "السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره إلا أن يؤمر بمعصية الله فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة". وينبغي التنبيه إلى أن كلاً من المشرع –الواضع- للقوانين الوضعية، والمدافع –المحامي- عنها هما والحاكم بها سواء بسواء، بل إن المشرع والمدافع عنها بالباطل أعظم جرماً وكفراً من الحاكم بها.
وحديث عبد الله بن عمر أصل من أصول الحكم حدد فيه الرسول –صلى الله عليه وسلم- سلطة الحاكم على المحكوم، وحفظ للمحكومين دينهم وعزتهم أمام الحاكم وغيره، والمراد بالمعصية في الحديث، هي: المعصية الصريحة الواضحة المنصوص عليها في الكتاب أو السنة، وليست المعصية –المختلف فيها- التي يتأولها الآمر أو المأمور ويتحايل كل منهما ليبرر معصيته، وكثير من الحكومات اليوم –التي تحكم بالقوانين الوضعية- تأمر شعوبهاً أفراداً أو جماعات بأعمال تسير بها حياة الناس كوضع أنظمة للمرور وقوانين السفر والتجارة والصناعة...إلخ، مما فيه مصلحة ولا يخالف نصاً صريحاً في القرآن أو السنة، وتلزم بها الناس وتعاقب من يخالفها أو يخرج عليها بعقوبات مالية أو بدنية، ففي مثل هذه الحال يجب على الناس السمع والطاعة؛ لأنهم لم يؤمروا حينئذ بمعصية وإنما أمروا بطاعة، ولكننا -مع الأسف- نجد كثيراً من الناس ومن الشباب خاصة لا يطيعون فيما أمروا به في هذا إذا لم يوافق هواهم أو رغبتهم، بل إن بعض الناس يجتهد في التقصير في أداء ما أمر به بالخروج على هذه النظم قربة إلى الله –سبحانه-! وهذا فهم سقيم وتأول فاسد ترده النصوص الشرعية كحديث عبد الله بن عمر هذا، وحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين (البخاري (7199) ومسلم (1709)): "بايعنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا ما لم نؤمر بمعصية فإذا أمرنا بمعصية فلا سمع ولا طاعة"، ومعناه: أن الصحابة بايعوا رسول الله أن يسمعوا ويطيعوا لمن سيتولى أمرهم على مر الزمان وجميع الأحوال من قوة، أو ضعف، أو محبة، أو كراهية، أو جور، أو عدل ما لم يؤمروا بمعصية واضحة وصريحة، فهذه النصوص النبوية وأمثالها ترد هذه التأولات والتخرصات، ثم لو أخذ بها لسادت المجتمع الفوضى، وانتشر فيه الظلم والتعدي بين الناس، وانتهكت فيه الأعراض، وسلبت فيه الأموال....إلخ.
وحين نقول: يجب أن يسمع ويطاع لمثل هذا الحاكم الآمر، لا يعني أنه عادل في حكمه هذا، بل قد يكون ظالماً متعدياً، كما يحتمل أن يكون المحكوم –المأمور- ظالماً أو مظلوماً، والظلم من كل أحد وعلى كل أحد حرام: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماًَ فلا تظالموا" مسلم (2577) ولكنه حرام على الآمر فقط، أما المأمور فيجب عليه التنفيذ حيث لم يؤمر بمعصية، ثم إن الظلم في مثل هذه الأمور المتأولة أمر تقديري تختلف فيه الأنظار والآراء والغالب أن المأمور ينظر لنفسه ويحكم لها؛ لأنه ربما يرى أنه مهان فمن النادر أن يكون تقديره للظلم الواقع عليه صواباً.
ومما يلاحظ في عامة النصوص التي تأمر بالسمع والطاعة في غير معصية أنها لم تذكر أو تقيد صفة هذا الآمر هل هو كافر صريح، أم متأول، أم مسلم ظالم، أم فاسق، فقد يأمر الحاكم الكافر الصريح في كفره بعض المسلمين بأمر ليس فيه معصية لله، كما هو الحال في الأقليات المسلمة في ديار الغرب، حيث يطالب المسلمون بالتقيد بأنظمة وقوانين تلك البلاد الكافرة، وقل مثل ذلك في كثير من المسلمين في البلاد العربية والإسلامية التي تحكم حكوماتها بالقوانين الوضعية، مع الحكم بالشريعة في الأحوال الشخصية مثلاً المسلمون وإن لم يكونوا أقلية في ديارهم لكنهم مضيق عليهم فلا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، بل ربما منعوا من رفع دعواهم إلى المحاكم لرفع الأذى والظلم عنهم، فحال الأقليات المسلمة في ديار الغرب وحال المسلمين المستضعفين في ديارهم سواء بسواء، فواجب الجميع السمع والانقياد إذا أمروا بطاعة، ويجب عليهم الإنكار أو الامتناع والرفض إذا أمروا بمعصية.
وأخيراً أنصح السائل وإخوانه بالابتعاد عن الخلاف والجدل فيما لا طائل تحته ولا ينتج ثمرة، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. آمين.

إرسال إلى صديق طباعة حفظ