الإرهاب – المفهوم والمعالجة

 سلمان بن فهد العودة

مدخـل تاريخي:
قد يكون مهماً أن ندرك مجموعة من الأفكار الأساسية تجاه موضوع الإرهاب. و إذا أردنا أن نفهم متى ولد الإرهاب ؟ إننا نملك هنا حقيقة مؤكدة , يمكن تلخيصها: بأن الإرهاب قديم , ويمتد مسافات بعيدة في تاريخ البشرية , وإن كان يأخذ تشكّلات تحت تأثير الواقع والبيئة التي يمر بها ، وهذا يعطينا دلالة كبيرة على أن الإرهاب ليس مفاجأة القرن الحادي والعشرين ، وليس قضيـة مكتشفة حديثاً , بل يعد من القضايا الموغلة في القدم ، ويمكن لأيّ فرد في العالم - أياً كانت ثقافته - أن يقرأ تاريخاً من الفزع والظلم , مارسته مجموعات لا تتحلى بالعدالة واحترام الحقوق !
وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم قصة ابني آدم بالحق , (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة:27) , ومن أجل ذلك كتب الله على بني إسرائيل أنه: من قتل نفساً بغير نفس , أو فسادٍ في الأرض ؛ فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .
وهذه إحدى منظورات الإسلام في احترام النفس الإنسانية.
ونحن - بحسب ثقافتنا الإسلامية - يمكن أن نسجّل: أن رسالات الله إلى الأنبياء كانت تهدف إلى مجموعة من الأولويات , منها: تحقيق العدالة في الأرض , ونشر قيم الخير للإنسانية .
وهنا ! فإننا نفهم الإسلام قيمة سامية لصناعة الخير للبشرية , واحترام الحقوق الخاصة والعامة.
وحين ندرك هذه الحقيقة التاريخية ؛ فإننا نفهم: أن تداول مصطلح الإرهاب المعاصر أخذ شكلاً من الوظيفة الإعلامية , التي تهدف لفرض مجموعة من الخيارات الاستراتيجية الخاصة , التي تطمع بعض الدول العظمى لفرضها وتطبيقها ، فإذا قرأنا فترة الثورة الفرنسـية ( 1789 م – 1799م ) وجدنا هذا المصطلح استعمل كآلية لإدارة الصراع بين الثورة وخصومها , وحتى في الولايات المتحدة فلم يكن هذا المصطلح مفاجئاً , فقد سبق أن أعلن الرئيس ريغان الحرب ضد الإرهاب , الذي كان وقتها متمثلاً في الشيوعية السوفيتية , ورفعت حكومة الرئيس شعار مكافحة الإرهاب الدولي الذي تواجهه الحضارة والعالم .
وهذا يؤكد أن الالتفاف على هذا المصطلح مؤخراً من قبل الولايات المتحدة وتطويعه ورسمه وفق تعريف خاص ؛ لا يزال غير متكافئ مع معقولية وعدالة السياسة الأمريكية في الخارج , و لا سيما مع دول العالم الثالث، وهنا يكون من الممكن ببساطة أن نفهم ( محاربة الإرهاب ) حسب الفكرة المطروحة في الإدارة الأمريكيـة ، وأنها: من الحرب الباردة لملاحقة كل أشكال التميز عن الفكرة والتطبيق في الإدارة الأمريكية , وهذا كان شبه محدد في خطاب الرئيس ( بوش الابن ) ضمن سياسية: (من ليس مع الولايات المتحدة فهو مع الإرهابيين ) وبهذا أصبحت أمريكا تمثل الخير والعدالة المطلقة والحق المحض، و بإزائها محور الشر والإرهاب والعدوان ويبدو أن هذا المنطق الذي تمارسه الإدارة الأمريكية يمثل خياراً لفرض الإرهاب وترسيمه في العالم بدلاً من محاولة تطويق مساحة الإرهاب ودراسة الأسباب التي تخلق الإرهاب بنـزاهة وعدالة ، وتمييز الإرهاب الحقيقي من حق المقاومة المشروعة , وتحرير الأوطان من المحتلين والمعتدين وحق الشعوب في السيادة على أرضها وثرواتها والعيش بحرية وكرامة .

