معالم حول أوضاع غير المسلمين في الدولة الإسلامية

د. عصام أحمد البشير
مدخل :
بعد الاستعمار الأروبي لكثير من الدول الأفريقية نتجت الحدود الجغرافية المعرفة حالياً للدول.. والتي جمعت الناس علي أساس جغرافي بحت لا يراعي العقيدة أو الدين .. ونتج عن ذلك أن كل الدول الإسلامية (التي تسكنها أغلبية مسلمة ) بها نسبة متفاوته من الأقليات الدينية الأخري تختلف من دولة إلى أخري .. الأمر الذي يتطلب توضيح موقف الإسلام من غير المسلمين وأهل الكتاب خاصة .
أولاً : الإسلام وأهل الكتاب :
أولى الإسلام الكتابيين معلمة متميزة إذ أباح طعامهم ومؤاكلتهم {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم (1)} كما أباح مصاهرتهم والزواج منهم {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من والذين أوتوا الكتاب من قبلكم }وأعطاهم حرية الاعتقاد والعبادة والكسب.
وبالرغم من أن الإسلام يرى أهل الكتاب كفاراً { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} إلا أنه يفرق بين نوعين منهم :
1. المحاربين : الذين يعادون المسلمون ويقاتلونهم , وهؤلاء لهم أحكامهم التي تنظم العلاقة بهم وتبين طريقة معاملتهم حرباً , إذ لا عدوان ولا غدر ولا تمثيل بجثة و لاقطع لشجر ولاهدم لبناء ولاقتل لصبي أو امرأة ولا شيخ إنما يقاتل من يقاتل .
2. المسالمين أو المعاهدين : وهم الذين رضوا أن يعيشوا في ظل الدولة الإسلامية محتفظين بدينهم ولهم عهد مع المسلمين . وهذا العهد يمكن أن يكون مؤقتاً وهؤلاء يتم اليهم عهدهم إلي مدتهم ويمكن أن يكون عهداً دائماً مؤبداً, وهؤلاء هم أهل الذمة بمعني أن لهم ذمة الله ورسوله .
ثانياً : أسس التعامل مع المسالمين والمعاهدين من أهل الكتاب :-
إن التعامل مع المسالمين من أهل الكتاب من ثوابت إسلامية ترتكز علي اللآتي :
1. الاعتراف بأن الاختلاف بين بني البشر في الدين واقع بمشيئة الله تعالي , فقد منح الله الإنسان الحرية والاختيار في أن يفعل ويدع, أن يؤمن أو يكفر : {فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر }(2) .
والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا راد لها ولا معقب . كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة علم الناس ذلك أو جهلوه . ولهذا ينحصر دوره في البلاغ المبين قولاً وعملاً دون إجبار أو إكراه {ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً , أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين }(3) .
2. وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية : انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالي :{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أنقاكم} , وقوله {ولقد كّرمنا بني آدم وحملناهم في البّر والبحر ورزقناهم من الطّيبات} . فالناس أكرمهم عند الله اتقاكم , أبوهم واحد , والرابطة الأنسانية بينهم قائمة شاءوا أم أبوا, هذه الرابطة تترتب عليها واجبات شرعية كالقيام للجنازة أيا كانت عقيدة صاحبها .. روى البخاري أن النبي صلي الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال: أليست نفساً (4) .
3. التعارف : لقوله سبحانه وتعالي {ياأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ,إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وكما ورد في الحديث (وأشهد أن
- كلهم - أخوة ) فالتعارف أساس دعا إليه القرآن , وضرورة أملتها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن بالتعبير العصري , وإعمال لروح الأخوة الإنسانية بدلاً من إهمالها .
والروابط الاجتماعية بين البشر كثيرة , عبرت عنها الآية {قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} إذ حوت : الرابطة العائلية والرابطة القومية ورابطة الإقامة (الوطن) ورابطة المصلحة والرابطة الإسلامية .
