إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان رأي ابن تيمية في قدم العالم وفناء النار
المجيب
د. محمد بن عبدالله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاثنين 03 ذو القعدة 1426 الموافق 05 ديسمبر 2005
السؤال

عندنا أناس يسيؤون الكلام عن شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه يقول بقدم العالم وفناء النار، فنريد منكم رأي شيخ الإسلام في هاتين المسألتين، وكيف نرد على هؤلاء؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالشغب على الأئمة والعلماء قديم جداً، وخاصة الأئمة الذين نصروا مذهب السلف، كابن تيمية –رحمه الله- وهاتان المسألتان من أشهر المسائل التي شنع عليه بسببها من قبل المتكلمين وعامة الأشاعرة والصوفية، وبيان الرد على هذه الدعوى يطول، ولكن أقول باختصار:
إن مذهب السلف –رحمهم الله- هو ما عليه الرسول –صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، وهو قوي بأدلته وحججه، وما الأئمة والعلماء إلا أدلاء عليه موضحين له داعين إليه، ومهما تعرضوا له من أذى أو فتن أو حصل منهم اجتهاد أخطأوا فيه فلا ينبغي أن يكون ذلك سبباً في ضعف الانتماء للحق أو التخاذل عنه، فالرجال يعرفون ويوزنون بالحق لا العكس، وهذه قاعدة في بيان معرفة الحق والفرق بينه وبين التعصب للرجال، بل هي ميزة لمذهب السلف، وهي عدم تقديس الأشخاص لذواتهم وجعل محك الاتباع والأخذ هو ما يصدر عنهم دون تمحيص ومعرفة للدليل، وإنما أهل البدع هم الذين تدور مذاهبهم على الرجال وفيهم، وعليهم يكون معاقد الاتباع والقبول والرد والولاء والبراء.
ثانياً: بالنسبة لما نسب لشيخ الإسلام –رحمه الله- من كونه يقول بقدم العالم، فالقائلون لذلك إما كاذبون مفترون كبعض خصومه وأعدائه، وإما مخطئون متوهمون حملوا كلامه على غير مراده الصحيح، الذي إذا رُد مشتبهه إلى محكمه تبين وضوح منهج شيخ الإسلام –رحمه الله- وهذه المسألة من المسائل الكبيرة، وفيها مباحث جدلية طويلة ليس هذا الجواب مقام إيرادها والمقصود باختصار.
أن الذي كان يقوله –رحمه الله- هو مقتضى الأدلة من أن الله تعالى يفعل ما يشاء أزلاً وأبداً، وأن عموم مشيئته سبحانه وتعالى، وكونه فعالاً لما يريد، وكونه متصفاً بصفات الكمال الثابتة له، اللائقة بكماله سبحانه وتعالى، وبالتالي إمكان جواز –وليس وجوب- وجود حوادث ومخلوقات قديمة أزلية، وإلا فأي معنى لكونه خالقاً قادراً متى شاء وكيف شاء، ثم نعطل الصفة عن الفعل، والذين نفوا ذلك هم نفاة الصفات الفعلية الاختيارية من المعتزلة والأشاعرة، ومع ذلك فهم متناقضون، حيث يمنعون إمكانية وجود حوادث لا أول لها في طرف الماضي، ويجيزون إمكانها في المستقبل، وشيخ الإسلام –رحمه الله- يرد عليهم في أكثر من موضع بأنه لا فرق بينهما، ثم هو يؤكد –رحمه الله- أن هذا القول لا يعني ولا يستلزم بوجه من الوجوه القول بقدم العالم وأزليته، بل هو يفرق في عامة كتبه بين قضيتين رئيسيتين في الموضوع، هما النوع والآحاد، ويرى أهمية التفريق بين دوام النوع وحدوث الأفراد والأعيان، وأن التفريق بينهما هو الذي نطق به الكتاب والسنة والآثار، وأن الرب –تعالى- أوجد كل حادث بعد أن لم يكن موجداً له، وأن كل ما سواه فهو حادث بعد أن لم يكن حادثاً، وذكر –رحمه الله- أن أهل الحديث ومن وافقهم لا يجعلون النوع حادثاً بل قديماً، ويفرقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه، فإن نعيم الجنة يدوم نوعه ولا يدوم كل واحد من الأعيان الفانية فيه.
والقول بقدم النوع لا ينفيه شرع ولا عقل، بل هو من لوازم كماله كما قاله سبحانه: "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون" [النحل:17].
والخلق لا يزالون معه وليس في كونهم لا يزالون معه في المستقبل ما ينافي كماله، والعقل يفرق بين كون الفاعل يفعل شيئاً بعد شيء دائماً، وبين آحاد الفعل والكلام.
وكون الفاعل لم يزل يفعل فعلاً بعد فعل فهذا من كمال الفاعل.
وأختم ذلك بهذه الكلمة لشيخ الإسلام، حيث يقول: "كل ما سوى الرب حادث كائن بعد أن لم يكن، وهو سبحانه المختص بالقدم والأزلية، فليس في مفعولاته قديم وإن كان هو لم يزل فاعلاً، وليس معه شيء قديم بقدمه، بل ليس في المفعولات قديم البتة، بل لا قديم إلا هو سبحانه، وهو وحده الخالق لكل ما سواه، وكل ما سواه مخلوق، كما قال سبحانه: "الله خالق كل شيء" [الزمر:62]، انظر درء تعارض العقل والنقل (8/272)، وبهذا يتبين أن شيخ الإسلام يقرر حدوث العالم. وأن قدم النوع لا يستلزم قدم العالم ما دام الفعل مسبوقاً بفاعله كما عليه السلف والأئمة، ولمزيد من ذلك راجع كتاب الصفدية (1/65، 130و2/49، 140)، ودرء التعارض (1/123-125، 2/148،206). (3/51-52-4/160) (8/289)، ومجموع الفتاوى (18/227) وما بعدها، ومنهاج السنة (1/160، 208) (2/138)، وانظر دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ص(286).