ما بعد الحرب الباردة :
لاشك أن نهاية الحرب الباردة قد غيرت الكثير من الأوضاع , وأصبح مسوقاً في دوائر الغرب والولايات المتحدة بوجه خاص: أن العالم مقبل على حياة أفضل ومهيأ لقدر من التعايش والعدالة بين أجناسه وشعوبه وأممه بمختلف تشكلاتها ونماذجها .
لكن هذه الطمأنة لم تكن تتمتع بقدرة على التطبيق من حيث إن المشكلة التي كانت تمثلها الشيوعية لم تكن هي المشكلة الوحيدة التي تهدد الأمن العالمي .
وهنا يبدو النظام العالمي الجديد بعد الشيوعية يحتفظ بقدر من التطرف والأستبداد لأنه نظام أحادي التكوين والتركيب .
وفي ظل هذا النموذج الجديد المبشر به باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التجارة, صارت الولايات المتحدة تتجه لفرض خياراتها على مجموعة من حلفائها الأوربيين , فضلاً عن دول العالم الثالث , وهذا يعني أن الولايات المتحدة التي أصبحت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي الدولة الأقوى في العالم صارت تستدعي خلق أسباب تخولها ملاحقة كل أشكال الطموح والتميز في العالم ، والذي قد يسبب يوما ما مزاحمة للإدارة الأمريكية , ولم يكن مفاجئاً أن تخرج الولايات المتحدة أكثر من مرة عن الخارطة الدولية في الأمم المتحدة ؛ لتتبنى قرارات أحادية الجانب , أو تعترض على إجماع دولي .
حين واجهت الولايات المتحدة ضربات الحادي عشر من سبتمبر ؛ تحرك القرار الأمريكي لمواجهة ما يسميه بالإرهاب ضمن مطالبة الدول بالتحالف مع الولايات المتحدة , دون أن تقدم الإدارة الأمريكية خطة تحدد مفهوم الإرهاب , وصور معالجاته , بل تمثلت الحركة الأمريكية في ترسيم ( العنف والعنف المضاد ) كخيار للعالم في هذا القرن ، ومن المؤكد أن الإدارة الأمريكية مع شمولية نظرتها في تصنيف الإرهاب , وأن كل من يعارضها سيكون ملاحقاً في هذه الحرب , التي قد تأخذ في البداية تجارباً على مجموعة من الضعفاء, كما هو الحال في ضرب المدنيين في أفغانستان ، وهذا يعني: أن هذه الحرب لن تقف - حسب طموح إدارة الصراع في الولايات المتحدة - حتى تنتهي كل أشكال الاستقلالية والطموح الذي يختار مساراً آخر قد لا تتذوقه الإدارة في الولايات المتحدة ، وهنا فإن الاصطدام الأمريكي لن يكون بدول العالم الإسلامي فقط - التي حافظ الغرب على تخلفها التقني - بل سيكون الحياد ذاته شكلاً من أشكال الإرهاب في نظر الإدارة الأمريكية , حتى مع الدول الأكثر تقدماً وقدرة على تقرير مستقبلها الخاص ، وهذا يعني: أن الخطة المعلنة ستصنع كارثة عالمية تتجه لتقويض الأمن المدني , وضرب جميع صور الاستقلال السياسي والثقافي في العالم .
لقد أعلنت دول العالم إدانتها لأحداث الحادي عشر من سبتمبر , وأن من الصعب ضرب الأمن المدني في الولايات المتحدة تحت مبررات إساءة الإدارة الأمريكية ، لكن من المعقول أن نقول: إن الخطة المعلنة تعني أن الإرهاب يصنع الإرهاب ؛ فحين لا يكون مقبولاً ضرب المدنيين في الولايات المتحدة ؛ فمن المعقول ألا يكون مقبولاً ضرب آلاف المدنيين العزّل في أفغانستان كرد على ضربات نيويورك وواشنطن ، وليس محتماً أن يظل العالم مطالباً بإدانة الأحداث التي ضربت أمريكا، بينما يظل متجاهلاً أن ضحايا الهجمة على أفغانستان من المدنيين أكثر بكثير من ضحايا أحداث سبتمبر .
ربما لم تكن الإدارة الأمريكية جادة في حماية الأمن المدني في العالم ، بل ولا حتى داخل الولايات المتحدة ؛ فبدلاً من وضع قواعد لحماية الأمن والاستقرار العالمي ، اتجه القرار الأمريكي إلى خلق دوائر جديدة من التوتر ، وتفجير دوافع متنوعة للتعبير عن الحريات المسحوقة التي يمكن أن تفعل أي شيء ، دون أدنى تفكير أو شعور بالذنب والخطأ. ومن المؤكد أن خصومة الولايات المتحدة في هذه المرحلة لم تعد مع جماعة أو منظمة خاصة، بل بدأت تتجه للصراع مع العالم أكثر من أي وقت مضى ، ومن المؤكد أيضاً أن الرأي العام العالمي لا يشعر بعدالة كافية في الحركة الأمريكية ، وبات أكثر ذكاء ووضوحاً في رفض المزايدة الأمريكية تجاه قضية الإرهاب .
إن رفض ضربات الحادي عشر من سبتمبر لا يعني تبرير أشكال التطرف والعنف ، التي تمارسها الإدارة الأمريكية ؛ لتقويض الأمن وضرب الحريات ، ولا سيما في دول العالم الإسلامي التي حُمّلت المسؤولية الأكثر تجاه صناعة الإرهاب ؛ لشعور الإدارة الأمريكية أنها الدول الأكثر قابلية لمزيد من فرض التسلط الأمريكي ، واستعمال السيطرة والنفوذ تجاهها .
ويمكننا هنا أن نقرأ بعض المفاهيم التي نتمثلها في عالمنا الإسلامي ، وهي بمثابة تحديد أفضل لهويتنا أمام الرأي العام في العالم ، وفي الولايات المتحدة بالذات ، وخاصة حين صنعت آلة الإعلام الأمريكية هالة وهمية مزينة بقدر من المعلومات المضللة والموضوعية المنحازة ، وسمحت – على الأقل – لمشاعر الكراهية والبغضاء ؛ أن تشكل الرأي العام عن الإسلام .