4. التعايش : إذ إن حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح : بيعاً وشراء .. قضاء واقتضاء .. ظعناً وإقامة .. وتاريخ المسلمين حافل بصور التعامل الراقي مع غير المسلمين . وقد حدد الله سبحانه وتعالي أساس هذا التعايش بقوله {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} . إن غير المسلم إذا لم يبدأ بحرب , ولم يظاهر علي إخراج فما من سبيل معه غير التعايش الجميل الملتزم بالبر وهو جماع حسن الخلق , والقسط هو العدل والفضل والإحسان
5. التعاون : كثير من القضايا العامة تشكل قاسماً مشتركاً بين المسلمين وأهل الكتاب ويمكن التعاون فيها , من ذلك :-
أ. الإعلاء من شأن القيم الإنسانسة والأخلاق الأساسية فالعدل والحرية والمساواة والصدق والعفة كلها قيم حضارية تشترك فيها الأديان والحضارات وترسيخها في المجتمع في المجتمعات هدف مشترك يمكن التعاون عليه .
ب. إيجاد القواسم المشتركة بين الاسلام والمسيحية والتركيز عليها والانطلاق منها نحو التعايش والتسامح والتواصل الحضاري .فأهل الكتاب من النصارى هم أقرب إلى المسلمين من غيرهم من اليهود والمشركين والملحدين والوثنيين .
ث. مناصرة المستضعفين في الأرض وقضايا العدل والحرية ومحاربة الظلم ومن ذلك اضطهاد السود والملونين في أميركا واضطهاد الأقليات الدينية وسائر الشعوب المقهورة في فلسطين وكوسوفا والشيشان ونحوه, فالإسلام يناصر المظلومين من أي جنس ودين . والرسول صلى الله عليه وسلم قد قال عن (حلف الفضول) الذي تم في الجاهلية : (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم , ولو أدعى به في الاسلام لأجبت)(5) .
ج. التعاون لمواجهة دعاة المادية الذين ينكرون الغيب ودعاة الإحاد الذين يجحدون وجود الله ودعاة الإباحية الذين يروجون للعري والتحلل الجنسي والشذوذ والإجهاض .
إن النقاط المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب كثير والأخطار التي تنهدهم معاً ليست قليلة .ويمكن أن تشكل هذه القواسم المشتركة منطلقاً للتعايش والتعاون .
ح. المجادلة بالتي هي أحسن في أمور الخلاف مع أهل الكتاب : لقوله تعالي {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} وهذا النص القرآني عام في كل جدل يمكن أن يحدث بين المسلمين وأهل الكتاب وأولي ما يتبع حين فيه يكون عام في كل الجدال في أمر ديني فإنه يعصم من إيغار الصدر وأيقاد نار العصبية وزرع البغضاء .. إن عفه اللسان واجبة حتى مع المشركين {الاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم }.
خ. موقف الإسلام من أهل الكتاب هو موقف الداعي لذلك يجب أن يتأسس علي الرحمة فالرفق بضعيفهم وسد خلة فقيرهم وإطعام جائعهم وكساء عاريهم ولين القول لهم علي سبيل التلطف واحتمال إيذائهم في الجوار مع القدرة علي إنزاله بهم لطفاً لا خوفاً والدعاء لهم بالهداية وأن يجعلوا من أهل السعادة , ونصيحتهم في جميع أمورهم , في دينهم ودنياهم , وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم , وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم , كل ذلك مما ندب إليه الشرع, لذلك ... تجوز الصدقة عليهم فقد ثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه تصدق علي أهل بيت من اليهود , وتجوز زيارتهم وعيادة مريضهم , فقد روي البخاري عن أنس ان النبي صلي الله عليه وسلم عاد يهوديا وعرض عليه الاسلام فأسلم فخرج وهو يقول (الحمد الله الذي أنقذه بي من النار)
و. المسلم ليس مكلفاً أن يحاسب الكافرين علي كفرهم , أو يعاقب الضالين علي ضلالهم , فهذا ليس إليه , وليس موعده هذه الدنيا . وإنما حسابهم إلي الله في يوم الحساب , وجزاؤهم متروك إليه في يوم الدين , قال تعالي {وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعلمون * الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تحتلفون}(6) .
