إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان صحة حديث "أفطر الحاجم والمحجوم "
المجيب
د. عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الخميس 07 رمضان 1422 الموافق 22 نوفمبر 2001
السؤال
نرجو بيان درجة حديث : " أفطر الحاجم والمحجوم "
الجواب
هذا الحديث روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم- من طرق كثيرة ، لكن أصح ما ورد فيها بنص جمع من الأئمة حديثان ، وهما :
الحديث الأول : حديث ثوبان – رضي الله عنه –
وقد أخرجه أبو داود : وغيره من الأئمة كما سيأتي : قال أبو داود : 2/770 باب في الصائم يحتجم ح (2367) حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى عن هشام /ح/ حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا شيبان جميعاً ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ،يعني الرحبي ، عن ثوبان عن النبي – صلى الله عليه وسلم - : " أفطر الحاجم والمحجوم ".
قال شيبان : أخبرني أبو قلابة ، أن أبا أسماء الرحبي حدثه أن ثوبان مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخبره أنه سمع النبي – صلى الله عليه وسلم -، وقبل أن أذكر تخريجه والكلام عليه مفصلاً ، أذكر خلاصة ما ظهر لي في هذا البحث وهي كما يلي :
01 أن الحديث روي عن ثوبان من أربعة طرق ، وأن هذه الطرق أكثرها معل ، وأقواها الطريق التي رواها مسدد ، عن يحيى القطان ، عن هشام الدستوائي ، عن يحيى ابن أبي كثير ، عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي ، عن ثوبان – رضي الله عنه _
02 أن أكثر أئمة الحديث كأحمد والبخاري والدارمي وغيرهم على تصحيح الحديث وخالف في ذلك إمامان ، وهما : يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي ، ولعل سبب إعلالهما له هو ما وقع فيه من اضطراب سيأتي الجواب عنه -إن شاء الله- .
03 أن تصحيح الحديث لا يكفي في الحكم به وحده على مسألة الحجامة للصائم ، لأن؛ في المسألة أحاديث كثيرة تدل على أن هذا الحديث منسوخ وبإمكان القارئ الفاضل أن يراجع مظان هذه المسألة من كتب الشروح ، والفقه مع الإشارة إلى أن مذهب جماهير أهل العلم على عدم الفطر بالحجامة .
تخريج الحديـث :
الحديث في مسند أحمد 5/283
وأخرجه النسائي في ( الكبرى 2/217) ، باب ذكر الاختلاف على أبي قلابة ح (3137) وأحمد (5/282) وفي (5/277) و(الدارمي 1/440) ح (1682) والحاكم (1/427) من طرق عن هشام الدستوائي به بنحوه إلا أن في حديث أصحاب هشام جميعاً – سوى ابن علية- قصة في أوله .
وأخرجه (ابن ماجه 1/537) باب ما جاء في الحجامة للصائم ح (1680) و(عبد الرزاق 4/209) ح (7522) و(أحمد 5/280) و(ابن خزيمة 3/226) ح(1962) وا(بن حبان 8/301) ح(3532) و(الحاكم 1/427) من طرق عن يحيى بن أبي كثير به بنحوه وفي حديث بعضهم قصة. وأخرجه النسائي في (الكبرى 2/217) ح(3139) من طريق عاصم بن هلال ،وفي ح(3140،3141) من طريق عباد بن منصور . وفي ح (3142) من طريق جرير بن حازم . وفي ح (3143) من طريق حماد بن زيد ، وفي ح ( 3144) من طريق ابن عيينة وعبد الرزاق 4/209 ح (7519) عن معمر ، ستتهم ( عاصم ، وعباد ، وجرير، وحماد ، وابن عيينه ، ومعمر ) عن أيوب ، عن أبي قلابة به بنحوه إلا أن عباد بن منصور اضطرب فجعله مرة كحديث الباب ، ومرة جعله عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن شداد ، وفي حديث جرير: عن أبي قلابة عن شداد وثوبان ، لم يذكر أبا أسماء ، وقال جرير : عرضت على أيوب كتاباً لأبي قلابة ،فإذا فيه : عن شداد وثوبان هذا الحديث ،قال : عرضته عليه فعرفه ، وفي حديث حماد وابن عيننه : عن أبي قلابة عن شداد فحسب ، ليس فيه أبو أسماء ولا ثوبان ، وفي حديث معمر : عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن أبي أسماء عن شداد وفي حديث عاصم : عن أبي قلابة عن أبي أسماء ، عن شداد وأخرجه النسائي في (الكبرى 2/216) باب من الشيخ ؟ ح(3136) من طريق راشد بن داود ، و(أحمد 5/282) ومن طريقه (أبو داود 2/772) ح (2370) و(النسائي 2/216)
ح(3135،3134) من طريق عن ابن جريج . و(أبو داود 2/273) ح (2371) و(النسائي 2/216) ح (3135) من طرق العلاء بن الحارث و(النسائي 2/217) ح (3137) من طريق سعيد بن عبد العزيز ثلاثتهم ( ابن جريج ، والعلاء ، وسعيد ) عن مكحول . كلاهما ( راشد ، و مكحول ) عن أبي أسماء الرحبي به بنحوه ، وفي حديث ابن جريج ، وسعيد بن عبد العزيز عن شيخ من الحي ، وقد سماه العلاء بن الحارث في حديثه وأنه مكحول , وأخرجه (النسائي 2/221) ح(3157) من طريق همام بن يحيى وفي 2/222 ح (3158) وأحمد 5/282 ، من طريق ابن أبي عروبة و(أحمد 5/286) من طريق شعبة ، ثلاثتهم ( همام، وابن أبي عروبة ، وشعبة ) عن قتادة ، عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم و(النسائي في 2/222) ، باب الاختلاف على خالد الحذاء ح(3159) ، والطبراني في " الكبير " 2/91 ح(1406) من طريق بكير بن أبي السميط ، عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة ، والنسائي في 2/222 ح (3160) و(ابن خزيمة 3/236) ح(1984) ، والطبراني في ( الأوسط 57/153) ح(4720) من طريق الليث ، عن قتادةن عن الحسن . ثلاثتهم ( ابن غنم ، ومعدان ، والحسن ) عن ثوبان به بنحوه ، إلا أن هماماً لم يذكر عبد الرحمن بن غنم ، بل جعله عن شهر عن ثوبان .
دراسته والحكم عليه :
إسناد أبي داود صحيح ، وما يخشى من إرسال أبي قلابة زال بتصريحه بالسماع كما نقل ذلك أبو داود عن شيبان عن أبي قلابة نفسه ، وأما ما وقع في حديث ابن جريج وسعيد بن عبد العزيز من قولهما : عن شيخ من الحي ،فقد صرّح العلاء بن الحارث في روايته عن مكحول بأنه أبو أسماء الرحبي ، وقد نص على اسمه أيضاً أبو حاتم – كما في ( العلل) لابنه 1/238 ولذلك جعل المزي في (التحفة 2/143) حديث ثوبان هذا فيما رواه عنه أبو أسماء حيث أحال عليه عند قوله : "حديث شيخ من الحي" . وقد تبين من التخريج السابق أن الحديث رواه عن ثوبان أربعة :
01 أبو أسماء الرحبي ، وعنه ثلاثة : مكحول ، وراشد بن داود ، وأبو قلابة ، وقد اختلف على أبي قلابة :
أ.فرواه يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء عن ثوبان
ب.ورواه أيوب ، عن قلابة ، واختلف عليه :
- فرواه عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان.
- ورواه عباد نفسه، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد، عن أوس.
–ورواه جرير بن حازم ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن شداد وثوبان ، مرسلاً، فلم يذكر أبو قلابة أحداً بينه وبين ثوبان ولا شداد .
–ورواه حماد بن زيد ، وابن عيينة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن شداد فأرسلاه عن أبي قلابة .
