الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية مفاهيم تربوية خاطئة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

صراع بين التدين الماضي والانتكاس الحاضر

المجيب
موظف بوزارة التربية والتعليم
التاريخ الثلاثاء 12 محرم 1431 الموافق 29 ديسمبر 2009
السؤال

أنا شاب مقيم في إحدى الدول العربية، و قد بدأ التزامي بحمد الله و فضله منذ المرحلة الإعدادية، وقد كنت نشيطاً متحمساً ذابّاً عن دين الله، و داعيأً إلى تعاليمه السمحة، و اضطررت إلى الانتقال إلى بلدي ومتابعة الدراسة الجامعية فيها، وقد كنت أعيش وحيداً بحكم أن أهلي ما زالوا في تلك البلاد .في السنة الأولى كنت لا أفقه في التعايش مع الواقع شيئاً، ولكن بحمد الله على الأقل لم أنجرف وراء نزوات الشيطان، رغم أن المغريات كانت كثيرة وجمّة. ولكني رسبت في تلك السنة، مع أني كنت من المتفوقين في جميع المراحل، وبعد تلك السنة بدأت أحوالي تتغير، فبدأت أخفف من لحيتي وأحددها، وبدأت أتغاضى عن أمور كانت ضمن الخطوط الحمراء لدي، ولا أنكر أن الصحبة كان لها الدور الأكبر في انجرافي وراء الملذات والشهوات، فأنا الآن أدخن وأسمع الموسيقى وفمي ممتلئ بالكلمات النابية، وأصبحت أتعاطى المسكرات والحشيش، والطامة الكبرى أني أزني والعياذ بالله. وفي كل يوم قبل أن أنام (إذا استطعت النوم) هناك شريط طويل يمر أمامي، صراع بين الماضي والحاضر، بين الخير والشر يستمر لساعات، ثم أقرر أن أبدأ من الصباح التالي بمعاودة قراءة القرآن (الذي كنت أحفظ نصفه) والمواظبة على الصلاة التي قطعتها منذ زمن، والاستغناء بالحلال عن الحرام الذي أصبح يلازمني في حلي وترحالي، ولكن بعد أن أستيقظ كأن شيئاً لم يكن. فأرشدوني إلى طريقة أعود بها إلى ما كنت عليه.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد قرأت بكل أسى رسالتك المفجعة، ولا شك أن كثرة المعاصي وارتكاب الموبقات وبالذات ترك الصلوات، تورث ظلمة في القلب تجعل صاحبها يستثقل الالتزام بالشرع والطاعة، ويولّد الضنك حتى تضيق الدنيا على صاحبها على سعتها!!. إلا أنني أحيّي فيك إحساسك بأخطائك، وحرصك على الرجوع إلى الله والعودة إلى ما كنت عليه من التدين و الالتزام بشرع الله.

وأسأل الله تعالى أن يجعلني عند حسن ظنك، وأن أكون سبباً في رجوعك إلى الله تعالى، وحين تأملت رسالتك اتضح لي أن هناك أسباباً مهمة هي سبب ما تعانيه الآن ، وسأذكر لك شيئاً من تلك الأسباب مع التعليق عليها:

• سقوطك بعد تدينك، وانحرافك بعد التزامك خطأ يتكرر كثيراً، فكثير من صغار السن تجد تدينه في البداية تدينًا عاطفيًّا، وغالباً ما يربط هذا التدين العاطفي بالأشخاص الذين يخالطهم. ولا تتحمل مسؤولية ذلك لوحدك، بل يشاركك فيه بعض الدعاة والمربين الذين يُغفلون بعض الجوانب التربوية الفردية، ويجعلون من حاجة الشباب إليهم كحاجة السمك إلى الماء، وإذا ما فارقهم أو تركهم لسبب أو لآخر سقط وانحرف وترك ما كان يعمله ويداوم عليه، والله تعالى أكرم وأجل أن يخذل عبده لو كان مخلصاً في تدينه، جاداً في عبادته، صادقاً في حبه لربه. فالثبات على هذا الدين متعلق في بداياته الأولى، فإذا صحت تلك البدايات فغالباً ما يعقبها الثبات، ولذا قيل (من لم يحسن البداية لن تكون له نهاية). وقيل (من كانت بدايته متعبة كانت نهايته مشرقة).