وقال يخاطب رسوله في شأن أهل الكتاب {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم , وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب , وأمرت لأعدل بينكم , الله ربنا وربكم , لنا أعمالنا ولكم أعمالكم , ولاحجة بيننا وبينكم , الله يجمع بيننا وإليه المصير(7) } وبهذا يستريح ضمير المسلم , ولايجد في نفسه أي أثر للصراع بين اعتقاده بكفر وبين مطالبته ببره والإقساط إليه , وإقراره علي ما يراه من دين واعتقاد .
ثالثاً : مفاهيم يجب أن تصصح :

هنالك العديد من المفاهيم التي يجب أن تجلي بوضوح في العلاقة بـأهل الكتاب مثل مفهوم موالاة من حاد الله , وأهل الذمة ,و الجزية ونحوها .
أ. الموالاة والمحاد ه :
إن القرآن الكريم يزخر بنصوص تنهي عن موالاة غير المسلمين , وتقرر أن الولاء عندما يقع النزاع إنما يكون لله ولرسوله , غير أن هذا الأصل محاط بضوابط تحول دون تحوله إلي عدواة دينية أو بغضاء محتدمة أو فتنة طائفة مثل :
1. النهي ليس عن اتخاذ المخالفين في الدين أولياء بوصفهم شركاء وطن أو جيران دار أو زملاء حياة , وإنما هو عن توليهم بوصفهم جماعة معادية للمسلمين تحآد الله ورسوله , لذلك تكررت في القرآن عباره (من دون المؤمنين ) للدلالة على أن المنهي عنه هو المولاة التي يترتب عليها انحياز المؤمن إلى معسكر أعداء دينه وعقيدته .
2. المودة المنهي عنها هي مودة المحادين الله ورسوله الذين {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} لا مجرد المخالفين ولو كانوا سلماً للمسلمين .
3. غير المسلم الذي لا يحارب الإسلام قد تكون مودته واجبة كما في شأن الزوجة الكتابية وأهلها الذين هم أخوال الأبناء المسلمين .. فمودتهم قربة وقطيعتهم ذنب .
4. الإسلام يعلي من شأن الرابطة الدينية ويجملها أعلى من كل رابطة سواها ولكن ذلك لايعني أن يرفع المسلم راية العداوة في وجه كل غير مسلم لمجرد المخالفة في الدين أو المغايرة في العقيدة .
(ب) أهل الذمة :
الذمة في اللغة تعني العهد والأمان والضمان , وفي الشرع تعني عقداً مؤبداً يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بأمان الجماعة الإسلامية وضمانها بشرط بذلهم الجزية وقبولهم أحكام دار الإسلام في غير شؤونهم الدينية . وهذا العقد يوجب لكل طرف حقوقاً ويفرض عليه واجبات , وليست عبارة أهل الذمة عبارة تنقيص أو ذم , بل هي منها عبارة توحي بوجوب الرعاية والوفاء تديناً وامتثالاً للشرع , وإن كان بعضهم يتأذي منها فيمكن تغييره لأن الله لم يتعبدنا به وقد غير سيدنا عمر لفظ الجزية الذي ورد في القرآن استجابه لعرب بني تغلب من النصارى الذين انفوا من الاسم وطلبوا أن يؤخذ منهم ما يؤخذ باسم الصدقة وإن كان مضاعفاً فوافقهم عمر وقال: (هؤلاء قوم حمقى رضوا المعنى وأبو الاسم ).
