الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية اجتماعية أخرى

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

طالب العلم والحضور في المجتمع

المجيب
التاريخ الخميس 10 ربيع الأول 1428 الموافق 29 مارس 2007
السؤال

أرجو أن تبينوا لي ما هو دور طالب العلم في المجتمع؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لطالب العلم مكانة عالية، ومنزلة رفيعة في مجتمعه، فكلما ازداد الإنسان علماً، كلما ارتفعت مكانته وعلت رتبته، فالله سبحانه يقول: "قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون" [الزمر:9] وقال تعالى: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" [المجادلة:11].
والنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ" حديث صحيح رواه أبو داود (3641) والترمذي (2682).
ولاشك أن هذه منزلة عظيمة ينالها الإنسان بطلب العلم، لكن هذه المنزلة وهذا التشريف يقابله تكليف عظيم. فطلاب العلم اليوم هم علماء الأمة غداً – بإذن الله تعالى- ومن أبرز مهمات طالب العلم في مجتمعه:
1. نشر العلم الشرعي وبيانه للناس، والعلماء ورثة الأنبياء، ولذا فإن وظيفة من سلك طريق العلم هي القيام بمهمة الرسل عليهم السلام، قال تعالى: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" [الجمعة:2] وقال الله تعالى: "وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" [آل عمران:187].
قال السعدي (ج1/ص160): (وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الله الكتب، وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل. فأما الموفقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلَّموا الناس مما علمهم الله، ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفا من إثم الكتمان).
2. التزكية والتربية للناس: والمراد أن مجرد التعليم كمعرفة وفهم ليس كافياً، بل إن مهمة الرسل والأنبياء وأتباعهم وورثتهم من العلماء هي تزكية النفوس، وتطهير القلوب، وتهذيب السلوك بذلك العلم، بحيث يجتهد في إحياء قلوبهم بالقرآن والسنة، وصياغتهم في بواطنهم وظواهرهم وأقوالهم وأحوالهم وأفعالهم بموجب هذا العلم المقتبسة أنواره من الكتاب والسنة.
3. لزوم الاستقامة في نفسه، في العبادة والأخلاق: إن من نصب نفسه لنشر الحق وتعليم الهدى لابد أن يعتني بدينه، وقال تعالى: "وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ" [آل عمران:79]. (قال سيبويه: الرباني المنسوب إلى الرب، بمعنى كونه عالماً به، ومواظباً على طاعته، كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته،..وقال المبرّد "الربانيون" أرباب العلم واحدهم رباني، وهو الذي يرب العلم ويرب الناس، أي: يعلمهم ويصلحهم ويقوم بأمرهم). (تفسير الرازي - (ج 4 / ص 273).
وقال ابن الأثير: "عالمٌ رَبَّانيٌّ: هو منسوب إلى الرَّب بزيادَةِ الألفِ والنُّونِ للمُبَالغة. وقيل هو من الرَّب بمعنى التَّرْبِيَة كانوا يُرَبُّون المُتَعلّمين بصِغَار العُلُوم قبل كِبَارِها. والرَّبَّانيُّ: العالِم الراسِخُ في العِلْم والدِّين. أو الذي يَطْلب بِعلْمه وجْهَ اللّه تعالى. وقيل العالِم العامِل المُعلِّم) [النهاية في غريب الأثرج2/ص450].
قال السعدي: "علماء حكماء حلماء معلمين للناس ومربيهم، بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك، فهم يأمرون بالعلم والعمل والتعليم التي هي مدار السعادة، وبفوات شيء منها يحصل النقص والخلل، والباء في قوله {بما كنتم تعلمون} إلخ، باء السببية، أي: بسبب تعليمكم لغيركم -المتضمن لعلمكم، ودرسكم لكتاب الله وسنة نبيه، التي بدرسها يرسخ العلم ويبقى تكونون ربانيين".
4.الصدع بالحق في المواقف الملتبسة، والظروف الصعبة، مع الحكمة الراشدة والبصيرة الواعية، والتعرف على الموقف الشرعي في الأزمات من خلال الاتصال بالعلماء الثقات، ونشره وتوجيه الناس إليه، وعدم الانسياق وراء أصحاب البدع والأهواء، فإن الناس عند اشتباه الأمور يترقبون قول أهل العلم لكشف الشبهات، وتفنيد الأخطاء، "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ" [النساء: 83] وفي ظل التضييق والتشديد يقع شيء من التراجع والتنازل، فيكون موقف أهل العلم يمثل الثبات الراشد والجرأة الإيجابية "أَلَا إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" [حديث صحيح رواه أحمد (18076) والنسائي (4209) وابن ماجة (4012) ولعل في موقف أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وموقف الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن مثال صادق لهذا.
5. نفع المسلمين في دينهم ودنياهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " خير الناس أنفعهم للناس" أخرجه الطبراني في الأوسط (5787) وصححه الألباني، كالمشاركة في الجمعيات أو اللجان الخيرية على مستوى المساجد والأحياء.
6. العمل على ترسيخ الوحدة والائتلاف، ونبذ الفرقة والاختلاف، بأن يكون قدوة في التواضع واتباع الحق، والتنازل عن رأيه إذا استبان له أن ما يخالفه هو الصواب، وأن يسعى إلى إشاعة المفهوم الشرعي الصحيح للخلاف العلمي السائغ الذي لا ينبغي أن يكون سببا في الفرقة والخصومة، والعمل على الاستفادة ممن هو أعلم منه، وحسن الصلة بمن هو مثله، والتواضع لمن هو دونه، وأن يقدم نموذجاً لأخلاق الإسلام في الصلة بين أهل العلم وتعاونهم على البر والتقوى كما كان عليه العلماء من سلفنا الصالح.
7. القيام بالدعوة إلى الله قولاً وعملاً. والعناية بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والأسلوب المناسب، والقول اللين الحسن. والحرص على التيسير على الناس في غير مأثم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما عند إرسالهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا". أخرجه البخاري (3038)، ومسلم (1733).
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من العلماء العاملين المخلصين، والحمد لله رب العالمين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.