الإسلام والإرهاب:
لا يحظى مصطلح الإرهاب بمصادقة واعتراف في الثقافة الإسلامية التي تنطلق من قيم الإسلام كنظرية أو فكرة لصناعة العدوان على الآخرين أو ضرب الحقوق .
وهنا لسنا نتحدث عن مسيرة يومية لكل فرد في العالم الإسلامي ، أو أفكار خاصة يراها طائفة من المسلمين .
فالحديث عن الإسلام يعني الحديث عن النظرية الإسلامية المحضة من جهة ، أو عن التطبيق العام على مستوى الأمة كافة .
إن الإسلام دين يؤمن به أكثر من مليار إنسان في العالم ، وأكثرية الناس في مناطق الأهمية الاستراتيجية هم من المسلمين ، ويمتد هذا الدين لأكثر من أربعة عشر قرناً ، ولم يخلق مشكلة لأحد في العالم طوال هذا الامتداد ؛ لكنه مع ذلك يؤمن بحق الدفاع عن النفس وتأمين الحرية الخاصة .
وعلى هذا فمن التسطيح للمشكلة أن تعرض على أن الإرهاب إملاء من الثقافة الإسلامية ؛ فإن هذا يعني: أن العالم والولايات المتحدة - بوجه خاص - يواجه أكثر من مليار إنسان , ومناطق متناثرة في العالم كلها تصنع الإرهاب!!!
ولعل هذه هي النتيجة التي يسعى إليها من يديرون دفة الحرب ، ويدقون نواقيسها .
إننا هنا معنيون بمخاطبة الفرد في العالم وخاصة في الغرب ، وهذا يعني: أن نقدم حقائق بسيطة تسمح للآخرين أن يفهموا موقفنا - نحن المسلمين- من الإرهاب حتى لا نسمح لآلة الإعلام ؛ الذي لا يحترم الموضوعية والدقة بمزيد من الاسقاطات التي تخدع الكثيرين في الغرب ، وخصوصاً الشعب الأمريكي .
إننا ندرك أن الإسلام حقيقة ربانية عادلة , تقدم الخير للبشرية كلها ؛ وقد جاء النبي الخاتـم ( رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) .
أي : للعالم كله ، حتى أولئك الذين لم يؤمنوا به , حفظ حقوقهم , وأعطاهم في ظل حكمه التاريخي مستوى من العدالة لم يحلموا به ، يقول : (غوستاف لوبون ) المؤرخ البريطاني الشهير : ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب .
صحيح أننا نمتلك رؤية خاصة , تحدد هويتنا الإسلامية , وصحيح - أيضاً - أننا نتقاطع في مجموعة من المفاهيم والقيم مع مجموعة مفاهيم لأمم وشعوب أخرى .
ومن الواضح أننا على اختلاف مع كثير من المفاهيم الغربية , ولنا خيارنا الخاص , كما ندرك أن الآخرين يمارسون خيارهم الخاص .
في الوقت الذي يرسم فيه الإسلام امتياز المسلم وخصوصية هويته تحت مجموعة من القيم والمفاهيم ؛ فإن الإسلام رسم ضمن هذه الهوية أصول العلاقة المشتركة مع الآخرين , بما يسمح بإرساء قواعد العدالة , واحترام الحقوق في العلاقات الخاصة والعامة , ويسجل في تاريخ الإسلام أن الرسول محمداً r زار شاباً يهودياً في مرضه , ودعاه للإسلام - حتى قبل دعوته المباشرة - , وأسلم تحت رسالة الأخلاق .
إن من قيم الإسلام: الدعوة إلى العفو , وخلق مساحات أوسـع للتسامح ، وحماية الأمن المدني ؛ حتى يتمتع الفرد بقدرة كافية لقراءة القيم الإسلامية , وصناعة الحياة الأفضل .
وتحت هذا الامتداد يكون من التسطيح الظن بأن المسلمين , أو حتى فئة منهم يستهدفون قيم العدل والحرية المعلنة للشعب الأمريكي , أو أن قيم المسلمين تفرض عليهم قتل الآخرين دون أي نظام أخلاقي لمجرد أنهم يخالفونهم، أو لكونهم يمارسون العدل أو الحرية .
هذا التصور ببساطة يُعدُّ صناعة لكارثة , قد يكون الطرف الأكثر خسارة فيها هو الشعب الأمريكي قبل أي مجتمع في العالم ، وإذا أردنا أن نكون منصفين ؛ فإن علاقة المسلمين بالغرب صنعها الغرب أكثر بكثير مما صنعها المسلمون . وليست الحروب الصليبية بدمويتها وفداحتها في التاريخ الماضي هي الاحتكاك السلبي الوحيد من قبل الغرب ضد الإسلام والمنطقة الإسلامية ، فإن ذكريات الاستعمار , ومصـادرة حق الشعوب , وضرب المقاومة الوطنية هي الأكثر حضوراً في الذهنية الإسلامية والعربية اليوم .
لكن الذي يبحث عن مواقف سلبية إسلامية ضد الغرب ؛سيجد صعوبة بالغة في الحصول على أي أدلة تاريخية صادقـة .
والحقيقة التي يجب أن يعيها المخلصون: أن تحرك مجموعة إسلامية لعمل ما ضد هذا البلد أو ذاك في الغرب ؛ لا بد أن يُدرك كواقعة خاصة ، ومن الذكاء والمسؤولية أن يتم التفكير الجاد في التعرف على الأسباب والدوافع وراء ذلك ، وليس تجاهلها أو تفسيرها بشكل متعسف .
إن من المنطقي أن نسأل : لماذا تم استهداف الأمريكيين بالذات ، وليس استهداف المجتمعات الأخرى , التي هي أكثر تقاطعاً وتباعداً مع الثقافة الإسلامية كالمجتمعات البوذية مثلاً ؟! أو المجتمعات التي لا تحظى بصلة واقعية مع المجتمعات الإسلامية والعربية ؛ بينما يتم التبادل بين المسلمين وشعوب الغرب , وتعيش مجموعات ضخمة من المسلمين هناك , وفي مقابل هذا تعيش مجموعات غربية في العالم الإسلامي .
وإذا أردنا أن نتعامل مع هذا الموضوع بوضوح أكثر ؛ فهنا يمكن أن نتحدث عن بعض قيم الإسلام , التي تحاول مجموعات - في الإعلام والسياسة في الولايات المتحدة - إسقاط الإرهاب تحتها , وأخص هذه القيم ( الجهاد )

الجهاد والإرهاب :
من الواضح أن الإرهاب لم يكن أحد القيم التي يريدها الإسلام لمعالجة المشكلات مع الآخريـن ، أو فرض مفاهيمه على الآخرين .
ولا يتم تداول كلمة ( الإرهاب ) كمصطلح إسلامي أو شرعي ، وهنا يمكننا أن نتساءل :
هل يمكن أن يقبل أحد في تحديد الإرهاب أن كل ما كان ضد الولايات المتحدة - مثلاً - فهو إرهاب ؟ !
كيف يمكن أن نضمن للشعوب الأخرى حقها في الدفاع عن مصالحها وحقوقها إذا كانت الولايات المتحدة هي الطرف المعتدي.
تحت أي غطاء تقوم الولايات المتحدة بشن الحروب المدمرة هنا وهناك؟ أليس تحت مبرر : الحرب على الإرهاب ؟!!
إذاًً فثمت حرب عادلة ومشروعة .
فمن يملك حق تحديد ملامح هذه الحرب ؟
ومتى تكون مقبولة ؟
ومتى تكون مرفوضة ؟
نعم ! الإسلام يحدد موقفه على ضوء التعريف الذي يمكن منحه للإرهاب ، وليس من الممكن أن ( يوقع على بياض ) كما يقال !
فما يندرج تحت الإفساد في الأرض , أو الظلم , أو العدوان على الأبرياء فهو مرفوض ، أياً كانت تسميته ، وفي أي أرض وقع ، سواء وقع في أمريكا , أو أفغانستان , أو فلسطين , أو اليابان , أو نيكـارجوا , أو لبنان أو العراق , أو فيتنام , أو ليبيا ... إلخ .
وما كان دفاعاً مشروعاً عن النفس , أو مقاومة للمحتل , أو طرداً للمستعمر فهو عدل مقبول سائغ .
وحتى في هذه الحالة ؛ فإن للحرب في الإسلام نظاماً أخلاقيـاً صارمـاً , تتم الإشارة إليه بعدُ .

