الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية قضايا التعليم

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

كلية الطب.. طموح ومفاسد!

المجيب
معلم تربوي بوزارة التعليم بالسعودية
التاريخ السبت 29 جمادى الآخرة 1428 الموافق 14 يوليو 2007
السؤال

ابنتي تبلغ من العمر خمس عشرة سنة، هي في الصف الثالث متوسط، وهي متفوقة جدا ونبيهة وحافظة أرجو من الله لها التوفيق، ولكن مشكلتي تكمن في أن أمنيتها أن تدخل كلية الطب، وأنتم تعرفون أن الطب فيه اختلاط، وقد تنجم عنه مفاسد، وأخاف على ابنتي، وفي الوقت نفسه لا أريد أن أحطم قلبها. فهي تقول: إن لم أصبح طبيبة فمن يعالج النساء، هل ترضون بالرجال لعلاجهن؟! فأرشدوني كيف أتصرف مع ابنتي؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
سرنا في موقع (الإسلام اليوم) تواصلكم، وما المكتوب إلا كرجع صدى لما تخطه أناملكم، ولعلكم تجدون في هذه السطور مزيد إضاءة؛ تكشف جوانب مخفية، أو إلماحة إلى لافتات تستدعي الانتباه.
أيتها الأم المربية:
قد أهمني كثيراً تساؤلك حول إمكانية تحقيق أمنية ابنتك في دخول "كلية الطب"؛ ولا أخفي أني ترددت كثيراً في الإجابة على هذا السؤال مع ما يتضمنه السؤال من معنى، وكدت أحيله إلى من يملك النظر في أبعاده وخفاياه، إذ هو مصير حياة تنجح أو تفشل، تفوز أو تخسر، ليس حياة فتاة أو فشلها فحسب، بل إنه حياة وانتصار أمة بأكملها، أو فشلها وهزيمتها من أعدائها، وبعد طول تأمل ونظر أدركت أن لا أحد من الناس يملك" حقاً مطلقاً "وإنما نسعى جميعاً بقدر الجهد والطاقة وفق مراد شريعة ربنا؛ فننظر لمثل هذه الحال بمقياس الربح والخسارة، ونستبين" خير الخيرين، وشرّ الشرين "بعد أن نمعن النظر في واقعنا، سائلاً ربي التوفيق والتسديد والإعانة، راغباً أن تجد هذه الكلمات طريقها في نفوس إخواني وأخواتي الذين خاضوا الميدان أن يدلوا بدلوهم ويشاركونا الرأي والتجربة...
أيتها الأم المربية:
علم الطب وضع لخدمة مقصد عظيم هو حماية الجسم والحفاظ عليه، وقد نال هذا العلم مكانته وسمت منزلته؛ لتعلقه بحفظ النفس الإنسانية والكيان البشري، ولذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله: "لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب" ويقول العز بن عبد السلام رحمه الله: "والطب كالشرع؛ وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام".
وقد كان الإمام الشافعي رحمه الله يعذل المسلمين على ما ضاع منهم من علم الطب؛ ويقول: "ضيعوا ثلث العلم... ووكلوه إلى اليهود والنصارى".
ونظراً لأهمية هذا العلم ومكانته فقد قرر العلماء بأنه من فروض الكفايات، حيث تدعو الحاجة إليه، ولا يمكن أن يستغني عنه المجتمع، بل إن خلو بلدة من بلاد المسلمين مما تحتاجه من الأطباء يجعلها آثمة عند الله، ولا يرتفع عن أهلها الإثم ماداموا قادرين على توفير العدد الكافي من الأطباء.
وهذا يتطلب منا جميعاً " رعاة ورعية " أن نهيِّئ الأجواء الملائمة للقيام بهذا الدور الكبير المناط بنا؛ بصورة تنسجم مع واقعنا الاجتماعي في مجتمعنا المسلم، ويضع الطبيب والطبيبة حينها كل مواهبهم وإمكاناتهم في خدمة أمتهم ومجتمعهم.
أيتها الأم المربية:
ومع هذا... يقف القلم عاجزاً عن البيان، واللسان منقبضاً عن الإفصاح، يضع أحدنا يده على قلبه وأخرى على عينه... حين يريد أن يقوم بدوره المناط به في مجال كهذا، ويدفعه الحماس لدينه أن يبرز فيه من إبداعه وموهبته؛ فلا يستطيع إلا أن يغامر بدينه المدفوع به إليه، أو يذيب غيرته التي تأججت في الذود عنه.