ومما يجب إدراكه عن الذمة ما يلي :
*. فكرة عقد الذمة ليست فكرة إسلامية مبتداء , وإنما هي مما وجده الإسلام شائعاَ بين الناس عند بعثة النبي صلي الله عليه وسلم فأكسبة مشروعية , وأضاف إليه تحصيناً جديداً بأن حول الذمة من ذمة العاقد أو ذمة المجير إلي ذمة الله ورسوله والمؤمنين ,أي ذمة الدولة الإسلامية نفسها . وبأن جعل العقد مؤبداً لا يقبل الفسخ حماية للداخلين فيه من غير المسلمين .
*. الدولة الإسلامية القائمة اليوم تمثل نوعاً جديداً من أنواع السيادة الإسلامية لم يعرض لأحكامها الفقهاء السابقون لأنها لم توجد في زمانهم , وهي السيادة المبنية على أغلبية مسلمة لا على فتح هذه الدولة بعد حرب المسلمين لأهلها . وهذه الأغلبية مشاركها في إنشاء الدولة وإيجادها أقلية أو أقليات غير مسلمة , الأمر الذي يتطلب اجتهاداً يناسبها في تطبيق الأصول الإسلامية عليها وإجراء الاحكام الشرعية فيها , والابأس أن يكون عقد المواطنة بديلاًعن هذا المصطلح سيما والقوم في السودان أهل عهد .

(ث) الجزية :
وهي ضريبة سنوية علي الرؤوس تتمثل في مقدار زهيد من المال على الرجال البالغين القادرين .حسب ثرواتهم , والجزية لم تكن ملازمة لعقد الذمة في كل حال كما يظن بعضهم , بل استفاضت أقوال الفقهاء في تعيينها وقالوا إنها بدل عن اشتراك غير المسلمين في الدفاع عن دار الإسلام , لذلك أسقطها الصحابة والتابعون عمن قبل منهم الاشتراك في الدفاع عنها ,فعل ذلك سرقة بن عمرو مع أهل أرمينية سنة 22ه وحبيب بن مسلمة الفهرى مع أهل إنطاكية وأبرمة مندوب أبي عبيدة بن الجراح وأقره أبو عبيدة فيمن معه من الصحابة , وصالح المسلمون أهل النوبة على عهد الصحابي عبد الله بن أبي السرح على غير جزية بل علي هدايا تتبادل في كل عام وصالحوا أهل قبرص في زمن معاوية على خراج وحياد بين المسلمين والروم
غير المسلمين من المواطنين الذين يؤدون واجب الجندية , ويسهمون في حماية دار الإسلام لا تجب عليهم الجزية . والصغار الوارد في آية التوبة يقصد به خضوعهم لحكم القانون وسلطان الدولة .
رابعاً : حقوق وواجبات أهل الكتاب في الواقع المعاصر :

أهل الكتاب ارتضوا أن يعيشوا تحت رعاية الدولة المسلمة فلهم بذلك من الحقوق مثل ما للمسلمين , وعليهم من الواجبات مثل ما علي المسلمين إلا ما استثني بنص , قال الإمام علي كرم الله وجهه : (إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا)
حقوق أهل الكتاب :
لأهل الكتاب جملة من الحقوق منها :
1. حق الحماية من الاعتداء الخارجي والحماية من الظلم الداخلي (من آذي ذمياً فقد آذاني ومن أذاني فقد آذى الله ) فلا يصيبهم أذى في أبدانهم ولا أموالهم ولا أعراضهم .
2. حق التأمين عند العجز والشيخوخة والفقر , قال سيدنا عمر بن الخطاب : (ما أنصفناه إذا أخذنا منه الجزية شاباً ,ثم نخذله عند الهرم) .
3. حرية التدين {لا إكراه في الدين} ومن ذلك ممارسة شعائرهم الدينية في دور عبادتهم .
يرى بعض الفقهاء المعاصرين (8) في شأن بناء الكنائس ما يلي :-
أولاً : علي غير المسلمين أن يراعوا مشاعر المسلمين وحرمة دينهم فلا يظهروا شعائرهم وصلبانهم في الأمصار الإسلامية . ولا يحدثوا كنيسة في مدينة إسلامية لم يكن فيها كنيسة من قبل ذلك، لما في الإظهار والإحداث من تحدي الشعور الإسلامي مما قد يؤدي إلي فتنة واضطراب .