وهناك أشكال متعددة من الإرهاب فمنها :
1 ـ الإرهاب الاستعماري ؛ الهادف إلى نهب خيرات البلاد .
2 ـ الإرهاب الاستيطاني ؛ كما في إسرائيل , وجنوب إفريقيا سابقاً .
3 ـ الإرهاب الفكري ؛كالذي تمارسه الصهيونية ضد من تسميهم بأعداء السامية .
4 ـ الإرهاب الدولي ؛ الذي تمارسه دول وحكومات ضد غيرها تحت مسميات فضفاضة .
5 ـ الإرهاب الاقتصادي ؛ الذي تمارسه دول الشمال الغني مع دول الجنوب الفقير .
أما كلمة ( الجهاد ) التي يتم تداولها كرديف للإرهاب في أدبيات الغرب عامة ؛ فهي مفهوم حياتي واسع , لا يختص بالمواجهة المسلحة مطلقاً .
وفي نصوص الكتاب الكريم نجد :
1- الجهاد بالقرآن (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) (الفرقان:52) ، وهذا يعني: الدعـوة والحجة والبيان والمجادلة بالحسنى .
2- جهاد النفس ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت:69) ؛فيدخل في معنى الآية : مجاهدة النفس على الخير , والتزكية , والإيمان ، وكفها عن الشر والشهوة , والفتنة .
ومثله قوله تعالى : (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت:6) .
3- الجهاد بالمال ، وهذا يعني: صرفه في مصارف الخير المتنوعة ، ويشمل ذلك: صرفه للمقاتلين في سبيل الله ، وهذا ورد في عدة مواضع من القرآن الكريم .
4- الجهاد بالنفس ، هذا يشمل: الأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمن ، كالقتال المشروع في سبيل الله , والتعليـم , والدعـوة , و غيرها .
ومن المدركات التاريخية المقررة: أن أكبر بلد إسلامي اليوم - من حيث عدد السكان - ( إندونيسيا ) دخلها الإسلام ليس عن طريق الحرب ، بل بالرسالة الأخلاقية .
وبالرغم من انحسار السلطة الإسلامية عن مناطق كثيرة حكمها الإسلام تاريخياً ؛ إلا أن أهلها الأصليين ظلوا مسلمين ، وحملوا رسالة الحق , ودعوا إليها , وتحملوا الأذى , والتعذيب , والظلم في سبيلها ؛ كما نجده في:بلاد الشام , ومصر , والعراق , والمغرب , والقوقاز والبلقان , وأسبانيا التي أقيمت للمسلمين فيها محاكم التفتيش , وهذا يدل على أن تأثير الإسلام فيهم كان أخلاقياً إقناعياً ، بخلاف الاستعمار الغربي , الذي أخرج بالقوة من البلاد الإسلامية , ولا يتذكر الناس عنه إلا المآسي , والآلام , والقهر , والتسلط.
إن من الخطأ الفادح أن يتصور البعض: أن كلمة الجهاد هي رديف لكلمة:( القتـال ) أو ( الحرب ) , والتي لا تعني إلا جزءاً خاصاً من مفهوم الجهاد .
إن الإسلام تحت اسم الجهـاد يدعـو إلى حمايـة المجتمعات من الظلـم , والتسلط , والدكتاتورية التي تصادر الحقوق والحريات ، وتلغي نظام العدل , والأخلاق , وتمنع الناس من سماع الحقيقة , أو اعتناقها , أو تضطهدهم في دينهم.
كما أنه تحت الاسم ذاته يسعى إلي الإيمان بالله وعبادته وتوحيده و نشر قيم الخير , والفضيلة والأخلاق بالحكمة , والموعظة الحسنة , كما قال سبحانه (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: من الآية125) .
كما يدعو إلى الإصلاح الاجتماعـي في مقاومـة الجهـل , والخرافـة , والفقر , والمرض والتفرقة العنصرية .
ومن أهدافه الأساسية: حماية حقوق المستضعفين الخاصة والعامة , من تسلط الأقوياء والمتنفذين .
وفي القرآن الكريم : (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (النساء:75) .
قال الزجاج : أي: ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء المستضعفين ؟
وهذا قول ابن عباس , وغيره من أئمة التفسير .
وبهذا يكون من صور الجهاد في الإسلام: مقاومة الظلـم , ومقارعتـه ( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا )( النساء: من الآية75 ) فهو يضمن حق الأمم في مدافعة الظالمين المعتدين .
ويحرم الإسلام الظلم , حتى للمخالف في الدين ؛ كما قال سبحانـه : ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة: من الآية8) .
ويقول للمؤمنين في شأن قريش , التي منعتهم من دخول المسجد الحرام بمكة :( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)(المائدة: من الآية2) , والشنآن هو البغض والعداوة , أي : لا تحملكم بغضاء وعداوة شعب , أو أمة على أن تعتدوا عليهم, أو تظلموهم , وتصادروا حقوقهم .
وفي الحديث عن أنس - رضي الله عنه- عن النبي r (اتقوا دعوة المظلوم ، وإن كان كافراً فإنه ليس دونها حجاب ) , رواه الإمام أحمد في مسنده , وهو حديث صحيح الإسناد .
كما أن من صور الجهاد مقاومة الدكتاتوريات التي تريد المحافظة على الخرافة والجهل ، وعدم إعطاء مساحة لقيم الإيمان بالله ، والأخلاق في الحركة الاجتماعية .