–ورواه معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي الأشعث ، عن أبي أسماء ،عن شداد
–ورواه عاصم بن هلال ، عن أبي أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن شداد.
أما رواية عباد بن منصور، فقد قال عنها النسائي (2/217) : " عباد بن منصور جمع بين الحديثين ، فقال : عن أبي أسماء ، عن ثوبان ، عن أبي الأشعث عن شداد : " ثم قال عقب ذلك (2/218) : " وعباد بن منصور ليس بحجة في الحديث ، وقيل إن ريحان بن سعيد – الراوي عنه – ليس بقديم السماع منه " . وقول النسائي هنا : ( ليس بحجة) مفسرٌ بقوله في ( الضعفاء ) ص (214) رقم (414) : " ضعيف ، وكان أيضاً قد تغير " ا.هـ . أما رواية معمر ، فهي من روايته عن البصريين ، وهي متكلم فيها عند الأئمة – كما في ترجمته من (تهذيب الكمال 28/303) . وأما رواية جرير ، فجرير وإن كان ثقة ، إلا أن الإمام أحمد قال – كما في شرح علل الترمذي 2/699 – " يروي عن أيوب عجائب " ا.هـ ، ومع ذلك فقد خولف من قبل حماد بن زيد ، وسفيان ، وحماد خاصة ـ من أثبت الناس في أيوب ، كما نص على ذلك جمع من الأئمة – كما في شرح العلل 2/699- ولذلك أشار النسائي إلى ترجيح رواية حماد بن زيد على غيره بقوله – في (السنن الكبرى 2/218) : " تابعه حماد بن زيد على إرساله عن شداد وهو أعلم الناس بأيوب"ا.هـ وأما رواية عاصم ، فعاصم قال عنه أبو زرعه – كما في أسئلة البرذعي له (2/536) - : " حدث عن أيوب بأحاديث مناكير" ا.هـ فلعل هذا منها ، والله أعلم .
وهناك اختلاف أوسع من هذا على أيوب ، سيأتي ذكره في حديث شداد التالي – إن شاء الله تعالى – فتبين إذاً أن الراجح عن أيوب ، هو ما رواه حماد بن زيد ،وابن زيد ، وابن عيينه ، وتابعهما جرير بن حازم على بعض ذلك ، عن أيوب عن أبي قلابة عن أيوب ، فرجع حديث أيوب إلى حديث شداد ، وسيأتي الكلام على حديث شداد في الحديث التالي – إن شاء الله تعالى - . أما بقية الراوة عن ثوبان فهم ثلاثة ، وهم :
01 معدان بن أبي طلحة : وقد رواه عنه سالم بن أبي الجعد ، وعن سالم، بكير بن أبي السميط .
02 الحسن البصري : وقد رواه عنه قتادة ، وعن قتادة ، الليث بن سعد
وقد سئل أبو حاتم الرازي – كما في (العلل) لابنه (1/226) عن طريق الليث فقال :" هذا خطأ ، رواه قتادة ، عن الحسن ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم- وهو مرسل ورواه أشعب بن عبد الملك عن الحسن ، عن أسامة بن زيد " ا.هـ . وقال النسائي عن هذين الطريقين : " ما علمت أحداً تابع الليث ، ولا بكير بن أبي السميط على روايتهما ، والله أعلم " ا.هـ وقال ابن خزيمة : " الحسن لم يسمع من ثوبان " ا.هـ وقال الطبراني في ( الأوسط ) : " لم يرو هذا الحديث عن قتادة عن الحسن عن ثوبان إلا الليث بن سعد " ا.هـ .
03 عبد الرحمن بن غنم : قد رواه عنه شهر بن حوشب وعن شهر ،قتادة واختلف عليه:
أ.فرواه ابن أبي عروبة ، وشعبة ، عن قتادة ،عن شهر ، عن عبد الرحمن بن غنم ،عن ثوبان .
