إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان رسوم اشتراك على مرتادي المسجد
المجيب
د. نايف بن أحمد الحمد
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
التاريخ الاربعاء 28 ربيع الأول 1427 الموافق 26 إبريل 2006
السؤال

تنوي لجنة المسجد في مدينتنا الطلب من المسلمين مرتادي المسجد أن يدفعوا اشتراكا شهريا للمسجد، والغرض من الاشتراك توفير الأموال اللازمة لتسيير شؤون المسجد، من راتب للإمام والكهرباء والماء والتنظيف وغيرها، وكذلك لتوزيع أعباء المشاركة على أكبر عدد ممكن من المسلمين الذين يرتادون المسجد، وينتفعون بخدماته.
ولتشجيع أكبر عدد ممكن فإنه سيتم إعطاء الأولوية وتقديم خدمات مخفضة لدافعي الاشتراك، مثل تخفيض رسوم المدرسة الإسلامية، ورسوم عقد الزواج، ورسوم الدفن، وغيره.
فما حكم هذا الاشتراك الشهري، وهل يجوز للجنة المسجد أن تشترطه؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالتبرع للمساجد وعمارتها عبادة يؤجر المرء عليها، قال تعالى: "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ" [التوبة:18].
قال ابن كثير –رحمه الله تعالى-: "وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك" ا.هـ التفسير (1/157).
وقال تعالى: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رجال" [النور:36].
ذكر عبد الرزاق الصنعاني –رحمه الله تعالى-: في تفسيره عن الحسن قال: "أذن الله أن تبنى ويصلى له فيها بالغدو والآصال". تفسير الصنعاني (3/61).
وقال الطبري –رحمه الله تعالى-: "واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "أذن الله أن ترفع" فقال بعضهم: معناه أذن الله أن تبنى ثم روى عن مجاهد (أذن الله أن ترفع) قال: تبنى. وقال آخرون معناه: أذن الله أن تعظم.
ثم روى عن الحسن في قوله: (أذن الله أن ترفع) يقول: أن تعظم لذكره.
ثم قال: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه أذن الله أن ترفع بناء، كما قال جل ثناؤه: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ" وذلك أن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية " ا.هـ التفسير (18/145).
وقال العلامة السعدي –رحمه الله تعالى- قوله تعالى: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ" [النور:36] يعم أحكام المساجد كلها، فإنه أمر فيها بشيئين: برفعها الذي هو تعظيمها وصيانتها عن الأوساخ، والأقذار والأنجاس الحسية والمعنوية، وتعمر العمارة اللائقة بها، ويذكر فيها اسمه بأنواع التعبد من صلاة وقراءة، وتعلم علم نافع، وتعليم، وذكر الله تعالى، فكل ما قاله أهل العلم من أحكام المساجد وفصلوه فهو داخل في هذين الأمرين، فتبارك من جعل كلامه فيه الهدى والشفاء والنور" فتح الرحيم الملك العلام (121).
وقال -رحمه الله-: "أي: يتعبد الله" في بيوت" عظيمة فاضلة هي أحب البقاع إليه وهي المساجد. "أذن الله" أي: أمر ووصى" أن ترفع ويذكر فيها اسمه" هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها بناؤها وكنسها وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة وعن الكافر وأن تصان عن اللغو فيها ورفع الأصوات بغير ذكر الله.
"ويذكر فيها اسمه" يدخل في ذلك الصلاة كلها فرضها ونفلها وقراءة القرآن والتسبيح والتهليل وغيره من أنواع الذكر، وتعلم العلم وتعليمه والمذاكرة فيها والاعتكاف وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد، ولهذا كانت عمارة المساجد على قسمين: عمارة بنيان وصيانة لها، وعمارة بذكر اسم الله من الصلاة وغيرها، وهذا أشرف القسمين، ولهذا شرعت الصلوات الخمس والجمعة في المساجد وجوباً عند أكثر العلماء، أو استحباباً عند آخرين" تيسير الكريم الرحمن (5/422).
وعن عائشة –رضي الله عنها- قالت: أمرنا رسول الله –صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب". رواه أحمد (26429)، وأبو داود (455)، والترمذي (594)، وابن ماجه (759)، وصححه ابن حبان (1634).
وقد جاء في فضل عمارة المساجد أحاديث كثيرة منها:
حديث عثمان بن عفان –رضي الله عنه- قال: إني سمعت النبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: "من بنى مسجداً –قال بكير أحد الرواة: حسبت أنه قال- يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة" رواه البخاري (439)، ومسلم (533).
فنلاحظ هنا أنه شرط لنيل هذا الأجر أن يكون لوجه الله تعالى، أما أن يدفع ليحصل على تسهيلات فقط فليس له من الأجر إلا ما حصله.
عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" رواه البخاري (1).
عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن. فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليُقال: عالم. وقرأت القرآن ليقال: هو قارئٌ. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار" رواه مسلم (1905).
ومثل ذلك باقي الأعمال الصالحة كالتبرع للمساجد، فمن تبرع ليحصل على التخفيض فلا أجر له، أما من تبرع لوجه الله تعالى لا يريد عرضاً من الدنيا فحصل على تخفيض غير مقصود له فلا بأس.
وأعمال البر ينبغي أن لا يُربط فعلها بحصول عرض من أعراض الدنيا مما يتسبب في تربية الناس على ذلك، بحيث لا يفعل أحد شيئاً من المعروف إلا بمقابل دنيوي، والواجب على القادرين خاصة في الدول التي لا تتولى وزارات الأوقاف عمارة المساجد أن يقدموا ما يستطيعونه، لأجل عمارة المساجد وتنظيفها وتأمين رزق للإمام والمؤذن والخادم وتسديد الفواتير الخدمية وغير ذلك ليظهر المسجد بالصورة المناسبة.
وأشير إلى أنه لا ينبغي التكلف في عمارة المساجد والمبالغة في زخرفتها مما يُكلف مبالغ طائلة، بل قد ورد النهي عن ذلك فقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد" رواه أبو داود (449)، وابن خزيمة (1322)، والضياء (2238) من حديث أنس –رضي الله عنه-.
وقال أبو سعيد –رضي الله عنه-: كان سقف المسجد من جريد النخل، وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أكن الناس من المطر، وإياك أن تُحمِّر أو تُصفِّر فتفتن الناس.
وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً.
وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. رواه البخاري تعليقاً (1/171). والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