الإسلام والقتال :
وفي موضوع القتال , يمكن أن نرسم بعض الحقائق المهمة في التصور الإسلامي، ومن بينها ما سبق: أن الجهاد وإن كان أوسع من مفهوم القتـال ،فإنه يبقى من الوضوح أن نقول: إن الإسلام يعترف بالقتال ,حين يكون خياراً لمعالجة المشكلات , أو مواجهة الظلم والعدوان والدفاع عن الحريات والحقوق الخاصة، وحين نؤكد اعتراف الإسلام بالقتال والدفاع , والحرب فهذا جزء من منظومة القيم في الإسلام كما نفهمها , ويمكن لكل منصف أن يدرك معقولية مثل هذا القرار في الإسلام .
لقد دخل المسلمون في تاريخهم الطويل في معارك , وحروب تحت هذا المبدأ .
ومع أننا ندرك تماماً أنه: ليس ضرورياً أن ما يصنعه مجموعة من المسلمين فهو إملاء إسلامي شرعي في نظر الآخرين، وأن التاريخ الإسلامي ليس دائماً سجلاً للفضائل المحضة ، ولكن دعونا نتذكر:
كم قتل المسلمون من المدنيين في القرن المنصرم ؟!
وكم قتلت الشيوعية ؟!
وكم قتلت المجموعات والدول الغربية ؟!
ومن الذي أشعل أكبر حربين عالميتين خلال نصف قرن ، وجرّ إليها القريب والبعيد ؟ !
إن العالم يتذكر بمرارة ضرب المدنيين بالأسلحة النووية في هيروشيما وناجازاكي ، ويتذكر المجازر الدموية في البوسنة والهرسك , والتباطؤ الدولي عن إيقاف نزيف الدماء هناك , ولقد قتل في إندونيسيا - عام 1965م في إثر انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة - مئات الألوف , غالبهم من الفلاحين , ولم تُخف الصحافة الوطنية في الولايات المتحدة اغتباطها بما يحدث , كما قتل مئات الآلاف في العراق , من الأطفال في ظل الحصار الدولي منذ عام 1991م.
ويشاهد العالم بعينيه , ما تفعله القوة الغاشمة الإسرائيلية - المدعومة من الولايات المتحدة - بالعزّل في فلسطين , الذين تحتل ديارهم , وتعامل حتى مواطنيها منهم معاملة عنصرية سافرة.
وإذا كان هؤلاء - الذين رسموا في العصر الحديث مذابح جماعية - يشعرون بمبررات في داخلهم ؛ فهذا يدل على عمق المشكلة الأخلاقية التي تواجه العالم .
إن الإسلام حين يدعو لاعتماد خيار القتال ؛ فهذا يأتي ضمن نظام يتّسم بالدقة والعدالة ، وإعطاء فرصة للسلام , فهناك مجموعة من الشروط , ترسم نظام القتال , الذي يشرعه الإسلام للمسلمين , وهو هنا إحدى صور الجهاد ؛ لكن من الواضح أنه ليس عدوانياً على أحد , بل يقوم لحماية الحقوق , ونصر المستضعفين , ومحاربة الظلم , والتعسف , ونشر قيم العدل أمام رفض مجموعات الدكتاتورية الانفتاح على الآخرين , والسماح للفرد في المجتمع باختيار القيم الفاضلة .
وفي هذه الدائرة , يمكن أن نفهم صورة القتال في الإسلام ,كنظام لنشر وحماية الحريات المدنية والحقوق . والمسلمون حين يشاركون في هذا القتال ؛ فإنهم يتمتعون بعلاقة روحية في داخلهم , تجعلهم الأكثر كفاءة من الناحية المعنوية .
وإذا كان المثل الغربي يقول : إن الأخلاق تُعرف حال القوة والقدرة - وهذا في نظرنا صحيح - فإن الإسلام حال قوته ونفوذه كان يرسم قيماً أخلاقية عالية , حتى مع الذين يضطر إلى محاربتهم .
وفي أمثلة سريعة , يرد أبو عبيدة إلى أهل حمص المال , الذي أخذه منهم مقابل الحماية ؛ خشية ألا يقدر على حمايتهم ، وهو يقوم بها في الوقت ذاته .
ويأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتشكيل محكمة ميدانية , للنظر في دعوى أهل سمرقند , بعدم صحة إجراءات الحرب ، فتأمر المحكمة الجيش الإسلامي بالانسحاب الفوري ، وهكذا كان ينسحب الجيش وسط دهشة أهل المدينة وذهولهم .
وهذه الحرب العادلة , محكومة وفق الشريعة الإسلامية بالنظام الأخلاقي الذي لا يسمح بالتجاوز , حتى نجد في وصية الخليفة الأول , الصديق - رضي الله عنه- ليزيد : لا تقتل امرأة , ولا صبياً , ولا هرماً .
وكذلك كان عمر - رضي الله عنه - يوصي جيشه ويقول : لا تقتلوا امرأة , ولا صبياً ولا شيخاً هِمَّاً , يعني : كبيراً .
وكان أبو بكر يوصي بعدم قتل الرهبان في الصوامع .
وقال عمر : اتقوا الله في الفلاحين , الذين لا ينصبون لكم الحرب . وهذا باب تطول قراءتـه , ويعرف في مواضعه من كتب الفقه الإسلامي .
ومع ذلك ؛ فإننا نتفهم أن بعض الأفراد والمجموعات من المسلمين قد يتصرفون في قتال في واقعة محددة , لحالة من الشعور بالمعاناة , وفرض رد فعل يتسم بالقوة من قبل طرف آخر .
ومن المؤكد هنا ! أننا نتحدث عن استثناء , وإلا فإن الغالبية من المسلمين يقعون تحت دائرة الاعتدال , وإن كانت مشاعر الغضب والشعور بفقدان العدالة , خاصة من قبل الولايات المتحدة , سيعطي مساحة أكثر لفرص الرفض , والمقاومة التي تتضمن مفاجآت كثيرة .
لقد كان لفقدان المسؤولية في تصنيف الإرهاب أثر في رفع روح التوتر ضد الولايات المتحدة , ليس بين المسلمين فحسب ,بل حتى لدى شعوب أخرى في العالم ..
قد يبدو للأقوياء أن من السهل والمناسب إسقاط المشكلات على الضعفاء , تحت مجموعة من الذرائع , وهذا ما نقرؤه في اتجاه بعض الدوائر في الغرب , في جعل الطرف الرئيس في مشكلة الإرهاب المسلمين , وليس غيرهم .
لو فرض أن منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر من الإسرائيليين , أو من إحدى الدول الأوربية , أو حتى من الصين , أو روسيا ؛ لما تصرفت الولايات المتحدة بهذا الشكل المتشنج ، بل ستكون أكثر اعتدالاً , وستمنح فرصة أكثر للأخذ , والعطاء .