• ولذا أنصحك أن تبدأ من الآن في تجديد دينك، والاعتماد على نفسك وذاتك برفع همتك، وتقوية إيمانك، والإكثار من الطاعات، وقيام الليل وقراءة القرآن.. وتذكر قوله تعالى " إن الحسنات يذهبن السيئات" [هود: 114].

• واعلم أن النفس التي بين جنبيك هي أعدى أعدائك، فينبغي أطرها على الحق أطراً، وإن لم تشغلها في الخير وإعدادها لمعالي الأمور، شغلتك في الباطل وسفاسف الأمور، فليس هناك وقوف واستراحة، فإما أن تتقدم ببناء نفسك إلى الخير والإيمان، أو تتأخر بها نحو المعصية والنقصان.

• ومن أهم الأسباب في رأيي، الفراغ وضياع الهدف: فقد ذكرت أنك في العام الأول لم تنجرف وراء نزوات الشيطان، رغم أن المغريات كانت كثيرة وجمّة، وأنك حينما (رسبت) في تلك السنة بدأت أحوالك تتغير، وتتغاضى عن أمور كانت ضمن الخطوط الحمراء لديك!!. وهذا يدل على أنك في العام الأول كنت منشغلاً بالدراسة فحسب، ومحدداً هدفاً واحداً كنت تعمل لأجله، وحينما رسبت في ذلك العام تزعزع (الهدف) الذي جئت من أجله، وأصبت بشيء من الإحباط، فانشغلت عن ذلك الهدف بأمور أخرى أضاعت عليك سنوات عمرك، وبضياع الهدف من الدراسة وانشغالك بتحقيقه ؛ تسبب ذلك في تزعزع الهدف الأسمى والأجلّ، وهو التفكير بالهدف من وجودك أصلا!!.

• ولهذا إن كنت جاداً في الخروج من مآسيك التي تعاني منها؛ جدد التفكير أولاً بالهدف من وجودك في هذه الدنيا، ثم الهدف من مجيئك إلى هذه الجامعة. وإذا حددت ذلك بصدق ودقة فاكتبه بخط واضح جميل، وضعه في مكان بارز في غرفتك ومركبتك ، وانظر إليه باستمرار وذكّر نفسك به على الدوام. فلن ترجع إلى ما كنت عليه من التدين، ولن تحقق الهدف من مجيئك إلى جامعتك حتى تجدد أهدافك وتحددها بدقة وتعمل على تحقيقها حقاً وصدقاً. فالأبحاث النفسية المعرفية تؤكد أن تحديد الأهداف هو المدخل الصحيح لتغيير الاستجابات الشعورية والسلوكية لدى الإنسان. فتحديد أهدافك ووضوحها هو طريق النجاح في الدنيا والآخرة، وبه تصبح حياتك منظمة، وجهودك مركزة، وأعمالك مثمرة، ولن تجد وقتاً للضياع والانحراف بإذن الله تعالى.

• الصحبة وتغيير البيئة لا شك أنهما عاملان مهمان جداً، ولا أعتقد أن مجتمعاً ما يخلو منهما، فابحث عنهما واستعن - بعد الله - بهما، فهما من سيشجعانك إذا فترت، ويقفان معك إذا ضعفت، فالإنسان قليل بنفسه، كثير بإخوانه.

• ولكن إن كنت تشعر أن هذه البيئة لا تساعد على الطاعة؛ بل إن كنت ترى أنها سبب في بعدك عن الله، والإغراق في أوحال الذنوب والمعاصي، ففي هذه الحالة يجب تغيير تلك البيئة إلى بيئة أخرى أكثر أماناً لك ولدينك، فإن أعز ما على الإنسان في هذه الدنيا دينه، والسلامة على كل حال لا يعدلها شيء.

• وأخيراً.. أنصحك بالتوجه إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع إليه سبحانه، فبابه مفتوح، والكريم عز وجل إذا طُرق بابه وسُئل أعطى وأجاب ". وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ". [البقرة:186].

أسأل الله تعالى أن يمن علي وعليك بتوبة صادقة، وأن يغفر لنا ما سلف وكان من الذنوب والعصيان، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه..

