إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان مبالغة المأمومين في الجهر بالصلاة على النبي في خطبة الجمعة
المجيب
د. محمد بن عبد العزيز المبارك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ الاثنين 19 شوال 1426 الموافق 21 نوفمبر 2005
السؤال

عندنا شيخ خطيب عندما يخطب للجمعة، ويذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- يقوم بعض الأشخاص بالصلاة على النبي –صلى الله عليه وسلم- بصوت مرتفع أي مسموع، فيقول: (صلِّ على النبي بقلبك، ولا ترفع صوتك؛ لأن أجر جمعتك سيذهب)، وفي بعض المرات عنَّف شخصاً؛ لأنه صلى على النبي عدة مرات، وبعد صلاة الجمعة تم التحدث مع الشيخ بأن أسلوبه كان عنيفاً مع الشخص, فقال: هل حدث مثل هذا في عهد الصحابة؟! وحتى في آخر الخطبة عندما يقول الدعاء، يقول: لا ترفع يديك، وقل آمين بقلبك ولا ترفع صوتك.
أفيدونا بالدليل الواضح جزاكم الله عنا كل خير.

الجواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. وبعد:
فيشرع لمستمع الخطبة أن يؤمِّن على دعاء الخطيب بلا رفع صوت، ومن ذلك: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، أما المبالغة برفع الصوت بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عند قراءة الخطيب: (إن الله وملائكته يصلون على النبي)، أو رفع الصوت في أثناء الخطبة باسم الله -تعالى- أو نحو ذلك من الذكْر فأمر غير مشروع ولا أصل له، بل هو مخالف لمقصود الشرع من وجوه:
الوجه الأول: أن في ذلك رفعاً للصوت بالدعاء، وهذا خلاف المشروع، قال الله تعالى: "ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين" [الأعراف:55]، قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-: (الاعتداء في الدعاء على وجوه منها: الجهر الكثير والصياح). وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (قال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة).
وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه- قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنه معكم سميع قريب" أخرجه البخاري (2992)، ومسلم (2704).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (قال الطبري : فيه كراهية رفع الصوت بالدعاء والذكر، وبه قال عامة السلف من الصحابة والتابعين).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ورفع الصوت قدام الخطيب مكروه أو محرم اتفاقا، ولا يرفع المؤذن ولا غيره صوته بصلاة ولا غيرها).
ويلحظ أن هذا الذي نبه عليه الشيخ لا يزال معمولا به في بعض البلدان ، من رفع الصوت بالصلاة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو بالذكر حال الخطبة أو بين الخطبتين.
وقال ابن مفلح –رحمه الله-: "يكره رفع الصوت بالدعاء مطلقا، قال المروزي: سمعت أبا عبد الله يقول: ينبغي أن يسرَّ دعاءه؛ لقوله تعالى: "وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً" [الإسراء:110] قال: هذا الدعاء.
الوجه الثاني : أن في ذلك رفعاً للصوت في المسجد ، وحق المساجد أن تحترم ، ولذلك
قال الإمام مالك - رحمه الله – بكراهة رفع الصوت في المسجد مطلقاً.
الوجه الثالث : أن في ذلك تشويشاً على المستمعين إلى الخطبة, والمشروع هو الإنصات لمن يستمع لخطبتي الجمعة.
الوجه الرابع : أن هذا أمر محدث لا أصل له ، فيدخل في حد البدعة التي هي: كل أمر محدث في الدين، فلم يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه –رضي الله عنهم-من بعده، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإحداث في الدين، فقال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". متفق عليه، صحيح البخاري (2697)، وصحيح مسلم (1718). وقال: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة" رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42) وغيرهم.
وأما ما ذكره السائل من التعنيف الحاصل من الخطيب على فاعل ذلك: فأرجو من الخطيب مراعاة حال الناس وخصوصا في بلاد الغربة من الجهل والبعد عن مصادر العلم، فتكون دعوته بالحسنى واللين، قال الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) [النحل:125]، وقال تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيِّئة ادفع بالتي هي
أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه ولي حميم وما يلقاها إلاّ الذين صبروا وما يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم) [فصلت: 34-35]، وقال تعالى : (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إنّ الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً) [الإسراء:53].
وأما رفع اليدين في الخطبة والتأمين على دعاء الخطيب: فالمشروع التأمين على دعاء الخطيب، لكن لا يكون بصوت جماعي وصوت مرتفع، وإنما بشكل منفرد، وبصوت منخفض، لأن التأمين جهراً ينافي كمال الاستماع إلى الخطبة.
وأما رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة فإنما يشرع في دعاء الاستسقاء فقط، فقد روى البخاري من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يخطب يوم الجمعة أن يستسقي، قال: «فرفع النبي -صلى الله عليه وسلم- يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون». وقد ترجم عليه البخاري: باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء، انظر صحيح البخاري (1029)، وصحيح مسلم (897)، وفتح الباري (2/516-517). فإذا دعا الإمام بالاستسقاء أي قال: "اللهم اسقنا، اللهم أغثنا"، فهنا ترفع الأيدي يرفعها الخطيب والمستمعون، وفي غير ذلك لا ترفع الأيدي لا للإمام ولا للمأمومين، ولهذا جاء في صحيح مسلم (874) عن عمارة بن رؤيبة –رضي الله عنه- أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه، فقال: «قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه السبابة».


إرسال إلى صديق طباعة حفظ