الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية قضايا التعليم

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

بين الطموح والتخصص

المجيب
التاريخ الاربعاء 09 ربيع الأول 1433 الموافق 01 فبراير 2012
السؤال

فضيلة الشيخ أنا ابنكم المحب لكم بارك الله في جهودكم..
مشكلتي أني أدرس في كلية لا أحبها، حيث أدرس في كلية التجارة، ولم أكن أفكر فيها وليست محببة إلي، فقد كنت أحب الطب، وأن أصبح طبيبا، وأنا الأول على دفعتي في مادة الأحياء، ومعدلي في الثانوية 91% ولكن بسبب اختبار القدرات -ما قبل الجامعة- لم أوفق للقبول في كلية الطب.
ودخلت الهندسة سنة (سجلتها رغبة ثانية) ، وخرجت منها؛ لأنها لم توافق ميولي ولا طموحي ولم أستطع الاستمرار.
وأنا الآن سجلت في كلية التجارة بدلا من الجلوس في البيت سنة ثانية، علماً بأني قدمت على بعثة للخارج للطب لكني لم أقبل.
وأستطيع أن أدرس على حسابي الخاص في الخارج -ولله الحمد والمنة- ولكن معنى هذا أني سأتأخر سنتين: السنة الفائتة في الهندسة، وهذه السنة في التجارة، (لأن نظام الطب سنوات، ولا بد من الدراسة في بداية السنة القادمة).
فهل تضييع سنتين من العمر أمر هين؟
وهل تنصحني بالسفر لدراسة الطب، أم إكمال دراسة التجارة وإدارة الأعمال؟
علماً بأني عانيت من آثار نفسية كثيرة بسبب هذا التخبط، منها على سبيل المثال نسياني لحفظ عشرة أجزاء ونصف من القرآن الكريم كنت أحفظها غيبا. أرشدوني ماذا أفعل؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد.
أحبك الله الذي أحببتنا فيه. وأسأل الله أن يجمعنا في هذه الدنيا على خير، وفي الآخرة في دار كرامته مع من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
أخي الكريم! أحيي فيك هذه الهمة العالية، والطموح الوثاب، والرغبة في التخصص بما ترى أنه يخدم الأمة ويفيدها. وآمل أن تقرأ الأسطر التالية التي أرى أننا جميعا بحاجة إلى تذكرها باستمرار، وهي كلمات طرحتها مع بعض الطلاب ممن أطمح أن يكونوا مثلك من أصحاب الهمم العالية...
الطموح الذي ننشده ليس هو أن يتخصص جميع الطلاب في تخصصات معينة يرى كثير من أفراد المجتمع أنها أفضل التخصصات (كالطب أو الهندسة أو الصيدلة ونحوها)، ويتركوا التخصصات النظرية التي قد يرى البعض أنها ليست لأهل الطموح.
الطموح الذي نقصده هو أن يتخصص الطالب فيما يميل إليه ويهواه، ويرى أنه يجد نفسه فيه. ولكن بشرط مهم جدا، وهو أن يتميز ويبدع، ويأتي بما لم يأت به غيره. ومن المهم أن ندرك تماما أنه ليس التخصص هو الذي يرفع الإنسان. صاحب الطموح والهمة العالية هو الذي يرفع التخصص ويبرزه. ومما يذكر في هذا المجال أن أحد الحكماء وُلِّي ولاية، فقال له أصحابه: الآن يظهر فضلك. فقال: ليست الولاية تظهر الرجل، بل الرجل يظهر الولاية. إن من يتخصص في أي مجال من المجالات إذا لم يكن ذا طموح فقد يبقى يراوح في مكانه... يسبقه العالم وهو واقف في زمن تتسارع فيه الخطى... وأسوأ ممن يقف مكانه من لا يحمل هم عمله ولا يهتم به، ويكون عبئا على تخصصه ومجال عمله.
إن من المهم جدا أن ندرك أن الأمة اليوم يمكن أن يعلو شأنها إذا اهتمت بالإبداع والتميز والتفوق، واهتمت بمعالي الأمور. يرفع شأنها -بعد توفيق الله- جدها وتميزها وإدراكها بأن الأعداء لن يرفعوا شأنها أبدا، فالأعداء هم كما وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم: "... لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر" "وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ...".
الأمة اليوم تتطلع إلى أن يكون من بين أبنائها البررة ذوو همم عالية يبرزون في مجال العلم الشرعي ليفتوا الناس ويبينوا لهم الحلال والحرام، وليجتهدوا في بيان أحكام النوازل ومستجدات العصر. وتتطلع الأمة إلى أن يكون من بين أبنائها ذوو همم عالية يبرزون في مجال الصناعات المدنية والحربية مما يغني الأمة عن أعدائها. ويحفظ لها اقتصادها ومقدراتها، ويوجد لها الهيبة والرهبة.
