إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان إحياء الذكرى لبعض الحوادث هل هو بدعة؟
المجيب
د. محمد بن إبراهيم الحمد
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 12 صفر 1427 الموافق 12 مارس 2006
السؤال

نسمع كثيراً أن مجموعة ما أحيت حادثة معينة أو يوماً معيناً مات فيه قائد، أو ماتت في جموع كبيرة، كيوم (تسونامي) مثلاً، بل ونسمع عن إحياء ليالٍ لمجرد حدوث أشياء مهمة فيها، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهل يجوز إحياء مثل هذه الأيام، وتخصيصها بيوم معين في السنة والخروج إلى مكان معين حدثت فيه الحادثة؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن ما ذكره السائل من إحياء ليالٍ لمجرد حدوث أشياء مهمة، وتخصيصها بيومٍ معينٍ في السنة، والخروج إلى مكانٍ معين حدثت فيه الحادثة- داخلٌ في مسمى العيد؛ فالعيد مشتقٌ من العادة، والعيد عند العرب هو: الوقت الذي يعود فيه الفرح والحزن.
قال تأبط شراً:
يا عيد ما لك من شوقٍ وإيراق *** ومرِّ طيف على الأهواء طراق
قال ابن الأنباري -رحمه الله-: في قوله: (يا عيد ما لك): "العيد ما يعتاده من الحزن والشوق" [لسان العرب (3/318)].
وقال ابن الأعرابي -رحمه الله-: "سمي العيد عيداً؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد" [لسان العرب (3/318-319)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "العيد اسمٌ لما يعود من الاجتماع على وجهٍ معتاد عائد إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك.
فالعيد يجتمع من أمور: يوم عائد، كيوم الفطر، ويوم الجمعة.
ومنها: اجتماع فيه.
ومنها: أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات، وقد يختص العيد بمكانٍ بعينه، وقد يكون مطلقاً، وكل هذه الأمور قد تسمى عيداً.
فالزمان كقوله -صلى الله عليه وسلم- في يوم الجمعة: "إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيداً" [السنن الكبرى للبيهقي (3/243)، وأورده الألباني في صحيح الجامع (2/259)].
والاجتماع والأعمال كقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: (شهدت العيد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) [رواه البخاري كتاب العيدين (1/171)].
والمكان كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيداً" [المصنف لابن أبي شيبة (2/375)، وفي مسند الإمام أحمد (2/367)، وسنن أبي داود (2042) بلفظ: "لا تجعلوا قبري عيداً"، وأورده الألباني في صحيح الجامع (6/132)].
وقد يكون لفظ العيد اسماً لمجموع اليوم والعمل فيه، وهو الغالب، كقوله صلى الله عليه وسلم: "دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قومٍ عيداً، وإن هذا عيدنا" [رواه البخاري (1/170)، و مسلم (892). وانظر اقتضاء الصراط المستقيم (1/441-442)، وانظر: البحر المحيط لأبي حيان (4/56)]
ولذلك سمي العيد بهذا الاسم؛ لتكرره كل عام، وقيل: لعود السرور بعوده، وقيل: لكثرة عوائد الله على عباده فيه [انظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي (2/376)، والمجموع شرح المهذب للنووي (2/5)، وأنيس الفقهاء للشيخ: قاسم القونوي (ص118) ، والبناية في شرح الهداية للعيني (2/849)، وكشاف القناع للبهوتي (2/49-50)].
فعلى هذا كل اجتماع عام يحدثه الناس، أو يعتادونه في زمانٍ معين، أو مكانٍ معين، أو هُما معاً؛ فإنه يكون عيداً، وكذلك كل أثرٍ من الآثار القديمة، أو الجديدة يحييه الناس، أو يرتادونه، يصدق عليه مسمى العيد.
وبهذا يتبين ارتباط التعريفين الشرعي واللغوي، وأنه لا فرق بينهما في مسمى العيد، ولكن الشرعي: ما بيَّنه الشارع، وحدَّه من الأعياد الزمانية والمكانية [انظر: الأعياد وأثرها على المسلمين. د. سليمان السحيمي ص21-22].
وبناءً على ما مضى فإن تخصيص الناس بعضَ الأمكنة أو الأزمنة بِعِيدٍ، سواء كان ذلك لفرحٍ، أو حزن، أو نحو ذلك مما ورد ذكره في السؤال- بدعةٌ، ومخالفةٌ للشرع، وتشبهٌ بالكفار.
ولقد تظاهرت نصوص الشرع في التحذير من البدع، قال الله –عز وجل-: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). [الأنعام: 153].
فالمراد بالصراط المستقيم: سبيل الله الذي دعا إليه، وهو: السنة. والسبل: الطرق المختلفة عدا هذا الطريق، مثل: اليهودية، والنصرانية، وسائر الملل، والأهواء، والبدع [تفسير البغوي (2/142)، وانظر: فتح القدير للشوكاني(2/183)].
عن مجاهد قال: (ولا تتبعوا السبل) قال: "البدع والشبهات" [انظر سنن الدارمي (1/68)].
فأفادت الآية أن طريق الحق واحدة، وأن للباطل طرقاً متعددة لا واحدة، وتعددها لم يخصَّ بعددٍ مخصوص [الاعتصام للشاطبي (1/223)، وانظر: تفسير ابن كثير( 2/191)]
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ".. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة..."أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وقال: "حديث حسن صحيح"، والحاكم في المستدرك (1/95-96)، وقال: "إسناده صحيح"، ووافقه الذهبي.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718).


إرسال إلى صديق طباعة حفظ