الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية قضايا إيمانية التوبة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

ابتهال وعصيان!

المجيب
مشرف تربوي (تربية خاصة) قسم التربية الخاصة بالإدارة العامة للتربية والتعليم بمنطقة الرياض بنين
التاريخ الاربعاء 21 رمضان 1428 الموافق 03 أكتوبر 2007
السؤال

أنا أدعو الله بتبتل وتضرع وبكاء، لكني مازلت على حال من الخذلان، وأحياناً المعاصي، وأنا أعتقد يقينا أن الله هو الذي فتح علي بهذا الدعاء والبكاء والتضرع؛ لأنني لم أكن أجده من قبل. أحياناً أقول في نفسي: سوف أدعو الله وأبكي فلا أجد شيئا، وكلما تماديت في الغفلة عن الله أشعر بدفع إلى الدعاء، فأذهب فأبكي بين يدي الله -عز وجل- وهذا دليل على أنني لست أنا الذي أبكي وإنما بقوة قادر، لكن الشيء الذي حيرني هو أنني مازلت مخذولا وعاصياً، وهذا الذي لا أطيقه، فأنا أحيانا أترك الدعاء حياء من الله، وأقول في نفسي: كيف هو يشرفني بالبكاء بين يديه وأنا أعصيه وغافل عنه، وأشياء أخرى من بسط وقبض و ضيق وإقبال وإدبار.. أفيدوني مأجورين.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يقول ابن القيم في الجواب الكافي: "من الآفات التي تمنع أثر الدعاء: أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة فيستحسر ويدع الدعاء أي- يتركه وهو بذلك بمنزلة من بذر بذراً أو غرس غرساً فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله".
ويقول أيضا في الجواب الكافي: "إن الأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحاً تاماً لا آفة به، والساعد قوي؛ والمانع مفقود حصلت النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير" وإذا كان الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه لم يحصل الأثر، أي إجابة الدعاء من الله عز وجل.
أخي الكريم: من الجميل أن نهرع إلى الله ونتوب إليه طالبين رحمته ورضاه مبدين ما بنا من ضعف وانكسار، لكن دون أن نُهمل واجب تهيئة النفس، فأنت تدعو الله سبحانه، ثم بعد ذلك تعصيه فلا يجتمع في قلب المرء (الخوف والمعصية) لتتحقق لك إجابة الدعاء، وإن ما تعيشه خلال الفترة الحالية هو صراع في داخلك ما بين النفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء، فالنفس اللوامة هي: النفس التقية المتصفة بالاستقامة والتي تلوم صاحبها، إن فعلت خيراً تلوم الذات على أنها لم تُكثر منه، وإن فعلت شراً تلوم الذات لأنها قامت به.
أما النفس الأمارة بالسوء فهي التي تميل إلى الحصول على الشهوات مستعملة قِواها في ذلك، ومنها ما يحصل لك عن طريق الرغبة في ترك الدعاء والاستمرار في المعصية، وهذا الصراع بينهما دائماً ما ينتج عنه الكثير من التناقضات في شخصية الإنسان. فالأولى أي (النفس اللوامة) هي النفس التي يحصل عن طريقها التوبة للإنسان، أما الثانية فهي من الشيطان، حيث يستمر عن طريقها بإتيان المعاصي. وعندما تنتصر النفس اللوامة على النفس الأمارة بالسوء تتحقق النفس المطمئنة الدالة على الهداية.
وفي نهاية الحديث لك أرجو أن تكون الصورة واضحة لديك، كما أرجو منك الاستفادة مما يلي:
1- اعلم أخي أن للنفس الإنسانية إشراقات ولها ظلمات، فالسعيد من عصم نفسه عما تأمر به من سوء.
2- يقول الغزالي في إحياء علوم الدين: "أن التوبة لها ثلاثة أركان هي: علم، وحال، وفعل؛ فالعلم هو معرفة وإدراك ضرر الذنب المخالف لأمر الله تعالى، أما الحال فهو الشعور الفعلي بالذنب، وأما الفعل فهو ترك الذنب والاتجاه لفعل الخير".
3- أرجو منك الاستمرار في الدعاء والذكر، حيث إن ذكر الله يُطمئن قلب المؤمن من جهة، ويذل الشيطان من جهة أخرى. قال تعالى: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب" [الرعد:28].
4- اجعل لنفسك وردا من القرآن كل يوم، و ليكن في وقت فراغك اليومي (قبل النوم, بعد الفجر...) ولتكن ساعة ضيقك أكثر إقبالا على كلام الله.
5- الاستعاذة، ففي الاستعاذة التجاء إلى الله عز وجل، واحتماء من الشيطان الرجيم، قال تعالى "إما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم" [الأعراف:200].
6- المحافظة على الصلوات الخمس، و لأن للقلب إقبالاً وإدباراً فإن أقبل ثبته بالنوافل، وإن أدبر ألجمه بالفرائض.
7- قد يكون في تأخير إجابة الدعاء مصلحة لك والاستعجال مضرة، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "لا يزال العبد في خير ما لم يستعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي".
8- أرجو منك الدعاء لله تعالى مع اليقين بالاجابة وعدم القنوط عند تأخرها، وتأكد أن الله يفرح بتوبة عبده، فلعله يريد منك انكساراً و تضرعاً أكثر، ذكِّر نفسك بهذا المعنى وستجد لذة وحلاوة تثبتك أكثر.
9- احرص على الصحبة الصالحة التي تعينك وتذكرك، فلست أكثر عزما من الرسل و قد آزرهم الله بمن يشد أزرهم ويعينهم، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ". رواه ابن ماجه وابن أبي عاصم.
10- أسأل الله العلي العظيم أن يتقبل مني ومنك الدعاء إنه سميع مجيب.
والله يحفظك ويرعاك.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.