وأرى عدداً من الآباء والأمهات ممن يهتم بصلاح أولادهم واستقامتهم - كما هو حال هذه الأم الصالحة -؛ قد ينتابهم الهم ويزيد بهم القلق في مستقبل بناتهم متى شعروا أن لدى إحداهن ميولاً إلى الأقسام الطبية، وما كان هذا القلق ليكون لو لم يرو الفتيات في كلياتنا الطبية والمستشفيات؛ حيث:
1- الواقع المرير لبعضهن، وكيف تحولت حياتهن إلى بؤس وشقاء، وعدد ممن تخرجن من تلك الكليات وخالطن الرجال في المستشفيات؛ قد بلغن من العمر سناً لا يلتفت إليهن أحد خاطباً حتى فاتها القطار.
2/ قلة حياء (بعض) الدارسين لهذا العلم من الشباب؛ حيث الولع بتبادل الضحكات مع زميلات المهنة والعمل، أو تعمد إيقاع النظرات المشبوهة أو اللمسات العابرة، دون أن تكون هناك يد تردعهم أو تمنعهم، وربما حصل من أحدهم إعجاب ببعض الفتيات من جهة أخلاقهن واحتشامهن وبعدهن عن مواقع الريبة؛ فبدلاً من أن يكون لهن منهم موطن الاحترام والتقدير والإكبار (وللأسف)؛ صار بعضهم يجيد صناعة الحيل والكيد ليكون أول العابثين بهذه الدرة المصونة، ولا يزال يمنيها بالزواج، وهو عليه غير قادر، حتى يفجع أهلها بها.
3- نظام الورديات والذي بدوره يعيق الفتاة عن الارتباط بالجو الأسري المنسجم مع متطلبات الحياة الزوجية، مع ما يحدث من اختلاط أحياناً في غرف التمريض، وسواء وقع في وضح النهار أو هجعة الليل، إلا أنه مظنة مزلة أقدام بين الفتيان والفتيات.
ومع ذلك كله فليس كل الشباب بهذه الحال، وليس كل الفتيات ممن ينخدع بمعسول الكلام، بل ولله الحمد والمنة أصبحنا نرى جمعاً من إخواننا وأخواتنا من أطباء وطبيبات ممن يشرف مجتمعنا بهم؛ قد تعالت هممهم وأظهروا العزة بدينهم "ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوّ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح " [التوبة:120]، ولذا فنحن نشدّ على يد كل فتاة صالحة مستقيمة أن تلج هذا المجال وتستشعر:
1- الخوف من وقوع الإثم علينا جميعاً إن كان من بيننا من لديه القدرة في سلوك هذا المجال؛ ولم تحصل الكفاية في تطبيب المرضى.
2- حاجة أمتنا إلى الأقوياء الذين يثبتون بجدارة عراقة هذه الأمة ومجدها وأصالتها، من الذين نذروا أنفسهم لله، وأشربت قلوبهم محبة العمل لدين الله، ولا تعرف نفوسهم الاستكانة أو الضعف أمام الشهوات والمغريات.
3- الأزمة الشديدة في صفوف النساء والتي تتطلب منا الإسهام بشكل قوي في تكثيف المجال وسدّ الطرق التي تفتح أبواب الشر في أقسام طبية شتى.
4/ كثرة شكاوى الآباء والأزواج من سلوكيات مشينة يقوم بها بعض الأطباء ممن ضعف دينهم وقلت مروءتهم داخل المستشفيات مع المريضات؛ حيث الدخول عليهن فجأة دون استئذان وفي حال لم تتهيأ المريضة للكشف عليها، أو بدعوتها لرؤية وجهها أو إيجاد تبريرات للكشف عن بطنها أو مسّ جسدها، وكم كان يأسرني الأسى ويعصرني الألم حين أرى بعض أخواتنا الطبيبات على ندرتهن؛ قد ابتعدن عن معالجة أخواتهن فيما هو من خصيصتهن، ويسمحن للرجال أن يكشفوا عورات النساء.
* وهنا... أرى لزاماً على الوالدين قبل اتخاذ خطوة من هذا النوع لابنتهم في سلوك مجال الطب أن يراعوا أموراً؛ حتى لا نُستنزف من جراحنا ونؤتى من قِبَل ثغورنا:
1- تأمُّل حال البنت من حيث سرعة التأثر والتأثير، ومعرفة شخصيتها القيادية عن كثب، وإمعان النظر في واقعها خلال السنوات الدراسية التي مضت، ومدى تأثرها أو تأثيرها في بنات جنسها، وباعتبار أن مجال الطبّ يعتريه كثير من المخاطر فتقدر تلك الحال بقدرها، فإن من تلقت تربية رفيعة فغالباً ما تؤثر ولا تتأثر.