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - الله كريم لا يترك احدا | ًصباحا 09:33:00 2009/07/04
السلام عليكم .....الأخ الكريم لاتقنط من رحمة الله تعالى فوالله الذي لااله سواه الله سبحانه يغفر الذنوب كلها ولا يعاظمه ذنب سبحانه .. وغفران الصغير عنده ليس بأسهل من غفران الكبير .. ولكن الشيطان يوهم الانسان انه قد قطع الحبل بينه وبين الله تعالى بذنوبه .. وهو كذاب حقير ولكن اخط الى الله خطوة وسيرزقك هو سبحانه التي بعدها انه تعالى رحمن رحيم غفور ..يفرح بتوبة عبده اذا تاب اليه فتب الى ربك سبحانه وتذكر ان التائب من الذنب كمن لاذنب له وسيبدل الله سيئاتك حسنات تب اليه وارجع ... وانما ذنوبك هذه ستترك لك بع دالتوبة كرها للشر واهله لانك جربت مرارة البعد عن الله وستزداد باذن الله معرفة لقدر الهداية وخوفا عليها بارك الله فيك ووفقك وهداك
2 - بحبك في الله | مساءً 11:13:00 2009/12/29
اسئل الله العظيم ان يردك اليه ردا جميلا وان يهدي قلبك وان يجعل المعاصي بعيده عنك
3 - عاصي | ًصباحا 04:51:00 2009/12/31
يقول السائل: وفي كل يوم قبل أن أنام (إذا استطعت النوم) هناك شريط طويل يمر أمامي، صراع بين الماضي والحاضر، بين الخير والشر يستمر لساعات، ثم أقرر أن أبدأ من الصباح التالي بمعاودة قراءة القرآن (الذي كنت أحفظ نصفه) والمواظبة على الصلاة التي قطعتها منذ زمن، والاستغناء بالحلال عن الحرام الذي أصبح يلازمني في حلي وترحالي، ولكن بعد أن أستيقظ كأن شيئاً لم يكن. فأرشدوني إلى طريقة أعود بها إلى ما كنت عليه. الحل: 1- اجزم بأن يقينك بالجنة ضعيف، إذ لو كان قوياً لما فرطت في دقيقة واحدة ولجعلت وقتك كله في طاعة الله. 2- اجزم بأن هذا العزم الذي يذهب في الصباح قد كان موجوداً عند كفار قريش فقد فكروا في الإسلام كثيراً ولكن هذا التفكير والعزم لم ينفعهم ولن ينفعك أيضاً.. فإياك وهوى النفس فإنه سيذهب بك إلى سجين. 3- اعلم أن تكرار الذنب سيقابله الله بتكرار المغفرة ما دمت عزمت على التوبة وندمت. 4- تب إلى الله في الحال ولا تهتم لليوم الآخر وهل ستثبت على توبتك أم لا. وكن حسن الظن بالله فإن الله عند ظنك به. 5- تأكد بأنك لو عزمت فستتخلص من جميع ذنوبك وسيساعدك الله، وأن البداية صعبة والنهاية نصر من الله وفتح قريب، وأتمنى أن تقرأ هذا الكلام النفيس لابن القيم رحمه الله: "النفس حجاب بين العبد وبين الله وأنه لا يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب كما قال أبو يزيد : رأيت رب العزة فى المنام فقلت : يا رب كيف الطريق إليك فقال : خل نفسك وتعال فالنفس جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله عز و جل وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل فلا بد أن ينتهى إليه ولكن منهم من هو شاق عليه ومنهم من هو سهل عليه وإنه ليسير على من يسره الله عليه وفي ذلك الجبل أودية وشعوب وعقبات ووهود وشوك وعوسج وعليق وشبرق ولصوص يقتطعون الطريق على السائرين ولا سيما أهل الليل المدلجين فإذا لم يكن معهم عدد الإيمان ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات وإلا تعلقت بهم تلك الموانع وتشبثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السير فإن أكثر السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته والشيطان على قلة ذلك الجبل يحذر الناس من صعوده وارتفاعه ويخوفهم منه فيتفق مشقة الصعود وقعود ذلك المخوف على قلته وضعف عزيمة السائر ونيته فيتولد من ذلك : الانقطاع والرجوع والمعصوم من عصمه الله وكلما رقى السائر في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه فإذا قطعه وبلغ قلته : انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانا وحينئذ يسهل السير وتزول عنه عوارض الطريق ومشقة عقباتها ويرى طريقاواسعاآمنا يفضي به إلى المنازل والمناهل وعليه الأعلام وفيه الإقامات وفيه أعدت لركب الرحمن فبين العبد وبين السعادة والفلاح : قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".