الدين في مفهوم المسلمين :
يبقى مفهوم الدين واضحاً في عقل المسلم البسيط أنه: عبارة عن عبادة الله , وتحقيق قيم الخير , والعدل التي شرعها الإسلام ؛ لإقامة حياة أفضل في الدنيا، وسعادة أبدية في الآخرة.
إن الدين لم يكن يوماً ما مشكلة عند المسلمين ؛ لأنه مفهوم واسع يمكن أن يستوعب في رسالة الإسلام كل شؤون الحياة ، ويمثل الإسلام في هذا المقام انفتاحاً واسعاً , لصناعة نظام أخلاقي , يمكن أن يعيش تحته الآخرون في أمن واستقرار .
الدين في الإسلام ليس قضية شخصية , أو مجرد رمزية في دائرة محدودة من دوائر الحياة , بل يعني: صناعة الحياة ليس للمسلمين فقط , بل لكل من يكون مستعداً للسلام , والعدل , واحترام الحقوق ، ويمكن أن نقول ببساطة إنه يعني: البحث عن السعادة , والأمن , والتكامل الأخلاقي .
وتحت هذا المفهوم يبقى أن المسلمين ليسوا بحاجة إلى العلمانية , لسبب بسيط: أنه لا توجد مشكلة لهم مع الدين . إن الفرد في الغرب قد يفهم الدين في دائرة معينة , تتعلق بالجانب التعبدي المحض , بين الإنسان وبين الله ؛ بينما هو في الإسلام معنى شمولي ينظم سير الحياة كلها , وفق قواعد عامة , وأصول مرنة , تكفل إمكانية الإفادة من الجديد في العلوم , والتقنيات , والتسهيلات المادية , وغيرها ، وتحافظ في الوقت ذاته على تميز المسلم , وأنموذجه الثقافي الخاص .
نتصور أن من أخص مشاكلنا مع الغرب: أنهم لا يفهموننا كما نريد , وكما هي الحقيقة .
ومن المؤسف أن تكون مجموعات من الأسوياء في العالم , تقع تحت تصوير ساذج , يفتقد الأمانة في رسم هوية المسلم , أو تحديد مفهوم الدين عند المسلمين .
إن من أسس الدين في الإسلام: أنه يعطي مساحة لفهم الذات , واحترام المبادئ , والحريات الخاصة ، كما يرفض الإسلام محاولة تحويل الدين إلى أداة لتبرير الأخطاء , أو صناعة العدوان .
وربما كانت مشكلة فهم كلمة ( دين ) , وكلمة ( جهاد ) , والربط بينهما من أخص إشكاليات الفهم لدى بعض الغربيين .
وإذا تحقق فهم الدين بهذا المعنى الواسع , وفهم الجهاد بذاك المعنى الواسع أيضاً ؛ زال كثير من الالتباس في الباب .
وهكذا تحدث الانتقائية - أحياناً - في التقاط جزئية خاصة , ومعالجتها , كما لو كانت هي الإسلام فقط , مع عزلها عن المنظومة الثقافية التي تنتمي إليها . يحدث هذا في المجال السياسي , والاجتماعـي والثقافي على السواء .
نلاحظ أحياناً أن بعض الدوائر في الغرب تجامل في إعلان احترام الإسلام كديانة ؛ لكن لا نجد مساحة لهذا الإعلان في التعامل مع المسلمين ، وكأن بعض هذه الدوائر تريد أن تفهم الإسـلام كما يحلـو لها !
هناك فرق بسيط هو: أن المسلم العادي يشعر أن الإسلام نظام شامل للحياة ، والفرد في المسيحية لا يجد هذا الشعور , بل يبقي الدين دائرة ضيقة في نظر المسيحيين ، وهنا قد لا يستوعب الفرد في الغرب العلاقة عند المسلمين بين الدين والدافع الذي يحرك الإنسان في أي اتجاه في الحياة .
إن الدين يبقى في نفوس المسلمين الملاذ الآمن , والأكثر فعالية لمقاومة كل أشكال التحديات .
وهنا ! يمكن أن نقول للعالم كله: إن تصعيد التحدي ضد المسلمين- من قبل أي قوة في العالم - سيجعل من الصعب في الأخير أن تتمتع هذه القوة بالهدوء والاستقرار ؛ لأن المسلم العادي يمكن أن يستوعب المحرك الديني في داخله لمقاومة العدوان , ومن المؤكد أن هذا المحرك سيجعل من الفرد أكثر مرارة , وسيكون أكثر فعالية في صناعة الأفراد من كل أنظمة التدريب النظامية ، وفي الوقت نفسه فإن المحرك الديني سيجعل من الفرد العادي في الإسلام أنموذجاً لصناعة الخير والسلام , واحترام الحقوق والحريات في ظل نظام العدالة .
والمسلمون يعلمون جميعاً أن نبيهم محمداً r نبي الرحمة , ونبي الملحمة, أي: القتال . والأصل في دعوته ورسالته الرحمة , لكنه يتحول إلى القتال حين تقف بعض القوى في صف رفض الرحمة , والأخلاق , وحرمان الآخرين منها , أو محاولة سلب الحقوق , ومصادرة الحريات الخاصة ؛ فإن الإسلام يمكن أن يعبئ في أقل من أربع وعشرين ساعة الملايين من المسلمين , المستعدين للتضحية في سبيل الدفاع عن الإسلام , دون أي علاقة اتصال تجري بين هؤلاء ، واليوم نعلم- ونحن على ثقة في قراءتنا للعقل المسلم العادي - أن عشرات الملايين من المسلمين سيبدون استعداداً للدفاع عن فلسطين , والمسجد الأقصى , لو افترضنا وضع استفتاء في العالم الإسلامي ، وهذه النتيجة التي نعلمها , ستكون تجاوباً عفوياً مع حالة الظلم الممارسة في الأرض الفلسطينية ، وهذا أحد مبادئ الإسلام , التي رسمها في علاقة المسلمين بعضهم مع بعض , مهما كان قدر الفوارق السياسية , والاجتماعية , والعرقية التي يمكن أن تختصر وتمحى بشكل مفاجئ أمام حركة الدين الروحية , التي تضمن التجاوب بين المسلمين .
وحين نتحدث عن هويتنا الخاصة ؛ فإن الدين يعد في الأساس عند المسلمين قيمة روحية عالية ,ونرى أن تعلقهم به هو الأقوى مقارنة بغيرهم لأسباب تتعلق بالإسلام ذاته ، ومن السذاجة التفكير في تجريد المسلمين منها ، وهذه القيمة تتجه في الأساس إلى السلام , لكن يمكن أن تكون قوة مضادة لكل محاولات التعدي التي تواجه المسلمين , أو مجموعات منهم .
إن المسلم الذي لا يُعطى مساحة كافية للتدين ؛ معرض لردة الفعل القوية ضد من يشعر بعداوتهم له, أكثر من المسلم المستقر في سلوكه أو المنتمي إلى مدرسة إسلامية , أو معهد شرعي , ولهذا فمن الطيش توجيه الاتهام إلى المدارس الإسلامية , أو المناهج الشرعية في العالم الإسلامي , وأقل ما يقال: إن العلم الشرعي يضبط العداوة , وينظمها ويحافظ على أخلاقيتها , وهدوئها.

