الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية قضايا الشباب المعاصر ة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

" عقليتي جرّتني إلى البؤس"

المجيب
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -سابقاً-
التاريخ الجمعة 06 رجب 1423 الموافق 13 سبتمبر 2002
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد التحية والسلام أورد لكم قصتي التي أرقتني
ولا أعرف حقيقة ما أقول .
أنا شاب درست القرآن وحفظته في حلق القرآن وقرأت الكتب الإسلامية ولم يعجب ذلك أستاذي في الحلقة . كبرت وتخصصت في الأدب مما أتاح لي فرصة التعرف على الثقافات والأديان الأخرى وتعمقت في الفلسفة العربية والغربية مثل الوجودية والبنيوية والصوفية وأهل الكلام حتى بدأت أحس بظلمة في قلبي دائمة وأحس بالهم بل لا أقف عن البكاء طوال اليوم.
ومن جانب آخر فإني أحس بتفوق على أشباهي من الناس بل أنظر بازدراء وسطحية إلى محاولات زملائي صرفي عن هذا الطريق وما تحويه برامجهم من تخلف.
ساعدوني رجاءً ،،،

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فلعلك قد أوتيت قدراً من الذكاء والطموح فوق ما كان يتصوره أستاذك في الحلقة ، ولعل أستاذك أيضاً لم يكن لديه من سعة الأفق ما يمكنه من تفهم تطلعاتك .. وهذا يحصل لعدد من الطلاب . لكن يختلفون في التعامل مع هذه الحالة فمنهم من يكمل نفسه بطريقته الخاصة ، ويبقى محافظاً على أوليّات التربية وأدبياتها ، يحفظ للأستاذ المربي الودّ ، ويعترف له بالفضل ، حتى ولو أصبح التلميذ شيخاً ،والمربي الشيخ طالب علم في حلقته . وقد يوجد بين الطلاب من يقلل من شأن مربيه بحجة قلة علمه أو محدودية قدراته ، أو لكونه أخطأ في حقه مرة أو مرات ! وقد يتجاوز به الأمر حد الشعور بالندية والمساواة إلى مرحلة الاستعلاء والشعور بالفوقية ، وهذا المسلك ينتهي بصاحبه غالباً إلى نوع من نكران الجميل ، وربما إلى الذم ونسبة ما آل إليه أمر الطالب من نقص إلى مسلك شيخه ومربيه ، وما ظفر به من معرفة وتفوق إلى ذاته ونفسه وجهده ، بل إلى بعده عن شيخه ومربيه ، وهذا غلوّ في الجحود ، وغرور في النفس لا تسلم من عواقبه غالباً ، وقد يمعن الأخ في الهروب من واقعه السابق بحجة البعد عن معوقات الانطلاق فيعاقب نفسه من حيث لا يشعر ، وربما فضّل أنواعاً من السلوك المنحرف بغية التخلص من شبح التعلق بالماضي. ولو أنه فكر ملياً ، وقدّر العواقب ، لنظر إلى كل مرحلة بما يناسبها ، وحاول التخلص من سلبياتها والإفادة من إيجابياتها ، ولم يعرّض ثوابت التدين وأصل الالتزام للمقامرة ، فإنه رأس المال ، وليس من العقل المقامرة به ، بل تنميته وزكاته.
أخي الكريم ... إن المعرفة مبذولة للجميع ، يأخذون منها بقدر ما يمنحونها وبقدر ما تؤهلهم ملكاتهم ، ولكن الشأن في المعرفة الهادفة الإيجابية ، التي تساعد في بناء شخصية متوازنة ، والتي تُبنى على قاعدة من التدين الواعي ، والوعي المنضبط . أما المعرفة التي تتجه بصاحبها إلى القلق أو الشك ، أو التحلل من الضوابط الأخلاقية ، وكلما أمعن فيها ازداد بُعداًَ عن الأهداف التي يفترض أنه طلب المعرفة لأجلها ، بحيث يتمنى أن يعود إلى نقطة الصفر ، ليستعيد ثقته بنفسه ، وهدوءه ، وإيمانه البسيط ، وأن يدفع ثمناً لذلك كل مكتسباته الجديدة ، بما فيها ألقاب المديح ، وإعجاب الآخر .. إن هذه معرفة عقيمة لا بركة فيها ، كريح عادٍ التي ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. ولعل في حكاية المرأة العجوز من عجائز نيسابور وجوابها لمن قال لها بفخر : أن فلاناً – أحد الفلاسفة – أحصى ألف دليل على وجود الله . قالت : يا هذا لو لم يكن عنده ألف شك لما احتاج إلى ألف دليل !ولعل في حكايتها درساً بليغاً للبيب الفطن .
إن القراءة الواعية في أبواب المعرفة المختلفة تغني عن الارتماء في أحضان كتب الفلسفة وأسفار علم لكلام ، وما أحسن قول شيخ الإسلام ابن تيمية عن علم الكلام : لا يحتاج إليه الذكي ، ولا يستفيد منه البليد.
إني أدعوك إلى الرجوع القهقري شيئاً حتى تضع حداً لهذا النية الذي أوصلتك إليه هذه المعرفة العقيم . ارجع إلى القرآن الكريم، اقرأه بهدوء وتأمل ، واقرأ في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وما أشكل عليك فراجع كتب التفسير والشروح .. استفد من مخزون المعرفة المشوش لديك في تطوير أسلوب الفهم . واعترف بشجاعة أنك بقدر ما كسبت المعرفة خسرت نفسك ، فكأنك خسرت الاثنين معاً ، لأن هذه المعرفة صارت عبئاً تدفع ثمنه ، بدلاً من الاستمتاع بها .
أعد النظر في أصحابك وندمائك ، وأغلب الظن أنك إما منقطع عن الأصدقاء ، أو متخير لأصدقاء على شاكلتك في التفكير .. وهؤلاء يصعب عليك التصحيح معهم .. فتخير جلساء يجمعون بين الاستقامة وهدوء النفس وسلامة التدين.
وما تعانيه من شكوك هو ثمرة طبيعية لإقحام العقل في غير مجاله ، واستحسان طرائق الفلاسفة والمتكلمين الشكاك الذين تجاوزوا بالعقل قدره بحجة المعرفة ، حتى بلغ ببعضهم أن أصبح الشك والإلحاد ، والحلول ، والفوضى الفكرية... أصبح كل ذلك ثقافة !! فأنت قد سمحت لنفسك – تحت ظروف معينة – أن تكون مقلداً لهم دون أدنى خصوصية لنفسك . ففررت من تقليد البسطاء إلى تقليد حمقى المعرفة . وأقرب مخرج للنجاة أن تتذكر ما قيل في ذم التقليد ، ولعلك قد لجأت إليهم فراراً من تقليد شيخك ومربيك .. ففرت من النقيض إلى النقيض .
وأخيراً أقول لك : توقف فوراً وتذكر قيمة الحياة والمعرفة ونهاية الأشياء وبداياتها ، وحكمة الخالق وقدرته وآثار أسمائه وصفاته . ولا تسمح لنفسك بتفوق غير طبيعي .. واعلم أنك سائر إلى الله وافد عليه ، فأحسن وفادتك.
وإنما المرأ حديث بعده ،،، فكن حديثاً حسناً لمن روى
وطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه.
ولا تجعل المعرفة التي هي مجرد وسيلة هادمة للغاية التي هي الإيمان والسعادة في الدارين ، فتكون كمن بنى قصراً وهدم مصراً .
وفقك الله ونوّر بصيرتك .,,,

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.