إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ما الفرق بين التفسير الظاهري والباطني للقرآن؟!
المجيب
عبد الحكيم بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالرياض
التاريخ الثلاثاء 24 جمادى الأولى 1427 الموافق 20 يونيو 2006
السؤال

ما الفرق بين تفسير القرآن الظاهري والباطني؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالتفسير الظاهري للنص هو المعتبر في كل لغة، وكل كلام إنما يفسر حسب الظاهر المتبادر لقارئ الألفاظ ومستمع الكلام.
والقرآن كذلك نزل باللسان العربي، قال تعالى: "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" [يوسف:2], وقد بيّن الله تعالى أيضا أن هذا القرآن: بيان وهدى ورحمة وفرقان، وهذه الصفات تعني أن يحمل على ظاهر لفظه، ولا يمكن أن يكون الكلام المحمول على غير الظاهر هاديا وبيانا، ولو حمل كل إنسان القرآن على معنى غير ظاهر من اللفظ لزالت عن القرآن صفة الهداية والبيان والرحمة والفرقان، وإذا زالت عنه هذه الصفات فلا يرجى أن يعقل ما فيه ولا أن يفهم ما يحويه وذلك معنى قوله: "لعلكم تعقلون" بعد قوله: "عربيا".
ونقل السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (2/485) قول النسفي: النصوص على ظاهرها، والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد.
وقول التفتازاني: سميت الملاحدة باطنية؛ لادعائهم أن النصوص ليست على ظاهرها، بل لها معان باطنية لا يعرفها إلا المعلم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية.ا.هـ
والتفسير الباطني: داخل تحت تحريف الكلام عن مواضعه، ووضع للأدلة في غير مواضعها، وهو تَقَوُّلٌ على الله تعالى ما لم يقل، وبهتان مبين، وانحراف عن جادة السبيل.
ومن ذلك تفسير قوله تعالى: "وكلم الله موسى تكليما" [النساء:164]. قال بعض المعتزلة المنكرين لكلام الله: كلمه بأظفار المحن، أي جرح قلبه بالحكم والمعارف تجريحا.
وقام بعضهم بتحريف إعراب لفظ الجلالة من الرفع على أنه فاعل، إلى النصب على أنه مفعول به هكذا: وكلم اللهَ موسى تكليما.
فالتحريف الأول تحريف معنوي للفظ، والتحريف الثاني لفظي.
قال النحاس: أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكد بالمصدر لم يكن مجازا، فإذا قال: تكليما. وجب أن يكون كلاما على الحقيقة التي تعقل.
ومما يردّ عليهم هذا التحريف قوله تعالى في موضع آخر: "ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه" [الأعراف:143].
قال الزرقاني في مناهل العرفان في علوم القرآن (2/55): ومذهب الباطنية على عمومه وباء انتقل إليهم بطريق العدوى من المجوس.
ومن تأويلاتهم الفاسدة في القرآن أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: "وورث سليمان داود" [النمل:16]. إن الإمام عليا ورث النبي في علمه.
ويقولون: معنى الجنابة: إنها مبادرة المستجيب بإفشاء السر قبل أن ينال رتبة الاستحقاق،
ومعنى الغسل: تجديد العهد على من فعل ذلك.
ومعنى الطهارة: التبري من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام، ومعنى التيمم: الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي الإمام، ومعنى الصيام: الإمساك عن كشف السر، ويقولون: إن الكعبة هي النبي صلى الله عليه وسلم ، والباب: علي، والصفا: هو النبي، والمروة: علي، ونار إبراهيم: هي غضب النمرود عليه، وعصا موسى: هي حجته... إلى غير ذلك من الخرافات التي لا يقبلها عقل ولا يؤيدها نقل.
وهذه التأويلات الفاسدة من أشد وأنكى ما يصاب به الإسلام والمسلمون؛ لأنها تؤدي إلى نقض بناء الشريعة حجرا حجرا، وإلى الخروج من ربقة الإسلام، وحل عراه عروة عروة، ولأنها تجعل القرآن والسنة فوضى فاحشة يقال فيهما ما شاء الهوى أن يقال، كأنهما لغو من الكلام أو كلأ مباحاً للبهائم والأنعام، وأخيرا ينفرط عقد المسلمين ويكون بأسهم بينهم من جراء هذا العبث بتلك الضوابط الدينية الكبرى والحوافظ الأدبية العظمى وما دام لكل واحد أن يفهم من القرآن ما شاء له الهوى والشهوة دون اعتصام بالشريعة ولا التزام لقواعد اللغة لم يعد القرآن قرآنا وإنما الهوى والشهوة فحسب...
