إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان لماذا لم يفسر الرسول القرآن درءاً للخلاف؟
المجيب
د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ السبت 10 ربيع الأول 1427 الموافق 08 إبريل 2006
السؤال

لماذا لم يفسر الرسول –صلى الله عليه وسلم- القرآن كلمة كلمة؟ ألم يكن ذلك حماية لكتاب الله من محاولات البشر لتفسيره كلٌّ كما يرى، مما أدى -في رأيي- إلى تفريق الملتفين حوله كل يدعي صحة تفسيره، وخاصة في عصرنا الحالي، وكلٌّ يستند إلى تفسير البشر المقربين من الرسول –صلى الله عليه وسلم- أي الصحابة وكأنهم بشر مقدسين؟
وأخطر مثال لذلك ما يحدث بين علماء السنة وعلماء الشيعة وكلاهما يكفر الآخر ويدعو أتباعه إلى قتل الآخر وهنا أسأل: أين الحقيقة بين الفريقين، وخاصة فيما يخص الأحاديث النبوية؟
ولماذا لم يوجه الرسول –صلى الله عليه وسلم- الصحابة بضرورة كتابة وتدوين القرآن وكذلك الأحاديث؛ حتى يمكنه تدقيقها بنفسه، وقطع الطريق على المدلسين... والغريب أن ذلك تم بعد موته بقليل بشأن القرآن، وبعد مدة طويلة بشأن الأحاديث، مما أدى إلى دخول عوامل أخرى أثرت في دقة التدوين، وتعلمون ذلك مما يشاع من قرآن لدى الشيعة مختلف قليلا عن قرآن السنة، والأمر أوضح في الأحاديث؟ أرجو أن لا يفهم تساءلي على أنه رغبة في هدم الإسلام، بل على العكس إنه نقد يهدف إلى تزويد المدافعين عن الإسلام بأجوبة مقنعة لأسئلة تواجههم من خلال وسائل تبادل المعلومات في عصرنا الحالي.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فقد عرض السائل الكريم في سؤاله لعدد من الموضوعات، وفي بعض ما أورده مسائل كبار، ربما لم يمكن استيعابها في هذه الإجابة، فأرجو أن يكون فيما أذكره ما يفي بمبتغى السائل، ويضع يده على طريق الصواب.
فأما سؤالك عن عدم تفسير النبي –صلى الله عليه وسلم- للقرآن، فيغلب على ظني أن الذي حملك على مثل هذا السؤال ما رأيت من اختلاف واسع بين المنتسبين إلى الإسلام، فظننت أنه لو كان النبي –صلى الله عليه وسلم- فسر القرآن كاملا لكان عصم الأمة من هذا الاختلاف، والجواب على هذا من جانبين:
أولهما: أن الاختلاف بين البشر سنة باقية، هي من لوازم وجودهم واجتماعهم، وهي قدر الله السابق، وله في ذلك الحكمة البالغة، والمشيئة النافذة، وهو تعالى يعلم أن هذا الاختلاف سيقع من الناس، ولو شاء لم يكن ذلك، وإنما أراد عز وجل ذلك؛ ليعلم بهذا من يطيعه ممن يعصيه، ويبتلي عباده لينظر من يعظم أمره ممن يتعداه، ولهذا خلق الإنس والجن، وأوجد الجنة والنار، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب.
ولو طردنا هذا الذي تقول في مسألة اختلاف المسلمين، لجاز لنا أن نسأل: لم قدر الله اختلاف الناس أصلا، بين مؤمن وكافر، وبر وفاجر؟
ومتى أجبتَ عن هذا السؤال والإيراد، وبينت حكمة هذا الاختلاف، كان ما قلتَه هو الجواب عما استشكل عليك، ذلك أن الله -عز وجل- لو شاء لهدى الناس جميعا، فكانوا أمة واحدة، لا خلاف بينها، كما قال عز وجل: "وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" [النحل:93]، ولكن الله –تعالى- أراد أن يبتلي عباده، ليعلم المؤمن من الكافر، والبر من الفاجر.
