إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل أجاز ابن تيمية الذكر الجماعي؟
المجيب
عبد الله بن علي الريمي
ماجستير من كلية الشريعة من جامعة الإمام
التاريخ الثلاثاء 25 رجب 1426 الموافق 30 أغسطس 2005
السؤال

السلام عليكم.
هل أجاز ابن تيمية الذكر الجماعي؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، أما بعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فالواجب على الإنسان أن يسأل عن حكم الله في الأمر من أجل العمل به على بصيرة, ولا يكن همه معرفة كلام الرجال ليجد المخارج والذرائع لمخالفة السنة, ولا شك أن العلم يؤخذ من العلماء, وكلام العلماء ما هو إلا مبين لحكم الله، فإن أقام العالم دليلاً معتبراً على ما قال من حكم قُبِل قوله, وإلا ردَّ قوله كائناً من كان, مع الأخذ بالاعتبار أن العلماء يتفاضلون بقدر حظهم من الأخذ بالأدلة من الكتاب والسنة، ومن أعيان هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فالنفوس تطمئن وتسكن إلى أقواله؛ لما عرف به -رحمه الله- من الحرص الشديد على اتباع الدليل من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما منحه الله من سعة الاطلاع وحسن الفهم.
ومن باب مدارسة العلم والانتفاع بأقوال الأئمة من العلماء يكون الجواب كالتالي:
جاء في مختصر الفتاوى المصرية -للإمام أبي عبد الله البعلي –رحمه الله- المتوفى سنة (777هـ) (ص 92)- قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والاجتماع على القراءة والذكر والدعاء حسن, إذا لم يتخذ سنة راتبة ولا اقترن ببدعة" ا.هـ.
فمن يعرف مسلك شيخ الإسلام في اتباع السنة يحمل هذا القول على أن المراد الاجتماع المشروع للقراءة والذكر والدعاء على الوجه المشروع, ويبين ذلك النص الكامل لكلامه رحمه الله كما ورد في [مجموع الفتاوى (22/ 520-521)]، والشاهد منه ما يلي:
قال رحمه الله: "الاجتماع لذكر الله واستماع كتابه والدعاء عمل صالح، وهو من أفضل القربات والعبادات في الأوقات،... لكن ينبغي أن يكون هذا أحيانا في بعض الأوقات والأمكنة، فلا يجعل سنة راتبة يحافظ عليها إلا ما سنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المداومة عليه في الجماعات من الصلوات الخمس في الجماعات، ومن الجمعات والأعياد ونحو ذلك.
وأما محافظة الإنسان على أورادٍ لـه من الصلاة أو القراءة أو الذكر أو الدعاء طرفي النهار وزلفًا من الليل وغير ذلك.... فهذا سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- والصالحين من عباد الله قديمًا وحديثًا، فما سنَّ عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات فعل كذلك، وما سنَّ المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك. " ا.هـ.
وتأمل قوله رحمه الله تعالى: "فما سنَّ عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات فعل كذلك، وما سنَّ المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك" فهو قاعدة في بابه، وقال رحمه الله تعالى: "لا ريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبر عنه لسان ولا يحيط به إنسان وما سواها من الأذكار قد يكون محرما وقد يكون مكروها وقد يكون فيه شرك مما لا يهتدي إليه أكثر الناس وهي جملة يطول تفصيلها. وليس لأحد أن يسن للناس نوعا من الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة يواظب الناس عليها كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به؛ بخلاف ما يدعو به المرء أحيانا من غير أن يجعله للناس سنة، فهذا إذا لم يعلم أنه يتضمن معنى محرما لم يجز الجزم بتحريمه؛ لكن قد يكون فيه ذلك والإنسان لا يشعر به. وهذا كما أن الإنسان عند الضرورة يدعو بأدعية تفتح عليه ذلك الوقت فهذا وأمثاله قريب. وأما اتخاذ ورد غير شرعي واستنان ذكر غير شرعي، فهذا مما ينهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة ونهاية المقاصد العلية ولا يعدل عنها إلى غيرها من الأذكار المحدثة المبتدعة إلا جاهل أو مفرط أو متعد". ا.هـ.