الإنسان العالمي :
حين ترسم في القرارات الدولية أنظمة مكافحة الإرهاب , وحماية الإنسان منه ؛ فمن الضروري أن ندرك ببساطة أن كل فرد في العالم يعي قيمته كإنسان , وهذا يعني: أن برامج العدالة , والحرية , والحقوق يجب أن تكون مستحقة لكل إنسان في العالم , يريد الخير والسلام .
هذه الحقيقة الغائبة -مع الأسف- ترسم ازدواجية في القرار والتطبيـق ؛ فمن المؤكد أن الإنسان في دول العالم الثالث -مثلاً - ليس هو الإنسان في الولايات المتحدة وأوربا , في نظر الكثيرين من صناع القرار العالمي .
وحين طالبت الولايات المتحدة العالم بوقفة صمت من أجل أرواح ضحايا هجمات نيويورك وواشنطن ؛ فمن المعقول - في ظل نظام العدالة والأخلاق - أن يكون الشعور والمرارة بتذكر آلاف الأطفال والشيوخ في أفغانستان , الذين دمرتهم آلة الحرب الأمريكية , تحت مبررات مفتوحة شعوراً عالمياً أيضا.
إن الطرف القوي يمكن أن يصنع القرارات والمطالبات ؛ لكنه في الوقت نفسه يصنع الأعداء , ويصنع التطرف , ويحاصر مساحات التفكير المعتدل.
إن من قيم العدل: أن نعي , ونقدر شعور أي إنسان بحقوقـه الخاصـة , ونكفل له ذلك , ولا بد أن ينتهي اليوم الذي يتحدث فيه عن الإنسان من نوع خاص , في الحقوق البشرية المشتركة .

الموقف من الحرب ضد الإرهاب :
لسنا نفضل أن نتجه عكس التيار , فمن المرجح أن هذا ليس الخيار الأفضل ، لكن قيمنا ومبادئ الإسلام تجعلنا مرتبطين بنظام أخلاقي واضح ؛ فمن الصعب أن نتحرك باتجاه خيارات خاصة , لا تحترم حقوقنا , أو حتى حقوق الآخرين في أي مكان في العالم ؛ لأن الإسلام يرفض الظلم .
ومن الصعب أن نركض في حرب لم ترسم تحت نظام العدالة وسيادة القانون الأخلاقي ، وربما نكون مقصودين في هذه الحرب , وملاحقين بأسماء مستعارة , تعطينا درجة من التبرير ؛ لتصفية وجودنا الخاص في آخر مطاف هذه الحرب , أو في بعض فصولها .
وهنا ! يمكن أن نتضامن مع الحرب ضد الإرهاب , حينما تتجه الحرب إلى مفهوم التصحيح , والقضاء على كل صور الإرهاب , الذي يعني العدوان , ومصادرة الحقوق , والحريات في كل أشكال الإرهاب المتمثلة في الإرهاب السياسي , والعسكري , والاقتصادي , والثقافي . وهذه تعد الدوائر الخاصة لممارسة الإرهاب المنظم في العالم , من مجموعة قوى السيطرة والاستعمار التي تريد إسقاط المشكلة على الطرف الخارج عن اللعبة .
فحين تتحدث الإدارة الأمريكية عن إرهاب دولة , أو مجتمع , أو ثقافة , تهدد الولايات المتحدة .
فلماذا لا يكون تهديد الولايات المتحدة , بل تحركها لضرب الأمن المدني في بعض الدول , والمجتمعات ، وخلق دوائر للتوتر في العالم ؛ شكلاً من أشكال الإرهاب الذي يحتاج لملاحقة دولية !!
إن الإسلام يؤيد موقف التضامن مع الآخرين ؛ لإرساء قواعد الأمن والاستقرار , والسلام , ومكافحة الفقر , والأمراض , والجريمة الفردية والجماعية . وهنا ! يمكن أن يعمل المسلمون مع الآخرين ؛ لبناء عالم يعتمد على الاستقرار , والتوازن دون كلل ، وهذا يستدعي - ونحن نخاطب كل المخلصين في العالم - الضغط على الإدارة الأمريكيـة ؛ لرسم صورة صحيحة لمشكلة الإرهاب , من أجل معالجة دولية جادة .

العالم ومشكلة الإرهاب :
لعل من أكبر المشكلات - التي يواجهها العالم - مشكلة الإرهاب . والمسلمون من أكثر الشعوب تضرراً بهذه الظاهرة , بل ليس غريباً أن معاناة المسلمين من الإرهاب في القرنين الماضيين أكثر من أي شعب آخر ؛ لكن مع اعتبار الإرهاب مشكلة تواجه العالم فهذا يستدعي خلق نظام يتسم بالقوة والأخلاقية ؛ لمواجهة هذه المشكلة . ومع هذا فإنه من وجهة النظر الإسلامية - المؤسسة على شمولية النظرة للحياة وصناعة الخير للعالم - ندرك أن العالم يعاني مجموعة كثيرة من المشكلات , وليس الإرهاب فقط ! فهناك انتشار واسع للجهل , والأمية , والخرافة في حياة ملايين من البشر , كما أن عشرات الملايين في العالم يعانون الأمراض , ويفتقدون أبسط حقوق العلاج والصحـة. كذلك يوجد مئات الملايين في العالم يعيشون تحت خط الفقر , ومن الواجب علينا أن نشعر بهؤلاء , وأن ندرك أن مشكلات العالم لا يمكن أن تختصر في شيء واحد , لصالح طرف واحد , ليس له امتياز إلا أنه الأقوى , ويمكن أن يستخدم القوة ضد المعارضين.
إن تردي الحياة المدنية والحريات لمئات الملايين في العالم ؛ يجعل من غير الأخلاقي ألا نفكر بهؤلاء , ونصر على تحديد المشكلة الخاصة في نظرة أحادية الجانب .
وكموقف أكثر وضوحاً ؛ فإننا نعتبر الوقوف مع مشكلة الإرهاب فقط وتجاهل المشكلات الأخرى يعني: أن العالم وبإرادة القوة يتجه لكارثة ستجعل الأمن في العالم كله مؤهلاً لمزيد من المفاجئات , التي تدمر الحياة المدنية , أو على أقل تقدير , تخلق حالة من عدم الاستقرار والشعور بالرعب . وهنا !سيكون العالم أكثر معاناة من فترة الحرب الباردة أو أي فترة أخرى .
إن سلاح القوة والقدرة على إلحاق الضرر ؛ ليس حكمة صائبة , حتى في صناعة السيادة , والسيطرة على الآخرين , فضلاً عن الجدية في معالجة الأخطاء , وترسيخ الأمن .
ومن المؤكد ! أن الأمن المدني في العالم اليوم لا يشهد حالة من الاستقرار ؛ نظراً لإصرار الإدارة الأمريكية على نشر الفوضوية في التفكير , وتبني الملاحقات , التي لا تستند للقانون والعدالة .
ولقد بات واضحاً - لدى الإنسان العادي في العالم كله - أن الإدارة الأمريكية ليست جادة في الإصلاح العالمي , بل تسعى لمزيد من السيطرة , وضرب الاستقرار في أماكن عديدة من العالم , وكأن الإنسان المؤهل للحقوق هو الإنسان الأمريكي فقط !

