إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان إذا كان المصير مقدراً فَلِمَ العمل؟!
المجيب
العلامة/ عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ السبت 19 محرم 1427 الموافق 18 فبراير 2006
السؤال

إذا كان كل شيء بقضاء الله وقدره، حتى مصير العباد بعد الموت، فلماذا نعمل؟ ولماذا أدعو الله بالهداية؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان التي لا يتم الإيمان إلا بها، ولا يتم التوحيد إلا به، ومعنى الإيمان بالقدر أن الله علم ما يكون قبل أن يكون بعلمه القديم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأنه تعالى لا يكون إلا ما يشاء فهو خالق كل شيء، ويجب مع الإيمان بالقدر الإيمان بالشرع، وهو أن الله أمر عباده بطاعته، ونهاهم عن معصيته، فيجب على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وأن يطيعوه وأن يتبعوا رسله، فهذا سبب النجاة، وله الحكمة البالغة في شرعه وقدره، وقد قدَّر سبحانه ترتيب الأشياء على أسبابها، فجعل للخير أسباباً وللشر أسباباً، وقد شرع الله لعباده الأخذ بالأسباب الموصلة إلى المنافع، وتجنب الأسباب المفضية إلى الأضرار، وفطرهم سبحانه وتعالى على ذلك، مع التوكل على الله والاستعانة به، والإيمان بأنه لا يكون إلا ما يشاء.
وليس من العقل والدين تعطيل الأسباب اتكالاً على القدر، فأما منافع الدنيا من الرزق والصحة والولد وغير ذلك، فكل أحدٍ يكدحُ لتحصيلها ويأخذ بأسبابها، وما أدركه منها فبمشيئة الله وتقديره، فهو سبحانه خالق الأسباب والمسببات.
ولا يقول عاقل: إن كان الله قدَّر لي رزقاً أو ولداً أو حظاً من حظوظ الدنيا، فسيكون ولو لم أسعَ في تحصيله، وهكذا الشرور في الدنيا جعل الله لها أسباباً واقية منها، وأسباباً جالبة، وكل يعمل لدفع هذه الشرور، ويُحاذر الأسباب الجالبة لها، وهكذا الآخرة جعل الله للخير والشر فيها أسباباً، فالإيمان والطاعة سببٌ للفوز بالجنة والنجاة من النار والكفر والمعاصي سببٌ لدخول النار، والمؤمنون بالله ورسله لا يتكلون على القدر في ذلك، بل يعملون بطاعة الله رجاء ثوابه، ويتجنبون معاصيه خوفاً من عذابه، مستعينين بالله على ذلك، كما قال تعالى: "إياك نعبد وإياك نستعين".
ولما قال رجل: يا رسول الله: أفلا نتكل على كتابنا (يعني القدر) وندع العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسَّر لما خُلق له". صحيح البخاري (4949)، وصحيح مسلم (2647). وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم أياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". صحيح مسلم (2577).
فمن ترك الإيمان بالله ورسله، واتبع هواه محتجاً بالقدر ومات على ذلك، فهو من أهل النار قطعاً، ومن آمن بالله ورسله وعمل بطاعته ومات على ذلك، فهو من أهل الجنة قطعاً. فالواجب على الإنسان أن يأخذ بأسباب النجاة، ويحذر من أسباب الهلاك، والله تعالى يمن على من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل فضله (ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما) [النساء: 70]. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