ثانياً : للآتي :
أ. قوله سبحانه وتعالي : {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً } يدل علي أن من أساليب الإذن بالقتال حماية حرية العبادة
ب. العهود التي أقامها الرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه مع اليهود والنصاري تضمنت الحفاظ علي دور عبادتهم , مثلاً
1. عهد الرسول صلي الله عليه وسلم لأهل نجران أن لهم جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وزملتهم وبيعهم
2. عهد سيدنا عمر لأهل إيلياء فيه نص على الأمان على كنائسهم فلا تسكن ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبها .
3. عهد سيدنا خالد بن الزليد لأهل عانات أن يضربوا نواقيسهم في أي وقت شاؤوا من ليل أو نهار , وإلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أعيادهم .
ث. واقع حال المسلمين يدل علي جواز إقامة الكنائس في ظل الدولة المسلمة. روى المقريزي أن جميع كنائس القاهرة المذكورة محدثة في الإسلام بلا خلاف .
ثالثاً : من علماء المسلمين من أجاز لأهل الكتاب إنشاء الكنائس والبيع وغيرها من المعابد في الأمصار التي فتحها المسلمون عنوة إذا أذن لهم الإمام بذلك بناء علي مصلحة رآها ,وقد ذهب لذلك الزيدية والإمام أبو القاسم من أصحاب مالك .
حرية العمل والكسب وحرية تولي وظائف الدولة ونحو ذلك إلا ما استثني بنص لعدم جواز تولي الكتابيين للوظائف التي تغلب عليها الصيغة الدينية كالإمامة التي هي , رئاسة الدين والدنيا وخلافة النبي صلي الله عليه وسلم ولا يعقل أن يقوم بها غير مسلم , وقيادة الجيش وإمرة الجهاد الذي هو ذروة سنام الاسلام , والقضاء بين المسلمين الذي يقتضي العلم بشريعة الله والإيمان بها للحكم بين الناس والولاية على الصدقات ونحو ذلك .
ضمانات الوفاء بحقوق أهل الكتاب
إن الضمانات لتنفيذ هذه الحقوق وكفالة تلك الحريات تتمثل في أمرين :
ضمان العقيدة : فالمسلمون يحرصون على الالتزام بعقيدتهم وتطبيق أحكام دينهم , لا يمنعهم من ذلك عواطف القرابة والموادة ولا يصدهم عن ذلك مشاعرة العدواة والشنآن , وقال تعالي : {يايها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو علي أنفسكم أو الوالدين والأقربين } {ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } .
ضمان الجتمع المسلم بدستوره وسلوكه :
فالمجتمع الإسلامي مسؤول بالتضامن عن تنفيذ الشريعة وتطبيق أحكامها في كل الأمور، ومنها ما يتعلق بغير المسلمين , فإذا قصر بعض الناس أو انحرف أو جار وتعدي ,وجد في المجتمع من يرده إلى الحق , ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر , ويقف بجانب المظلوم المعتدي عليه , ولو كان مخالفا له في الدين .
قد يوجد هذا كله دون أن يشكوا الذمي إلي أحد , وقد يشكوا ما وقع من ظلم . فيجد من يسمع لشكواه , وينصفه من ظالمة , مهمها يكن مركزه ومكانه في دنيا الناس .
فله أن يشكو إلي الوالي أو الحاكم المحلي , فيجد عنده النصفة والحماية , فإن لم ينصفه فله أن يلجأ إلى من هو فوقه .. إلى خليفة المسلمين وأمير المؤمنين , فيجد عنده الضمان والأمان , حتى لو كانت القضية بينة وبين الخلفية نفسه، فإنه يجد الضمان لدى القضاء المستقل العادل والذي له حق محاكمة أي مدعٍ عليه .