وأما التفسير الإشاري، فهو تأويل القرآن بغير ظاهره، لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف، ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد أيضا...كقول بعضهم في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" [التوبة:123]: إن المراد النفس، يريدون أن علة الأمر بقتال من يلينا هي القرب وأقرب، شيء إلى الإنسان نفسه.
قال الزرقاني في مناهل العرفان في علوم القرآن (2/57): ومن هنا يعلم الفرق بين تفسير الصوفية المسمى بالتفسير الإشاري وبين تفسير الباطنية الملاحدة، فالصوفية لا يمنعون إرادة الظاهر، بل يحضون عليه، ويقولون: لا بد منه أولا، إذ من ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم الظاهر، كمن ادعى بلوغ سطح البيت قبل أن يجاوز الباب، وأما الباطنية فإنهم يقولون: إن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن، وقصدهم نفي الشريعة.ا.هـ
وقد اختلف العلماء في هذا التفسير الإشاري، فمن منعه قال خشية الوقوع في التقول على الله بغير علم ولا هدى.
ومن أجازه شرط في ذلك سبعة شروط:
الأول: ألا يكون التفسير الإشاري يتنافى وما يظهر من معنى النظم القرآني.
الثاني: ألا يدعى أنه هو المراد وحده دون الظاهر، أو باقي وجوه التفسير.
الثالث: ألا يكون له معارض شرعي أو عقلي.
الرابع: ألا يكون مبنيا على نصرة البدعة ونشر الهوى.
الخامس: ألا يكون له شاهد شرعي يؤيده. فلا يكون بهذا إشاريا.
السادس: ألا تؤخذ الأحكام عن طريق التفسير الإشاري لعدم الدليل الواضح عليها.. وما يستفاد منها فهو في مجال الأخلاق وسمو النفس وتقوية الإيمان وتثبيت اليقين.
السابع: ألا يتحتم على أحد الأخذ بالتفسير الإشاري..وإنما هي معاني الأسرار القرآنية تنقدح في قلب المؤمن التقي الصالح العالم، فهو إما أن يبقيها بينه وبين ربه تبارك وتعالى، وإما أن يعلم بها من غير أن يلزم بها أحدا، وهذه الشروط عند توافرها تخالف واقع التفاسير الصوفية.انظر أسباب الخطأ في التفسير (2/742-743).
وقال ابن تيمية في الفتاوى (13/241): وجماع القول في ذلك أن هذا الباب نوعان:
أحدهما: أن يكون المعنى المذكور باطلا، لكونه مخالفا لما علم، فهذا في نفسه باطل، فلا يكون الدليل عليه إلا باطلا؛ لأن الباطل لا يكون عليه دليل يقتضي أنه حق.
والثاني: ما كان في نفسه حقا، لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يُرَدْ بها ذلك، فهذا الذي يسمونه إشارات..ثم قال: وأما النوع الثاني فهو الذي يشتبه كثيرا على بعض الناس فإن المعنى يكون صحيحا لدلالة الكتاب والسنة عليه، ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دل عليه وهذان قسمان:
أحدهما: أن يقال: إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله، فمن قال: المراد بقوله: (تذبحوا بقرة): هي النفس، وبقوله: (اذهب إلى فرعون): هو القلب، (والذين معه): أبو بكر، (أشداء على الكفار): عمر، (رحماء بينهم): عثمان، (تراهم ركعا سجدا): علي. فقد كذب على الله إما متعمدا وإما مخطئا.
والقسم الثاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي يسميه الفقهاء قياسا هو الذي يسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك:
فمن سمع قول الله تعالى: "لا يمسه إلا المطهرون" [الواقعة:79]، وقال: إنه اللوح المحفوظ، أو المصحف، فقال: كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين، كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا؛ ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف.
قال تعالى: "ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" [البقرة:1-2]. وقال: "هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين" [آل عمران:138]. وقال: "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" [المائدة:16] وأمثال ذلك.
وكذلك من قال:"لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب " فاعتبر بذلك أن القلب لا تدخله حقائق الإيمان إذا كان فيه ما ينجسه من الكبر والحسد فقد أصاب، قال تعالى: "أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم" [المائدة:41]. وقال تعالى: "سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا" [الأعراف:146] وأمثال ذلك ا.هـ. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