الغرب والمجموعات الإسلامية :
يعطي الإسلام مساحة من التعددية داخل إطاره العام , تسمح لمجموعة من المسلمين بتركيز الاهتمام على بعض الأوليات , كما يعطي مجالاً آخر للتعددية في فهم النص الديني (قرآناً وسنة) ضمن أصول وضوابط دقيقة ومتقنة , ومن هنا نشأت مجموعات ذات طابع مؤسسي, وأحياناً ذات طابع تنظيمي في العالم الإسلامي . وكثير من هذه المجموعات لها نشاط معلن في كثير من الدول الأوربية , والولايات المتحدة , ولها سجل مشرف في احترام النظام , والأخلاق ، وإن كان هذا لا يعني بالضرورة أن كل المجموعات التي تعمل تحت اسم الإسلام تكون ممثلة بشكل صحيح لقيم ومفاهيم الإسلام ، ولا يلزم بالضرورة أن تكون واقعة داخل دائرة التعددية المتاحة .
وهنا نؤكد حقيقة مهمة هي: أن الإسلام لا يمكن أن يولد التطرف وفقدان الأخلاق , لكن ربما توجد أسباب مصاحبة , تمثل تأثيراً في تطوير بعض الأفكار والمفاهيم إلي صورة من التطرف , الذي قد يعاني منه المسلمون أنفسهم . وهنا ! فمن غير العقلاني تصنيف المجموعات الإسلامية في دائرة الإرهاب ؛ لأن أكثرها يتجه في خط الاعتدال ويمتلك تجربة كافية لإثبات أخلاقيته .
وحين نتحدث عن أنموذج مصنف في بعض الدوائـر الغربيـة وهـو: ( الوهابية ) ندرك أن هذا التصنيف يفتقد الأسس الموضوعية قبل كل شيء .
فالوهابية ليست حركة تنظيمية , أو فكراً يحمل استقلالاً في دائرة خاصة , بل نشأت كمدرسة على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - قبل أكثر من قرنين من الزمان ؛ لمعالجة مشكلة عقدية واجتماعية قائمة في الجزيرة العربية , وأساس هذه المشكلة تتمثل في الجهل والخرافة ؛ فقصدت هذه الدعوة الإصلاحية إلى تصحيح المفاهيم, وأخصها: الإيمان بالله , والدعوة إلى رفض الخرافة , ومظاهر التخلف الفكري .
وكانت تنطلق من أسس الإسلام , وقواعده الأولى , التي أرساها الرسول محمد r , ولم تكن هذه الدعوة تريد صناعة هوية خاصة , بل كان الإسلام هو الهوية التي اعتمدتها هذه الدعوة ، وما كان رجالها الأوائل ومؤسسوها يسمون أنفسهم بأي اسم من الأسماء , ولا حتى الوهابية , أو الوهابيون ؛ لسبب بسيط أنها: تنطلق من منهج الرسالة الإسلامية , ولا تحمل خصوصية أخرى .
وقدمت هذه الدعوة للمسلمين فيما بعد ورقة من التصحيح , تقوم على: تحقيق الإيمان بالله الخالق , وعبادته , ونشر قيم الخير , والأخلاق في نظام علمي وأخلاقي , لا يسمح لأي فرد بممارسة فكرته , أو فهمه الخاص , وهذه الدعوة هي الديباجة الفكرية التي أسس عليها السعوديون دولتهم .
ومن المؤكد أن الوهابية - كما سميت بذلك من قبـل بعض قرائـها- لم تقدم مشكلة للعالم الغربي , بل المسلمون المستفيدون من هذه الحركة التصحيحية هم الأكثر اعتدالاً وموضوعية , وإن كانوا أكثر جدية واستعداداً للمحافظة على حقوقهم الخاصة , والدفاع عنها.
ومن المؤسف أنه لا توجد دراسات موضوعية مشاعة للفرد في الغرب بقراءة منصفة لهذه المدرسة , التي استطاعت أن تتعايش مع حركة العلاقات الدولية !
إننا ندعو الغرب إلى الانفتاح على المجموعات الإسلامية , وأن يحاول الفهم الأفضل للإسلام , والمجموعات الإسلامية التي قد تكون الأسباب الأولية لقيامها ؛ البحث عن الحرية , والحقوق الخاصة , أو معالجة مشكلات التخلف الفكري , أو الأخلاقي التي تطرأ في العالم الإسلامـي ، وإن كنا ندرك أن الدول الغربية ساهمت بشكل أو بآخر في خلق علاقة توتر بين بعض هذه المجموعات وبين شرائح المجتمع , أو المؤسسات الأخرى في العالم الإسلامي .
ومن الواضح تماماً : أن التطرف ليس مشكلة خاصة داخل بعض المجموعات الإسلامية , بل يوجد في كل أشكال التجمع في العالم , فهناك: التطرف السياسي , والاقتصادي , والإعلامي , والثقافي , والطائفي , والعنصري وأشياء كثيرة .
و في آخر هذه الورقة نؤكد أننا ـ نحن المسلمين ـ نمتلك إمكانية لفهم كل أساليب التعامل المناسبة ؛ لمواجهة الخيارات التي يرسمها طرف ما ، ومن المؤكد أننا سنكون الأكثر استعداداً لاحترام الأخلاق والعدالة , وفي الوقت ذاته الأكثر استعداداً للتضحية إذا اقتضى الأمر .
وفي هذا يقول أحد شعرائنا :

لي وإنْ كنتُ كقطرِ الطَّلِّ صَافِي قصفةُ الرعدِ وإعصارُ السوافي
أتحاشـــى الشَّر جهدي فإذا مـا لجَّ في عسفي تحداه اعتسـافي
خلــــقٌ وَرَّثَنِيِــهِ أحمـد فجرى ملءَ دِمـئي وشِغافي
لـم يغيره علـى طولِ المـدى بطشُ جبارٍ ولا كيدُ ضـعافِ

والحمد لله أولاً وآخراً

 

موقع الإسلام اليوم - جميع- الحقوق محفوظة © 2001-2003

www.Islamtoday.net - All rights reserved © 2001-2003