إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل زنا البكر من الصغائر؟
المجيب
د. محمد بن عبد العزيز المبارك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاحد 23 ذو القعدة 1426 الموافق 25 ديسمبر 2005
السؤال

عندي مشكلة، وهي أن بعض الناس يقولون: إن الزنا قبل الزواج صغيرة من الصغائر؛ وذلك لأن حدها مائة جلدة، ومائة جلدة قليلة. فأرجو منكم التفصيل بذكر الأدلة الصحيحة وأقوال العلماء في ذلك.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
نعوذ بالله من القول في دين الله بغير علم ، كيف يجرؤ امرؤ مسلم أن يقول هذا الكلام ؟!
وليس يصح في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهارُ إلى دليل
أخي الكريم: الزنا من كبائر الذنوب بلا شك ولا مرية، سواء كان من بكر أو ثيب، فهو من كبائر الذنوب باتفاق العلماء، قال الله تعالى: "ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا" [الإسراء:32].
فأخبر الله –تعالى- عن فحش الزنا في نفسه، وهو ما انتهى قبحه، وأخبر عن طريقه، وهو طريق البلاء والعار وضعف الإيمان وقلة الحياء والتقوى والخوف من الله -عز وجل- وقال الله تعالى: "الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين" [النور:3].
وقال عز وجل في جزاء وعقوبة الزاني والزانية، وتقرير أليم عذابهما، بعد ذكر الشرك بالله والقتل والزنا : "والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا" [الفرقان:68-69]. فقرن الله -عز وجل- الزنا بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن". صحيح البخاري (2475)، ومسلم (57).
ومعنى الحديث أنه لا يزني وهو كامل الإيمان، بل يكون واقعا في الفسق والمعصية الكبيرة إذا لم يستحل هذا الفعل، أما إن استحل الزنا فقد وقع في الكفر، والعياذ بالله؛ لأن اعتقاد حل الزنا تكذيب لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أشنع التسرع في الكلام في مثل هذا بألفاظ فيها استحلال الزنا أو تهوين أمره.
ويكفي في عقوبة الزنا ما جاء في صحيح البخاري من إثبات عظيم عقوبته يوم القيامة؛ فقد جاء فيه (1386) من حديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟" قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول ما شاء الله، فسأَلنا يوما فقال: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟" قلنا: لا، قال: "لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كَلُّوب من حديد"... وذكر الحديث بطوله، وفيه: "قالا: انطلق. فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارا فإذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا فإذا خمدت رجعوا فيها وفيها رجال ونساء عراة، فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا... قلت: طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت، قالا: نعم، أما الذي... والذي رأيته في الثقب فهم الزناة... وأنا جبريل وهذا ميكائيل...." الحديث.
والنصوص في تحريم الزنا وبيان عظمه أكثر من أن تحصر، بل هو أمر معلوم من الدين بالضرورة. قال الإمام أحمد رحمه الله: (لا أعلم بعد قتل النفس ذنبا أعظم من الزنا). أسأل الله -عز وجل- أن يهدينا جميعا، وأن يجنبنا مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووفق الله السائل لما يحبه ويرضاه وهداه إلى سبيله المنير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