ومن أمثلة ما نهى عنه شيخ الإسلام –رحمه الله- من الذكر والقراءة المحدثة، قال رحمه الله: "لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو هو والمأمومون عقيب الصلوات الخمس كما يفعله بعض الناس عقيب الفجر والعصر؛ ولا نقل ذلك عن أحد، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة" [مجموع الفتاوى (22/. 512)].
وقال رحمه الله: "ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وخلفاؤه يجهرون بعد الصلاة بقراءة آية الكرسي ولا غيرها من القرآن، فجهر الإمام والمأموم بذلك والمداومة عليها بدعة مكروهة بلا ريب" [مجموع الفتاوى (ص 508)].
وقال رحمه الله :"فقراءة القرآن كل واحد على حدته أفضل من قراءته مجتمعين بصوت واحد، فإن هذه تسمى قراءة الإدارة، وقد كرهها طوائف من أهل العلم " [مجموع الفتاوى (30/ 50)] وينظر كذلك (جزء 4، ص 428).
والمراد هنا للتعبد، وأما للتعليم فقد رخص فيه كثير من أهل العلم.
مما تقدم يتضح منهج شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في الذكر الجماعي، وأنه كما قرره بعبارته -رحمه الله- حيث قال: "فما سن عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات فعل كذلك، وما سنَّ المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك".
فوائد:
(1) عندما يرد لفظ الذكر الجماعي أو الاجتماع للذكر في كلام العلماء أو ما يدل على هذا المعنى في النصوص الشرعية فهو لا يعني الذكر بصوت واحد من تسبيح ونحوه بل المراد مطلق الاجتماع للذكر من مذاكرة علم أو استماع لقراءة أو نحوه, أما الذكر بصوت واحد فأمر زائد على مطلق الاجتماع.
(2) بما أن العبادات توقيفية بمعنى أن كل عبادة لم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- فهي مردودة على صاحبها كما قال صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718). والإحداث قد يكون في توقيت العبادة أو مكانها أو حال صاحبها أو كيفيتها، فمن أضاف قيدًا لعبادة سواءً ادعى وجوب هذا القيد أو استحبابه أو حتى إباحته فيلزمه الدليل وإلا فقيده هذا بدعة, وبما أن الذكر عبادة فيلزم فيها الاتباع لما جاء في الكتاب والسنة وعدم إحداث كيفيات معينة للذكر لم ترد في الكتاب والسنة، كالذكر بصوت واحد أو بلحن خاص للمناسبات سواء كان فردياً أو جماعياً، كما قد يفعل من قبل بعض الناس في الحج والعمرة والعيدين.
(3) كل ما ورد من النصوص مما يدل على مشروعية الذكر الجماعي ظاهره فضيلة الاجتماع لذكر الله, وهذا يتحقق بمذاكرة العلم والاستماع للقرآن، والتحدث بما منَّ الله على عباده من النعم الكثيرة ونحو ذلك، وليس فيها دلالة على مشروعية الذكر بصوت واحد.
وأما ما ورد في بعض النصوص مما قد يفهم منه الذكر بصوت واحد خلف إمام أو نحوه، مثل ما جاء عن عمر -رضي الله عنه- من أنه كان يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد، فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتج منى تكبيراً"، ونحوه عن ميمونة -رضي الله عنها- فالمعنى يسمعون تكبيره فيذكرهم التكبير فيكبرون كل بمفرده، وهذا معنى محتمل من ظاهر النص فيجب حمله عليه؛ لأن المتحقق عند العلماء عدم نقل هذه الكيفية (الذكر الجماعي بصوت واحد) عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مطلقاً، فوجب علينا أن نحمل المتشابه على المحكم. بدلا من أن نبطل الشيء الثابت بشيء محتمل مظنون.
(4) وفي الختام سؤال لنا جميعا , هل عملنا بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة الثابتة حتى نذهب فنتلمس الزيادة عليها؟!
والله المستعان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