واجبات أهل الكتاب :
واجبات أهل الكتاب تنحصر في أمور معدودة هي :
1. أداء التكاليف المالية .
2. التزام أحكام القانو ن الإسلامي في المعاملات المدنية ونحوها .
3. احترام شعائر المسلمين ومشاعرهم .
أداء التكاليف المالية : من جزية واخرج وضرائب وغيرها .وقد سبق الحديث عن الجزية . وأهل الكتاب في تكليفهم بالخراج والضرائب الأخرى سواء والمسلمين , فليس فيها شيء يجب باختلاف الدين وإنما تجب على أنواع الأموال والتجارات والأرضي المزروعة دون نظر إلي صاحب أي منها : أمسلم هو أم غير مسلم .
التزام أحكام القانون الإسلامي :
والواجب الثاني علي أهل الكتاب / إن يلتزموا أحكام الإسلام , التي تطبق علي المسلمين لأنهم بمقتضي العهد أصبحوا يحملون جنسية الدولة الإسلامية , فعليهم أن يتقيدوا بقوانينها التي لا تمس عقائدهم وحريتهم الدينية .
فليس عليهم تكاليف من التكاليف التعبدية للمسلمين أو التي لها صبغة تعبدية أو دينية , مثل الزكاة التي هي ضريبة وعبادة في الوقت نفسه , ومثل الجهاد الذي هو خدمة عسكرية وفريضة إسلامية , ومن أجل ذلك فرض الإسلام عليهم الجزية بدلاً من الجهاد والزكاة
كما عرفنا - رعاية لشعورهم الديني أن يفرض عليهم ما هو من عبادات الإسلام وليس عليهم في أحوالهم الشخصية والاجتماعية أن يتنازلوا عما أحله لهم دينهم , وأن كان قد حرمه الإسلام, كما في الزواج والطلاق وأكل الخنزير وشرب الخمر . فالإسلام يقرهم علي ما يعتقدون حله , ولا يتعرض لهم في ذلك بإبطال ولا عتاب .
فالمجوسي الذي يتزوج إحدى محارمه , واليهودي الذي يتزوج بنت أخيه , والنصراني الذي يأكل الخنزير ويشرب الخمر , لايتدخل الإسلام في شئونهم هذه ما داموا يعتقدون حلها فقد أمر المسلمون أن يتركوهم وما يدينون , فإذا رضوا بالاحتكام إلي شرع المسلمين في هذه الأمور حكمنا فيهم بحكم الإسلام لقوله تعالي {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولأتتبع أهواؤهم }(9) .
مراعاة شعور المسلمين :
والواجب الثالث عليهم : أن يحترموا شعور المسلمين , والذين يعيشون بين ظهرانيهم وأن يراعوا هيبة الدولة التي تظلهم بحمايتها ورعايتها .
فلا يجوز لهم أن يسبوا الإسلام أو رسوله أو كتابه جهرة , ولا أن يروجوا من العقائد والأفكار ما ينفي عقيدة الدولية ودينها , ما لم يكن ذلك جزءا من عقيدتهم كالتثليت والصلب عند النصاري , علي أن يقتصروا في ذلك علي أبناء ملتهم لا يذيعونه في أبناء المسلمين ليفتنوهم عن دينهم .
ولا يجوز لهم أن يتظاهروا بشرب الخمر وأكل لخنزير , ونحو ذلك مما يحرم في دين الإسلام . كما لا يجوز لهم أن يبيعوها لأفراد المسلمين , لما في ذلك من إفساد المجتمع الإسلامي وعليهم ألا يظهروا الأكل والشرب في نهار رمضان , مراعاة لعواطف لمسلمين .
خامساً : الفوارق بين طبيعة الدولة المعاصرة والقديمة .

أ. كانت الدولة في السابق تقوم علي أساس العقيدة الدينية في العصر الحديث تقوم علي أساس قومي أو علي أساس ديني قومي كما هو الحال في السودان حيث نص على أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات .
ب. كانت الدولة الإسلامية في الصدر الأول قوة سياسية وعسكرية راحجة , كما كانت قوة بشرية عددية مرجوحة . وأما الآن فقد انقلب الوضع إذ أصبح المسلمون قوة عددية راجحة .وقوة عسكرية مجروحة .
ج. كانت الحرب في السابق تجري دفاعاً عن العقيدة ضد خصوم الدين لذلك وقع عبؤها علي المسلمين وحدهم , لكن تجري الحرب دفاعاً عن أرض الوطن وأبناء الوطن وأبناء الوطن فُيلقى عبؤها على المسلمين وغير المسلمين من أبناء الوطن .
د. كانت الدولة الإسلامية في الصدر الأول دولة نافذة فقد كان المسلمون قوة سياسية وعسكرية تملك ان تقرر ما تراه دون معارضية دولية أو مهددات لأمنها القومي .أما اليوم فقد آلت أوضاع المسلمين السياسية والعسكرية – في الموزاين العالمية – إلى ضعف غير خاف حيث يخشى المسلمون من عدم استقرار الأوضاع في بلادهم بسبب عدم مساواة غيرهم بهم واستغلال القوى الخارجية الطامعة لهذا الأمر
خ. الدولة الإسلامية في السابق كانت تواجة أقلية محدوة من غير المسلمين تنازعها السيادة , أما اليوم فإن الأقلية لم تعد كذلك إذا نظرنا للتيار العالمي الذي تمثلة والجهات الأجنبية التي يمكن أن تنهض لنصرتها .
سادساً : التكيف الشرعي للواقع المعاصر :
يمكن القول (في ظل هذه الظروف الغالبة ) أنه يمكن الخروج من الأصل لاعتبارات يقدرها الشرع . ومن هذه الاعتبارات :-
التكليف وفق الوسع والمستطاع (لاتكليف إلا بمقدور ) : لقوله تعالي {فاتقوا الله ما استطعتم(10) } {لايكلف الله نفساً إلا وسعها} . وقوله صلي الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (12) ) وقد أسلم النجاشي ملك الحبشة في زمن الرسول صلي الله علية وسلم ومع هذا لم يستطع أن يقيم حكم الإسلام في مملكته لأنه لو فعل ذلك خلعه قومة ولم ينكر عليه الرسول الكريم .
2. ارتكاب أخف الضررين : والأصل فيه قوله صلي الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها (لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لبنيت الكعبة علي قواعد إبراهيم (13) ) فترك صلي الله عليه وسلم ما يراه واجباً خشية أن تثور فتنة من التغير في بناء الكعبة وهم لم ترسخ أقدامهم في الإسلام بعد .
3. النزول من المثال المنشود إلي الممكن الموجود :
إن هنالك مثلاً علياً تعبدنا بها الشرع المسلم ليرنوا إليها المسلم بقلبه ويسعى إليها بحركته ولكن الواقع كثيراً ما يغلبه فيعجز عن الوصول إليها فيضطر للنزول عنها إلي ما دونها تحت ضغط الضرورة وعملاً بالممكن الموجود بعد تعذر الصعود إلي المثال المنشود . إن النزول إلي الممكن الموجود يدعونا إلي إعمال كثيرة من القواعد الأصولية مثل :
الضرورات تبيح المحظورات
الحاجة التي تنزل منزل الضرورة .. عامة كانت أو خاصة
لا ضرر ولأضرار .
رفع الحرج
عموم البلوى من موجبات التسير .
السياسة الشرعية القائمة على فقه الموازنات
اختيار الأيسر
فقد بين القرآن الله تعالي أقام أحكام شرعة علي اليسر لا علي العسر وعلي التخفيف لا التغليظ وعلي رعاية الظروف المخففة والضرورات القاهرة والحاجات الملحة . قال تعالي {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } , وقال تعالي {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم } , { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } . ومن ثم أجاز الفقهاء للفرد المسلم وللمجتمع المسلم النزول للضرورات حتى لا تتعطل مصالح الخلق وتضيع حقوقهم ويذهب دينهم .