فمهما يكن من بذل للأسباب المانعة من الخلاف، فإنه لا بد أن يقع بين الأمة اختلاف وافتراق، كما أخبر بذلك النبي –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبوداود (4596)، والترمذي (2640) وغيرهما، من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة".
ثانيهما: يجب لفت نظرك الكريم، إلى أن الخلاف بين أهل الإسلام في فهم كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم -وإن كان واسعا- فإنه بحمد لله لم يوجب شقاقا ولا نزاعا؛ لأنه بقي في دائرة البحث العلمي والنظر الفقهي، الذي تتعدد فيه الرؤى وتتنوع الاعتبارات، وهؤلاء صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة من القرون المفضلة، ثم من تبعهم من علماء المسلمين وأئمة الدين، لم يقع بينهم شقاق أو نزاع، يخرج عن دائرة الاجتهاد والنظر في فهم كلام الله وكلام رسوله –صلى الله عليه وسلم-، لأنهم متفقون على أصول الاعتقاد، وأصول العبادة، وأمهات المسائل الشرعية، والخلاف الذي وقع بينهم سائغ في أصله،لم يوجب أن يضلِّل أو يُبَدِّع بعضهم بعضا.
وأما ما وقع فيه أهل البدعة والضلالة، الذين تأولوا كتاب الله على غير وجهه، فإن من المهم أن تعلم -أخي السائل- أن هذا الخلاف لم يكن من جهة غموض دلالة القرآن والسنة، وعدم فهم مراد الشارع فيهما، بل هم أناس اعتقدوا عقيدة بهوى أنفسهم، وبنوا عليها رأيهم، وأصَّلوا عليها أصولهم، ثم طلبوا الدليل لها، فلما أعياهم ذلك بدأوا يأولون كلام الله، ويحرفون الكلام عن مواضعه، ومن كانت هذه حاله فلن يردعهم عن ضلالهم تفسير النبي-صلى الله عليه وسلم- لجميع القرآن، ولو فعل، وخذ على سبيل المثال، من أنكر سنة النبي –صلى الله عليه وسلم- جملة وتفصيلا، مقتصرًا على القرآن الكريم، ممن يسمون أنفسهم ـ كذبا ـ (قرآنيون) فهؤلاء يردون سنة النبي –صلى الله عليه وسلم- من أصلها، ولا يقبلون شيئا منها، وإن كانت ثابتة، فإذاً لو فسر النبي –صلى الله عليه وسلم- كامل القرآن كلمة كلمة، لم يمنعهم ذلك من مخالفة المسلمين.
ومثال آخر: تلك الفرق الباطنية المتعددة، التي تقوم أساسا على تفسيرات باطنية، تخالف الظاهر المدرك، ولا تجري على لغة العرب ونسقها، فضلا عن مخالفتها لإجماع علماء المسلمين، فمثل أولئك لابد أن يقع خلاف معهم، لأن أسس الاستدلال والفهم والالتزام غير مشتركة، فلابد أن تكون النتيجة غير متفقة.
وفي هذا السبيل الخلاف الذي أشرت إليه في سؤالك، بين أهل السنة والشيعة، فالخلاف بين الفريقين ليس خلافا في فهم آية من كتاب الله، أو استدلال بحديث من أحاديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، أو فرع من فروع الشريعة، بل الخلاف معهم أعمق من هذا، إنه خلاف في أصول الاعتقاد، ومصادر التلقي، ومنهج الاستدلال، مما يجعل الخلاف منظومة فكرية كاملة، فلو كتب النبي –صلى الله عليه وسلم-، -كما تقول أنت- سنته كاملة، وضبطها وراجعها، لما أغنى ذلك في الخلاف مع الرافضة -وهم غلاة الشيعة- لأنهم يقدحون في كل الصحابة، إلا نفرا قليلا جدا، لا يبلغ العشرة منهم، فلو جئتهم بسنته مكتوبة، وقلت: هذا ما كتبه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؛ لما قبلوها، زاعمين أن من كتبها ونقلها -وهم الصحابة –رضي الله عنهم- قد غيروا وبدلوا، بل هذا ما وقع فعلا في كتاب الله -وقد أشرت أنت إلى ذلك- فمع أنه كان قد كتب عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وحفظ وضبط، فلم يغن شيئا عند أهل الغلو منهم، فزعموا نقص القرآن وتحريفه.
