الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية قضايا إيمانية تربية النفس

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

متى يكون الشخص متواضعاً؟

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الخميس 19 رجب 1428 الموافق 02 أغسطس 2007
السؤال

أرجو أن تبينوا لي: متى يكون الشخص متواضعاً؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
هنيئاً لك أخي الكريم حَالَكَ ومآلَكَ إن كان ( التواضع ) مقصدك في التعامل مع الخلق والخالق ؛ ذلك أن التواضع من أبرز خصال المؤمنين، وكريم سجايا الصالحين، وشِيم العاملين العالمين المخبتين .
ذلك أن المتواضع يتصفُ بجملة صفات، كل صفة تَجعل صاحبها شامة بين الورى، فالسكينة والتؤدة من صفات المتواضعين، والابتسامة والبشاشة وسعة الصدر من صفات المتواضعين، وحسن المعاملة ودماثة الأخلاق من صفات المتواضعين، وصفاء القلب وصدق الحديث من صفات المتواضعين .
فالتواضع : انكسار القلب لله تعالى، وخفض الجناح للمؤمنين . . وأي حياة أجمل وأفضل من القرب من خالق الخلق وباسط الرزق، والقرب كذلك من عباده المؤمنين .
سُئِلَ الإمام ابن تيمية رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ " الْمَسْكَنَةِ "، فقال: ". . فَالْمِسْكِينُ الْمَحْمُودُ هُوَ الْمُتَوَاضِعُ الْخَاشِعُ لِلَّهِ ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَسْكَنَةِ عَدَمَ الْمَالِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ فَقِيرًا مِنْ الْمَالِ وَهُوَ جَبَّارٌ . . فَالْمَسْكَنَةُ خُلُقٌ فِي النَّفْسِ وَهُوَ التَّوَاضُعُ وَالْخُشُوعُ وَاللِّينُ ضِدُّ الْكِبْر"ِ (مجموع فتاوى ابن تيمية: (4/24) .
وصدق الإمام الشافعي حين قال : ( أرفعُ الناس قدراً من لا يرى قدره، وأكبر الناس فضلاً من لا يرى فضله ) تاريخ دمشق : (51/413) .
وقبل أن أجيبك على سؤالك (متى يكون الشخص متواضعاً) ما رأيك أن تأخذ معي هذه التطوافة اليسيرة !!
• لماذا التواضع :
1- لأنه سبب للرفعة في الدنيا والآخرة، قال صلى الله عليه وسلم: "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" (رواه مسلم) (2588).
2- لأنه من خُلُق الأنبياء، وسيما الكرماء، سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته ؟ قالت: "كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة ". (رواه البخاري) (676).
3- لأنه سبب لصلاح المجتمع وانتشار المحبة والسعادة بين أفراده، "إن الله أوحى إلي : أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد"(رواه مسلم) (2865).
• سمات المتواضعين:
1- استشعار عظمة الله تعالى، واحتقارالدنيا، والخوف من أهوال يوم المعاد.
2-التحري عن عيوب النفس ونواقصها، والاجتهاد في إصلاحها وتزكيتها .
3- تخليص النفس من الغرور ومظاهر العظمة واحتقار الآخرين.
4- مشاركة الإخوان والأصحاب في أعمالهم، وكراهية التميز عنهم.
5- لين الجانب مع المسلمين، والوفاء بحقوقهم، واحتمال الأذى منهم .
6 مخالطة الفقراء والمساكين، وقضاء حوائجهم، والاستماع إلى همومهم ومشكلاتهم.
إذا شــِئْتَ أن تَـزْدَادَ قَـدْرًا ورِفْعَـةً
فَلِنْ وتواضعْ واتْرُكِ الْكِبْـرَ والْعُجْـــبَا
•صور خاطئة :
ليس من التواضع ضعف الشخصية .
ليس من التواضع أن يمشي الإنسان مشية الهلكى، حانياً رأسه، خافضاً صوته.
إمام المتواضعين، وقدوة الناس أجمعين صلى الله عليه وسلم:كان صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويخيطُ ثوبه بنفسه، ويحلب شاته، وكان في خدمة أهله، يتواصل مع المجتمع من حوله، صغيرهم وكبيرهم، فقيرهم وغنيهم، يعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويغشى منتدياتهم، ويُسَلِّم على الصغار ويمسح رؤوسهم، كان في أصحابه كأنه واحد منهم، يشاركهم العمل، ويكره أن يقوم أصحابه بين يديه، أو يميزوه عنهم .
رعى الغنم صلى الله عليه وسلم، وأخبر أنها مهنة الأنبياء من قبله، وفتح مكة منتصراً، فدخلها خافضًا رأسه تواضعًا لله رب العالمين، حتى إن رأسه صلى الله عليه وسلم كادت أن تمس ظهر ناقته.
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعون من بعدهم:
1- نادى عمر رضي الله عنه بالصلاة جامعة فلما اجتمع الناس وكثروا صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " أيها الناس لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبض لي من التمر والزبيب فأظل يومي وأي يوم ثم نزل". قال عبد الرحمن بن عوف يا أمير المؤمنين : ما زدت على أن قميت نفسك - يعني عبت - قال: "ويحك يا بن عوف! إني خلوت بنفسي فحدثتني قالت أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعرفها نفسها" الرياض النضرة (1/179).
2- عن الحسن قال:" رأيت عثمان رضي الله عنه يقيل في المسجد ويقوم وأثر الحصا في جنبه، فيقول الناس: هذا أمير المؤمنين"الرياض النضرة (1/216) .
