إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان وظائف الملائكة الموكلين بالعباد
المجيب
عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالرياض
التاريخ الاثنين 03 ذو القعدة 1426 الموافق 05 ديسمبر 2005
السؤال

سمعتُ بعض الناس يقولون: إن مهام الملائكة الكرام الكاتبين الموكلين بالشخص تتغير في أوقات الفجر والمغرب. فهل هناك أي حديث صحيح بهذا الشأن؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد جاء في القرآن والسنة الصحيحة بيان أن الملائكة أصناف متعددة ، منهم الحفظة والكتبة والسيارة التي تبحث عن حلق الذكر.
فأما كتبة أعمال بني آدم -كما ورد في سؤالك- فقد جاء تحقيق وصفهم بالكتبة، وجاء ذكر تعاقبهم في الحديث الصحيح في صلاة الفجر وصلاة العصر، صحيح البخاري (555)، وصحيح مسلم (632). ولا أحسب ذلك تغيرا للمهام، بل تعاقب بين الملائكة، ومن الأدلة على ذلك:
1- قوله تعالى : "وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون" [الانفطار:10-12].
2- وقوله عز وجل: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" [الإسراء:78]. قال ابن عطية: معناه ليشهده حفظة النهار وحفظة الليل من الملائكة حسبما ورد في الحديث المشهور من قوله –صلى الله عليه وسلم-: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر .." الحديث بطوله من رواية أبي هريرة –رضي الله عنه- وغيره، وعلى القول بذلك مضى الجمهور.
3- وقوله سبحانه: "إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" [ق:17، 18]. و"المتلقيان" الملكان الموكلان بكل إنسان، ملك اليمين الذي يكتب الحسنات، وملك الشمال الذي يكتب السيئات .
قال الحسن: الحفظة أربعة: اثنان بالنهار، واثنان بالليل. قال ابن عطية: ويؤيد ذلك الحديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار..." الحديث بكامله. وقوله تعالى: "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله" [الرعد:11]، قال ابن كثير في تفسيرها: أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل، وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، حافظان وكاتبان، كما جاء في الصحيح: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم:كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون". وأزيدك أخي تفصيلاً بثلاثة نقول مفيدة عن أئمة أعلام:
الأول: قال ابن عبد البر في الاستذكار في معنى تعاقب الملائكة: ومعنى الحديث أن ملائكة النهار تنزل في صلاة الصبح فتحصي على بني آدم، ويعرج الذين باتوا فيكم ذلك الوقت، أي يصعدون.. فإذا كانت صلاة العصر نزلت ملائكة الليل، فأحصوا على بني آدم، وعرجت ملائكة النهار، ويتعاقبون هكذا أبداً. انتهى.
الثاني: سئل شيخ الإسلام -كما في مجموع الفتاوى (4/252)-: هل الملائكة الموكلون بالعبد هم الموكلون دائما؟ أم كل يوم ينزل الله إليه ملكين غير أولئك؟ وهل هو موكل بالعبد ملائكة بالليل وملائكة بالنهار؟ وقوله عز وجل: "وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون" [الأنعام: 61] فما معنى الآية؟ فأجاب: الحمد لله، الملائكة أصناف: منهم من هو موكل بالعبد دائما، ومنهم ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون. ومنهم ملائكة فضل عن كتاب الناس يتبعون مجالس الذكر. وأعمال العباد تجمع جملة وتفصيلاً، فترفع أعمال الليل قبل أعمال النهار، وأعمال النهار قبل أعمال الليل، تعرض الأعمال على الله في كل يوم اثنين وخميس. فهذا كله مما جاءت به الأحاديث الصحيحة. وأما أنه كل يوم تبدل عليه الملكان فهذا لم يبلغنا فيه شيء والله أعلم. انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله.
الثالث: قال حافظ حكمي -رحمه الله- في معارج القبول: "1-ومنهم الموكل بحفظ العبد في حله وارتحاله، وفي نومه ويقظته، وفي كل حالاته وهم المعقبات، قال الله تعالى: "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" [الرعد: 10-11]، وقال تعالى : "وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة" [الأنعام: 18]، وقال تعالى: "قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن" [الأنبياء: 42]. قال ابن كثير: أي: بَدَلَ الرحمن؛ يمتنُّ -سبحانه وتعالى- بنعمته على عبيده، وحفظه لهم بالليل والنهار، وكلاءتِه وحراستِه لهم بعينه التي لا تنام. أهـ.
2- ومنهم الموكل بحفظ عمل العبد من خير وشر، وهم الكرام الكاتبون، وهؤلاء يشملهم مع ما قبلهم قوله عز وجل: "ويرسل عليكم حفظة" [الأنعام: 61]، وقال تعالى فيهم: "أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون" [الزخرف: 80]، وقال تعالى: "إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" [ق 17-18]، فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات وقال تعالى: "وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون" [الانفطار: 10] وقال الحسن البصري -رحمه الله تعالى- وتلا هذه الآية: "عن اليمين وعن الشمال قعيد" [ق: 17]: يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول الله تعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" [الإسراء: 14]، ثم يقول: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. اهـ. ويناسب ذكر المعقبات والحفظة ما روى البخاري -رحمه الله تعالى- في باب قول الله -عز وجل-: تعرج الملائكة والروح إليه.. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم، فيقول كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون". ورواه مسلم أيضا، وفيهما عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قام فينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل..." الحديث.. والأحاديث في ذكر الحفظة كثيرة. انتهى كلام حافظ حكمي.
أسأل الله أن يوفقنا لمحاسبة أنفسنا ومراقبتها، والاستعداد للحساب قبل نزوله، إنه ولي ذلك، وصلى الله على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