ب. ورواه همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن شهر ، عن ثوبان ، ليس فيه ذكر عبد الرحمن بن غنم.
وقد قال أبو حاتم – كما في (العلل) لابنه (1/226) – " وأما حديث ثوبان ،فإن سعيد بن أبي عروبة يرويه عن قتادة ، عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن ثوبان عن النبي- صلى الله عليه وسلم – ورواه بكير بن أبي السميط ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، عن ثوبان ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ورواه يزيد بن هارون ، عن أيوب أبي العلاء ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب عن بلال عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ورواه قتادة عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن ثوبان عن النبي – صلى الله عليه وسلم – " ا.هـ .
وكلام الإمام أبي حاتم ، يشير إلى أن في الحديث اضطراباً ، وأن قتادة اختلف عليه في ذلك كثيراً ، ويمكن أن يقال: إن هذا الاضطراب الذي وقع في الطرق إلى شهر ، إنما هي من شهر نفسه ، لأنه متكلم في حفظه وضبطه ، كما في ترجمته من (تهذيب الكمال 12/587) . والله أعلم .
وبناء على ما تقدم من نقد الطرق إلى ثوبان فإنها كلها معلولة سوى الطريق الأولى التي أخرجها أبو داود . وقد صحح حديث الباب جمع من الأئمة ، منهم :
01 ابن المديني ، كما نقله عنه الترمذي في ( العلل الكبير ) ص ( 123)
02 أحمد : ففي مسائل أبي داود ص (311) قال أحمد : " كل شيء يروى عن ثوبان فهو صحيح ، يعني حديث مكحول هذا " ا.هـ .
وفي مسائل ابنه عبد الله (2/626) قال : شيبان جمع الحديثين جميعاً ، يعني: حديث ثوبان ، وحديث شداد بن أوس " ا.هـ وقد نص أحمد على الحديثين – أي ثوبان وشداد – كما في (طبقات الحنابلة 1/206) وفي مسائل (ابن هانئ 1/131) نص على أن أقوى حديث عنده هو حديث ثوبان . ونقل ابن حجر في ( الفتح 4/209) عن عثمان الدرامي أنه قال : " صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم ، من طريق ثوبان ، وشداد ، قال : وسمعت أحمد يذكر ذلك ، ولما قيل لأحمد : إن يحيى بن معين قال : ليس فيه شيء يثبت ، قال : هذه مجازفة " انتهى بتصرف "
03 عثمان الدرامي ، وقد تقدم آنفاً .
04 البخاري : نقله الترمذي في ( العلل الكبير ) ص (122) ،فأورد الترمذي عليه ما فيه من الاضطراب ؟ فقال : كلاهما عندي صحيح ؛ لأن يحيى بن أبي كثير ، روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء ، عن ثوبان ، وعن أبي الأشعث ، عن شداد بن أوس ، روى الحديثين جميعاً ا.هـ . قال ابن حجر معلقاً على ذلك في ( الفتح 4/209) يعني فانتفى الاضطراب ، وتعين الجمع بذلك " ا.هـ .
05 (ابن خزيمة 3/226) .
06 (ابن حبان 8/301 ) .
07 (الحاكم 1/427) .
08 ابن حزم في ( المحلى 6/203) .
09 النووي في ( المجموع 6/349-350) .
010 شيخ الإسلام بن تيمية في ( مجموع الفتاوى 25/255) .
011ابن القيم : كما يدل عليه كلامه في (تهذيب السنن 3/243) وما بعدها وغيرهم من أهل العلم – رحمهم الله جميعاً –
وكلام الإمام أبي حاتم الرازي في ( العلل ) لابنه ( 1/249) ،يدل على أن الحديث عنده غلط ، حيث قال – لما سئل عن حديث رافع بن خديج " أفطر الحاجم والمحجوم " الذي روى من طريق معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع – قال رحمه الله : " إنما يروي هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء عن ثوبان ، واغتر أحمد بن حنبل بأن قال: الحديثان عنده ، وإنما يروى بذلك الإسناد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه نهى عن كسب الحجام ومهر البغي ، وهذا الحديث في يفطر الحاجم والمحجوم عندي باطل " ا.هـ.