وأما ما ذكرته من مسألة التلقي عن الصحابة والاحتجاج بأقوالهم، فهي مسألة أصولية بسطت في محلها من كتب الأصول ولها قيود وضوابط، ومن المهم أن تعلم أن الاحتجاج بأقوالهم، ليس لأنهم بشر مقدس لا يخطئ، بل هم يخطئون ويصيبون، ويؤخذ من قولهم ويرد، لا يختلف في ذلك أهل العلم، وإنما كان لأقوالهم في تفسير كلام الله تعالى مزية عن غيرهم لأمور، من أهمها:
أولا: أنهم أهل اللسان الذين نزل به القرآن الكريم، فهم أهل العربية الناطقون بها، فمن المعقول أن يكونوا أولى مَنْ فهم كلام الله، وعَرَف مراده.
ثانيا: أنهم قد عايشوا التنزيل، وشهدوا مواقع نزول القرآن، وما احتف بذلك النزول من حوادث، وهذه مزية تجعلهم أعلم بمعاني الكلام، ومراد المتكلم به.
ثالثا: أنهم لصحبتهم للنبي –صلى الله عليه وسلم- وطول ملازمتهم له، كانوا أعلم الناس بهذه الشريعة، وأدرى الأمة بمراد الشارع.
لهذه الأسباب، وغيرها مما لم أشر إليه، فلا يختلف أهل الإسلام؛ أنهم المقدمون على من سواهم، وأن قولهم حجة على من بعدهم.
وأما مسألة الدقة في التدوين فلا أدري ما قصدك بها، لأنه لا توجد أمة على وجه الأرض، حفظت سنة نبيها وآثار سلفها، كما فعلت هذه الأمة، على نحو يدل أن ذلك من توفيق الله تعالى لها، وهدايته إياها، حتى سلكت هذا السبيل، وبنظرة خاطفة إلى دواوين السنة، والمؤلفات الخادمة لها، تدرك مدى الجهد العلمي الضخم، الذي بذله علماء السنة، وأساطين الدين، حتى حفظوا لنا سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، بأسماء رواتها كلهم، على اختلاف بلدانهم، وتنوع أعصارهم، وتفاوت درجاتهم في العدالة والحفظ، بشكل مذهل معجب، مع العناية الفائقة بتمييز الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود.
ومع هذا التدوين والكتابة الدقيقة، فلم يكن الاعتماد على هذا فقط، بل هناك حفظ الصدور، حيث اشتهر في تاريخ تدوين السنة، عدد ضخم من الحفاظ المتقنين، الذين تربو محفوظاتهم من الآثار والسنن بأسانيدها، عن عشرات الألوف، بل وبعضهم مئات الألوف، ولذا فلا شك عند علماء المسلمين، أن سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قد حفظت لنا، حفظا متقنا، نعلم معه ونميز به، ما قاله الرسول –صلى الله عليه وسلم- مما كُذب عليه ونسب إليه.
وبقي أن أقول -أيها السائل الكريم-: ليس بين يدي طالب الحق، الباحث عن الهدى والنور، أو حتى من يدافع عنه، إلا أن يجتهد وسعه، ويخلص النية لله تعالى، ويسأله الهداية لما اختلف فيه من الحق، والله الموفق للصواب، الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