سنة التدرج :
ومن ذلك التدرج, فكل شيء يبدأ صغيراً ثم يقوى, فالإنسان لا يولد بالغاً عاقلاً بل يبدأ وليداً رضيعاً فصبياً فشاباً فكهلاً .. الخ .. وقد راعى الشرع هذه السنة في فرض الفرائض كما تدرج بهم في تحريم المحرمات رحمة بهم وتيسيراً وقد لا يستطيع الإنسان رغم طموحه الوصول إلي الأهداف الكبيرة مرة واحدة ولكنه الوصول إليها شيئاً بعد شيء وفق قدراته وظروفه .
ومن ثم وإذا نظرنا إلي واقعنا وما نحن فيه من ضعف وإلي واقع أعدائنا وما يملكون من قوة نري حال الضعف علينا مما يجب أن نرفضه في حال القوة وقد قال تعالي { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فأشار سبحانه إلي أن الضعف من أسباب التخفيف وأن كان علي المسلم أن يتطلع أبداً إلي القوة والمؤمن القوي خيرُ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .
وفي تاريخنا الإسلامي أمثلة ونماذج , ففي سيرة خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وهو الذي أحيا سنن الهدي وأقام معالم الدين ونشر معاني الخير مما لا يجهله أحد ولاينساه التاريخ ولكنه لم يستطع أن يفعل كل ما يريد بدليل أنه لم يعد الخلافه شورى كما هو الأصل في الإسلام ويخرجها من بني أمية , فقد قال له ابنه
عبد الملك : وكان شاباً تقياً متحمساً , قال له يوماً : يا أبت ما لي أراك متباطئاً في إنفاذ الأمور؟ فو الله ما أبالي لو غلت بي وبك القدر في سبيل الله .
يريد الابن المتحمس أن يجعل أبوه الإصلاح المنشود ولا يبالي بما يحدث بعد ذلك من عواقب ما دام ذلك في سبيل الله .
فقال له الأب الحكيم : لا تعجل يا بني فان الله تعالي ذم الخمر في القرآن في آيتين ثم حرمها في الثالثة وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جمله فيدفعوه جملة فيكون وراءه فتنة. فاستصحابا لكل ذلك ومع تقدير لمل قرره الفقهاء من الحق الموافق لواقعهم في منع لستحداث الكنائس فان الأمر الذي يمكن أن يصار إليه هو السماح بذلك وفق ضوابط تحددها الدولة منعاً من إقامتها لغير ضرورة وصوناً للمجتمع المسلم من أن تتغير ملامحه أو تستفز مشاعره مما يكون وراءه فتنة عظيمة خاصة وأن آراء الفقهاء في ذلك واضحة جلية مما يجعل منها مادة لدى بعض الجماعات المتشددة للإثارة والتشكيك في مصداقية الدولة و توجهها الحضاري أو إثارة العوام في إزلتها بالقوة .



1- سورة المائدة / آية 5
2- سورة هود / الآية / 118
3- البخاري كتاب الجنائز , باب من قام الجنازة يهودي – ح رقم 1229
4- سورة يونس /الاية/99
5- سيرة بن هشام , والكلام عن هذا الحلف ذكر في البداية لابن كثير باسناد صحيح , وفي دلائل البيهقي ورواه الحميدي ,وابن سعد عن طريق الواقدي .
6- سورة الحج / الآية / 69
7- سورة الشوري / الآية / 15
8- كالدكتور يوسف القرضاوي ولاستاذ محمد سليم العوا
9- سورة المائدة / الآية 49
10- سورة التغابن / الآية 16
11- متفق عليه
12- متفق عليه


 

موقع الإسلام اليوم - جميع- الحقوق محفوظة © 2001-2003

www.Islamtoday.net - All rights reserved © 2001-2003