ومراد أبي حاتم – رحمه الله – أن الراجح في حديث رافع هو قوله -صلى الله عليه وسلم – "كسب الحجام خبيث " الذي أخرجه مسلم وغيره أنه " أفطر الحاجم والمحجوم " . وأما رد أبي حاتم لهذا الحديث كله – كما يفهم من كلامه – فلعل سبب رده هو أنه يرى أن الحديث مضطرب الإسناد ،إلا أن أبا حاتم خولف من بعض الأئمة الذي نصّ بعضهم على أن الحديث عن ثوبان و شداد – محفوظ لا اضطراب فيه كما تقدم آنفاً- . والله أعلم .
الحديث الثاني : حديث شداد بن أوس :
والبحث فيه كالبحث في سابقه من حيث كثرة الاختلاف فيه ، وطول الكلام عليه ، ولذا سأكتفي عن إيراده بحديث ثوبان – رضي الله عنه – وما حصل فيه من تفصيل ، إلا أنه يحسن هنا أن أجيب على إيراد قد يورده بعض الفضلاء ،ألا وهو : ألا يحتمل أن حديث ثوبان ، وشداد كلاهما مضطرب ؛ لأن مدار الحديثين على رجل واحد ، وهو أبو قلابة ؟

والجواب : أنه تقدم من كلام الإمام أحمد ، والبخاري – في حديث ثوبان السابق – ما يبين أن كلا الحديثين محفوظ ، وقد تبعهما على هذا الجواب ؛ (ابن حبان 8/303) ، و(الحاكم 1/427) ،وابن حجر في ( الفتح 4/209) ، بل يقال : إن جميع الأئمة الذين ثبت عنهم تصحيح الحديثين يقولون بذلك ، إذ لو ثبت الاضطراب في الحديث عند أحدهم ،لم يقل بتصحيح الحديثين .
هذا وقد صحح حديث شداد هذا جمع من الأئمة ، ومنهم من تقدم ذكرهم في حديث ثوبان وهم : ابن المديني ، وأحمد ، وعثمان الدارمي ، والبخاري ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ، وغيرهم ، ويضاف إليهم هنا : الإمام إسحاق بن راهوية ، كما نقله الحاكم (1/428) ، حيث قال : " هذا إسناد صحيح ، تقوم به الحجة ، وهذا الحديث قد صح بأسانيد ، وبه نقول ا.هـ ، وكذا صححه أبو جعفر العقيلي في ( الضعفاء 4/456) والله تعالى أعلم.
بقي أن يقال : إن تصحيح الحديث ، لا يكفي في الحكم به وحده على مسألة الحجامة للصائم ؛ لأن في المسألة أحاديث كثيرة جعلت أهل العلم يختلفون في حكم الفطر بالحجامة ؟ فمنهم من يرى أن هذا الحديث منسوخ ، وأن الحجامة لا تفطر كما هو مذهب جماهير أهل العلم ، ومنهم من أخذ بحديث الباب فقال : إن الحجامة تفطر ، وهو المشهور من مذهب الحنابلة ، ونصره من فقهاء الحديث ابن خزيمة ، وابن المنذر ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه – رحم الله الجميع – .
وفي المسألة تفاصيل عند بعضهم من حيث تعليق الحكم بتأثير الحجامة على إضعاف الصائم وعدمه ، وبإمكان القارئ الفاضل أن يراجع مظان هذه المسألة من كتب الشروح ، والفقه ، ومنها :
(المغني لابن قدامه 4/350 )، (البحر الرائق 2/294) ، و(شرح الزرقاني على مختصر خليل 1/92) ، و(فتح الباري 4/205) عند شرح الباب رقم (32) من كتاب الصيام ، وهو : باب الحجامة والقئ للصائم .والله أعلم .

إرسال إلى صديق طباعة حفظ