3- عن سعيد بن جبير قال: " كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده " الرياض النضرة (1/319).
4- قال يحيى بن معين: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الصلاح والخير"تاريخ دمشق (5 /281).
5- عن فضيل بن عياض قال : لبس سلمان جبة صوف فقيل له لو لبست ألين من هذا فقال: "إنما أنا عبد ألبس ما يلبس العبيد فإذا مت لبست جبة لا تبلى حواشيها" (تاريخ دمشق (21 /437).
تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة فإن رفيع القوم من يتواضع
صور خالدة :
1- لقد امتدح الله من تعاهد ذريته على التواضع، فهذه صورة لقمان عليه السلام وهو يربي ابنه على التواضع، خُلِّدت في أعظم كتاب إلى يوم القيامة: "وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" [لقمان/ 18].
2- وامتدح الله من كان التواضع صفة لهم، بل وجعل ذلك من علامات عباده المؤمنين، وخَلَّد هذه الصورة في كتابه: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا" [الفرقان/63].
3- أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه فجعل ترعد فرائصه، فقال له:" هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد" أخرجه ابن ماجه(3312) وهو في صحيح الجامع (7052).
4- عن عبد الله بن بسر قال:" كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال فلما أضحوا وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة، يعني وقد ثرد فيها، فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها" أخرجه أبو داود (3773)، وابن ماجة (3263).
5- خرج أبو بكر يودع جيش المسلمين الذي سيحارب الروم بقيادة أسامة بن زيد رضي الله عنه، حتى أتاهم فأشخصهم وشيعهم وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة:" يا خليفة رسول الله والله لتركبن أو لأنزلن فقال: والله لا تنزل و والله لا أركب، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة". تاريخ الطبري (2/462) .
والآن أخي الحبيب . .
متى يكون الشخص متواضعاً ؟ والجواب يكون متواضعاً بتحقيقه للآتي :
1- احتساب الخير العظيم والأجر الجزيل لمن اتصف بصفة التواضع .
2- تحقيق تواضع العبودية، وذلك بتحقيق أمر الله امتثالاً، ونهيه اجتناباً ؛ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "فإن النفس لطلب الراحة تتلكأ في أمره، فيبدو منها نوع إباء هرباً من العبودية، وتتوقف عند نهيه طلباً للظفر بما منع منه، فإذا وضع العبد نفسه لأمر الله ونهيه : فقد تواضع للعبودية" الروح (234).
3- استشعار عظمة الرب وجلاله والخضوع لعزته وكبريائه ؛ قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فكلما شمخت نفسُه : ذَكَر عظمة الرب تعالى، وتفرده بذلك، وغضبه الشديد على من نازعه ذلك، فتواضعت إليه نفسه، وانكسر لعظمة الله قلبه، واطمأن لهيبته، وأخْبت لسلطانه، فهذا غاية التواضع الروح (234) .
4- العيش في أجواء النصوص القرآنية الفريدة: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" [آل عمران: 159]. "وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ" [ الحجر: 88].
5- قراءة سير المتواضعين، والتعرف إلى سماتهم، والتعايش مع سلوكياتهم وطُرق تعاملهم. 6- تَمَثُّل خُلُق التواضع كما جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم والصدر الأول من الإسلام؛ في اللباس، والمركب، والسُكنى، والتعامل مع الآخرين، وفي كل شؤون الحياة. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "التواضع يتولد من العلم بالله سبحانه، ومعرفة أسمائه وصفاته، ونعوت جلاله، وتعظيمه، ومحبته وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها، وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خلق هو " التواضع "، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحدٍ فضلاً، ولا يرى له عند أحدٍ حقّاً، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قِبَلَه، وهذا خلُق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبُّه، ويكرمه، ويقربه" الروح (233).
كتب الله لك الخير أضعافاً مضاعفة، وجعلك قدوة في التواضع، وأصلح نيتكَ وذريتك، وجعلك من الصالحين المصلحين، وأقرَّ عين أمتكَ بك، آمين.
والله أعلم، وصَلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - - | ًصباحا 06:16:00 2009/06/30
حينما يتعامل مع المهم والاقل معامله واحده يضحك مع الاقل منه كما يضحك مع من مثله الا يتكبر باي نعمه لانها ليست من عنده انما هبه من الله وان يعلم ان اكثر ما يزيل قدر الانسان هو كبره وغروره والله التواضع يكسب القلب بهجه ويجعل للمتواضع هيبه ومحبه وشوق لايختفي بعيون الضعفاء والاقوياء بعيون كل من يخالطهم يحبونه محبه حقيقيه