إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الحكمة من نهي المعتدة عن الخروج
المجيب
د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
التاريخ الثلاثاء 20 ربيع الأول 1427 الموافق 18 إبريل 2006
السؤال

ما الحكمة في عدم خروج المعتدة من بيتها أثناء عدة الوفاة؟ وهل لها أن تظهر على غير محارمها من الأقارب في فترة العدة، علمًا أنها من القواعد من النساء؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فعن زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري –رضي الله عنهما- أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة؛ فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن أرجع إلى أهلي، فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة؟ قالت: فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "نعم" قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له فقال: "كيف قلت؟". فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به. رواه أبو داود (2300)، والترمذي (1204)، والنسائي (3529)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد قال الأئمة الأربعة بوجوب ملازمة الحاد من وفاة بيتها، ولا حرج عليها أن تخرج نهاراً لحاجتها، كمراجعة المستشفى أو المدرسة أو السوق ونحو ذلك، ولكن لا تبيت إلا في بيتها، قال ابن عمر –رضي الله عنهما-: (لا تبيت المتوفى عنها زوجها ولا المبتوتة إلا في بيتها) رواه مالك (1233)، وابن أبي شيبة (4/153)، والبيهقي (7/435)، ولها أن تكلم من شاءت من الرجال من محارمها وكذا من غيرهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك، مع التزامها بالستر والحجاب الشرعي وعدم الخلوة.
أما الحكمة من مشروعية لزوم المعتدة من وفاة بَيتها فهي امتثال أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- بذلك، وهذه أعظم الحكم وأعلاهاً، قال تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" [الأحزاب:36] فهذا من أعظم الحكم وأكملها، قال ابن القيم –رحمه الله تعالى-: "والكون في بيتها عبادة" ا.هـ زاد المعاد (5/690).
وقال –رحمه الله تعالى-: "فإن قيل: فهل ملازمة المنزل حق عليها أو حق لها؟ قيل: بل هو حق عليها إذا تركه لها الورثة، ولم يكن عليها فيه ضرر، أو كان المسكن لها، فلو حولها الورثة، أو طلبوا منها الأجرة، لم يلزمها السكن وجاز لها التحول" ا.هـ زاد المعاد (5/687).
ومع ذلك فقد التمس بعض العلماء حكما منها: "قال الشافعي –رحمه الله- لا إحداد على المطلقة؛ لأنه وجب إظهاراً للتأسف على فوت زوج وَفَى بعهدها إلى الممات، وهذا قد أوحشها بالفراق فلا تتأسف عليه" ا.هـ تبيين الحقائق (3/35)، العناية شرح البداية (4/336).
وقال السرخسي –رحمه الله تعالى-: "الحداد على المتوفى عنها زوجها لإظهار التأسف على موت الزوج الذي وَفَى لها حتى فرق الموت بينهما، وذلك غير موجود في حق المطلقة؛ لأن الزوج جفاها وآثر غيرها عليها، فإنما تظهر السرور بالتخلص منه دون التأسف" ا.هـ (6/58).
وقال الهيتمي –رحمه الله تعالى-: "ظهر أن الحكمة في مشروعية الإحداد تنفير الأجانب عن التطلع للمفارقة؛ فوجب في معتدة الوفاة لعدم وجود من يدافع عن النسب، وسن في البائن لوجوده، ولم يشرع في الرجعية لعدم التطلع لها غالباً مع كونها زوجة في كثير من الأحكام" ا.هـ تحفة المحتاج (8/254).
وقيل: "إنما شرع في حق الميت احتياطاً للأنساب؛ لأنه قد مات ولا محامي له عن نسبه، فجعل الإحداد زاجراً وقائماً مقام المحامي عن الميت، بخلاف المطلق الحي فإنه هو المحامي عن نسبه، والمحتاط له" ا.هـ حاشية العدوي (2/124). والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .


إرسال إلى صديق طباعة حفظ