ثالثاً: فيما يتعلق بمسألة فناء النار فهي أيضاً من المسائل التي شنّع فيها على شيخ الإسلام، واتهم أنه كان يقول بقول الجهمية في فناء النار، حيث له مقالات تفهم أنه يميل إلى هذا القول، ولهذا انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الذين يقطعون بأنه يقول بفناء النار، وهذا قول عامة مناوئيه، وبعض من يوافقه في الاعتقاد.
القسم الثاني: الذين ينفون عنه هذا القول مطلقاً، وأنه يرى خلودها كالجنة اعتماداً على أن هذا القول هو قول السلف وهو يقول به في عامة كتبه، بل هو من أكبر شراح عقيدة السلف، وهؤلاء اعتمدوا على نصوصه الصريحة في عامة كتبه التي تثبت أبدية النار.
القسم الثالث: القائلون بأن ابن تيمية يميل إلى القول بفناء النار لكنه لا يصرح بذلك، حيث وقفوا على بعض أقوال له تشعر بأنه يرتضي هذا القول، وهذه الأقوال جميعها مفهومة من كلام الشيخ في كتاب له بعنوان "الرد على من قال بفناء الجنة والنار".
والتحقيق -إن شاء الله- أن شيخ الإسلام يقول بقول جمهور السلف والأئمة من أبدية النار وعدم فنائها، وهذا هو الذي صرح به في عامة كتبه، بل ونقل اتفاق السلف على ذلك كما في المجموع (18/307)، وبيان تلبيس الجهمية (1/581)، وفي منهاج السنة (1/146)، ونقل كلام الأشعري في المقالات من اتفاق أهل الإسلام جميعاً على أن الجنة والنار لا يزالان، وذكره مقراً له ومؤيداً. انظر درء التعارض (2/357)، وفي مواضع كثيرة من الفتاوى يحكي هذا القول وينصره (2/428)، (16/197).
ثم إن النصوص التي يستدل بها القائلون بأنه يقول بفناء النار هي من كتاب واحد، وهو (الرد على من قال بفناء الجنة والنار)، وهو ليس من الكتب المشهورة لشيخ الإسلام والمحققون من أهل العلم لهم عليه ملاحظات علمية ومنهجية ليس هذا موضع ذكرها، وابن القيم –رحمه الله- قد نقل أغلب ما في هذا الكتاب في كتابه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) ولم يصرح بأن ذلك هو رأي شيخ الإسلام، ولو كان قولاً له لصرح به، ثم إن الكتاب ظاهر من عبارته أنه قائم على حكاية قول القائلين بفناء النار على هيئة مناظرة وحوار، فذكر أدلة الفريقين، وحين ذكر أدلة القائلين بفناء النار عرضها عرضاً يوحي بأنه منهم، لكنها قوة عرض ليس إلا، بدليل أن ابن القيم الذي نقل عامة هذا الكتاب حين ذكر أدلة الفريقين ومناقشة الأدلة صرح بأنه يحكي هذا القول: فقال: "قال أصحاب الفناء....."، وحين انتهى من ذكر مناقشاتهم قال: "فهذا نهاية إقدام الفريقين في هذه المسألة" حادي الأرواح (ص 255، 283)، ثم على التسليم بأن كتاب ابن تيمية فيه تأييد ونصرة للقول بفناء النار، فالذي يترجح أن هذا الكتاب ليس من آخر ما كتب ابن تيمية، فإن الكتب المتأخرة مثل (درء التعارض) الذي ألفه في السنوات من عام (713-717) هـ ومنهاج السنة الذي كان تأليفه عام (710)هـ تقريباً، وكذا كتاب بيان تلبيس الجهمية ألفه في مصر من عام (705-712)، وهذه الكتب قد صرح فيها شيخ الإسلام بأبدية النار، وصرح فيها برأيه بوضوح تام، والكتاب السابق يغلب على الظن أنه قد تم تأليفه في مرحلة مبكرة من عمره، وقد أشار الشيخ الألباني –رحمه الله- إلى شيء من ذلك في مقدمة كتاب رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار (ص 25).
وعلى كل حال فأقواله –رحمه الله- المصرحة بأبدية النار بيّنة وصريحة، ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن المجمل مما في نصوص الكتاب والسنة يرد إلى المحكم، ولا يتعلق بالمتشابة والمجمل ويترك المحكم والمبين إلا أهل الأهواء، وكذلك مقولات أئمة العلم والدين ينبغي أن يحمل المجمل والمشتبه على المبيّن والمحكم، وأن تحمل أقوالهم على أحسن المحامل وأسلم المقاصد.
وأنبه في نهاية الجواب إلى أهمية معرفة أن القول بفناء النار لا يسلم بأنه كفر، كما يزعمه كثير من خصوم شيخ الإسلام الذين يكفرونه بذلك، بل هذه المسألة فيها اشتباه وآثار متعددة اشتبهت على كثير من العلماء ومنهم باحثون معاصرون، وقالوا بفناء النار، واستندوا إلى الآثار المروية في ذلك عن بعض الصحابة والتابعين التي يفهم منها القول بفناء النار، فاجتهدوا في هذه المسألة، وإن كانوا مخطئين لكنهم لا يكفرون بذلك.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