2- تقدير مستوى "البنت" الدراسي ومدى استيعابها للمجال الطبي وقدرتها الذهنية على التفوق في تخصص كهذا، فليست المسألة رغبة بقدر ما هي موهبة وقدرة.
3- تقدير حسن اختيارها للصديقات وحرصها على الصحبة الطيبة، فإن من الأخوات من استطاعت أن تعمل داخل أروقة الكليات الطبية دون أن تمس بأدنى أذى بفضل الله، ثم بحرصها على الالتقاء بأخواتها الصالحات وقربها منهن والعمل المشترك معهن.
4- إرشادها للتعامل مع عقلها بطريقة واعية مع التأييد المستمر لها وزرع الثقة بنفسها (حيث لا رقيب إلا الله) مع التزامها بالحجاب، فإن من الفتيات الصالحات بحمد الله مَن شقت طريقها في مجال الطب مع اعتزازها بدينها وتمسكها بحجابها والتزام الحياء في علاقاتها، ولم تدعها تلك الأجواء إلى التفريط في شيء يتعلق بدينها، بل أمسين ينظرن إلى من فرطت في حجابها وحشمتها؛ من تكون هي مثار الشبهة والريبة ليس أحد غيرها.
5- باعتبار أن ليس كل أقسام الطبّ مختلطة؛ فإن اختيار الفتاة للقسم المناسب (فيما بعد) يقلل من الاحتكاك بالرجال، كأقسام: "النساء والولادة وطب الأسرة" ونحوها من الأقسام التي يمكن أن يكون للفتاة في مجال الطب دور تُبرز فيه من مواهبها وتنفع من ورائه أمتها، ودون أن تقحم نفسها في مواطن قد كفاها فيه غيرها.
6- إخلاص العمل لله والتوكل عليه وحده، "ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً" [الطلاق:4]. "ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً " [الطلاق:5].
7/ استخارة الله في هذا الأمر بعد أداء ركعتين، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة الاستخارة كما يعلمهم القرآن، فالوصية بها وصية بأمر عظيم.
* يبقى دور كبير لا يمكن أن يستهان به هنا: دور تقوم به مؤسساتنا مع جهود أفرادنا في تبني وتشجيع المشاريع المناسبة، والمطالبة بتوفير المستشفيات النسائية الخاصة لدى الجهات المختصة، وما إخال ذلك صعباً مع اقتصاد البلد وإمكاناته.
ختاماً أيتها الأم الموفقة:
إن التربية العميقة والمؤثرة "بطيئة... لكنها أكيدة المفعول" كما يقول الأستاذ محمد قطب، ومن درس احتياجات ولده، وراعى قدراته، وسعى في نمائها، وهيأ له البيئة المناسبة فهو حقيق بأن يصل إلى مطلوبه بعون الله وتوفيقه.
وللاستزادة اقرئي:
1/ الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة. للدكتورة حنان الجهني.
2/ مسؤولية الطبيب المهنية. للدكتور عبد الله الغامدي.
3/ رسالة إلى الطبيب. للدكتور عبد الوهاب الطريري.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - عبير....... | ًصباحا 12:11:00 2009/11/09
جزاك الله خير سنكافح ونصبر لنثبت ان لهذا الدين فتيات يستطعن ان يرتقين ويتعلمن وان نعيد رسمة صورة عن فتيات وشباب الاسلام...... ولكن يااختي انا انصحك نصيحة من طالبة في المجال الطبي اذا بنتك كفؤ وماتنغر من صديقات ولا تنجر لكلمات او تعامل خليها تدخل واذا نعم فانصحك لا ........وانتي ادرى ببنتك اتمنى دعواتكم ان الله يثبتني ويسهل امري ويحقق مرادي.......
2 - كارهة الرجال ولكن متفائلة | ًصباحا 07:29:00 2010/07/26
اذا شجيعها على ذلك المجال وليكون هدفها فى الحياة والدراسة ولا تقلقى فمن لدية هدف فى الحياة سامى كالطب مثلا لا يرتكب حماقات او مشاكل ابدا لانة بمثابة حلم جميل فالاطباء يا عزيزتى ملائكة الرحمة وثقى ببنتك ودعيها تثق بنفسها فهى ذكية جدا ...
3 - طموحه | مساءً 10:12:00 2010/10/30
الحياه يعيشها الانسان مره واحده وادا لم يحقق فيها مايريد من احلام وطموحات/لكن ضمن حدود الشرع/فلما هو يعيش ان هدا هو قانونى وانا دكتوره و دعى ابنتك ترفرف باحلامها فى الافق