الأمة الإسلامية بحاجة إلى ذوي همم عالية من الأتقياء الأنقياء الورعين الزاهدين العابدين لربهم على بصيرة، ممن إذا دعوا ربهم استجاب دعاءهم، ولو أقسموا على الله لأبرهم. والأمة بحاجة إلى ذي الهمة العالية الذي يبرز في العلوم النظرية، كما هي بحاجة إلى من يبرز في العلوم التطبيقية، وإلى المعلم المربي ذي الهمة العالية الذي ينصح لطلابه ويرفع من اهتماماتهم ويغرس فيهم حب دينهم وأمتهم ومجتمعهم ووطنهم، وإلى صاحب المال ذي الهمة العالية الذي يسخر ماله لخدمة دينه، وإلى الطبيب ذي الهمة العالية الذي يبرز في جانب من جوانب العلم التي يحتاجها الناس، ويكون مثالا للجد والاهتمام والنصح والإخلاص في العمل، وإلى التاجر ذي الهمة العالية الذي يبتعد عن الغش والجشع، ويسعى لتقوية الاقتصاد الإسلامي، ويستورد البضاعة من بلاد المسلمين بدلا من استيراد مثيلتها من أعداء الدين، وإلى المهندس ذي الهمة العالية، وإلى المخترع والمصمم والحاسوبي والرسام والمصور والخطاط والرياضي وغيرهم من ذوي الطموح والهمم العالية.
نعم.. إن الأمة الإسلامية بحاجة إلى كل طاقة من طاقات أبنائها أن تستثمر، وكلٌّ يبدع في المجال الذي يحسنه. فمتى ننجح في تمثل هذه المفاهيم ورسوخها في عقولنا؟ متى تكون لنا مثل هذه الأدوار البارزة والأعمال الجليلة كل في مجاله وحسب موقعه؟؟ متى نكون نحن من أهل الطموح والهمم العالية؟؟ متى نتمثل هذه المفاهيم ونترجمها واقعا حيا يراه المجتمع كله؟ متى نقتنع بأن قيمة كل إنسان ما يحسنه، وأنه إذا لم يكن لدى الإنسان نفع فلا فائدة في حياته، وأن الإنسان ما لم يكن فاعلا فسيكون من سقط المتاع؟
وبعد هذا التقديم أطرح معك الأمور التالية:
الأول: من الأمور المهمة أن تتذكر بأن عدم قبولك في الطب يجب ألا يصيبك بالإحباط فتجر نفسك إلى الفشل في حياتك، وتحطم مستقبلك بيدك، وأنت تعلم أن المجال رحب أمام المبدعين من أصحاب الهمم العالية كما مر بيانه في الأسطر السابقة. وأقول لك –أخي-: لا تندم على ما فات، فالندم لا يفيدك شيئا، بل يضيق صدرك، ويشتت ذهنك، وقد يستغرق تفكيرك، فتدخل الصلاة –مثلا- وتخرج منها وما تدري ماذا قرأ الإمام ولا ماذا قلت، وتذبل علاقتك بالآخرين حتى ولو كانوا من أقرب الأقربين. وهو مع هذا كله لا يغير من الواقع شيئا، فندمك لن يعيد السنة الماضية، ولن يحقق لك ما تصبو إليه. واجعل من شعورك بفوات سنة من عمرك محركا ودافعا لك للانطلاق بقوة، وما ضاع من وقتك وعمرك ما وعظك.
الثاني: لماذا تصر على الطب وقد حاولت مرتين فلم تقبل؟ لماذا تحصر نفسك في هذا المجال وكأنه لا يوجد أفضل منه بحال؟ وما يدريك؟ لعل الله تعالى قد صرف عنك أمرا لو قبلت فيه فقد لا تنجح فيه، وصرف عنك ابتلاء لو خضته فقد يكون سببا لفتنتك. ولعلك قبل أن تتحمس لدخول الطب أن تسأل من تثق بدينه وخلقه من الأطباء ممن خاضوا التجربة وتسمع رأيهم في مهنة الطب، فقد تسمع من يشجعك ويحثك قائلا بأن فيها خدمة للمسلمين، ومجالا لاكتساب الدعوات من المحتاجين والملهوفين، ووجاهة يمكن أن يستثمرها الطبيب الخيِّر لخدمة الإسلام، وللنفع العام... ونحو ذلك من الأمور الإيجابية. وقد تسمع من يحذرك قائلا بأن العمل في مجال الطب يرهق البدن، ويقضي على الوقت بشكل كبير، فوقت الطبيب ليس ملكا له، والعمل في هذا المجال سبب للتقصير في تربية الأهل والأبناء، لأن الطبيب ينشغل عنهم، وقد يصيب الإنسان الغرور والعجب ويترفع على الآخرين، كما أنه مجال للاختلاط وإطلاق النظر والكلام مع النساء من غير المحارم مما قد يوقع في الفتنة...، ونحو ذلك من السلبيات.
الثالث: لقد طلبت نصيحتي فيما يتعلق بالسفر إلى الخارج. فسأقول لك ما أدين الله عز وجل به انطلاقا من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين حقوق المسلم على أخيه ومنها قوله: وإذا استنصحك فانصح له. رواه مسلم. وأقول لك –أخي- بأنني لا أنصحك بالسفر لدراسة الطب في بلاد الكفار، فالسفر إلى بلادهم محفوف بالمخاطر، خاصة في هذا الوقت. فالأعداء يستهدفون شباب الأمة الإسلامية لصدهم عن مصدر قوتهم ومكمن عزهم. ولا يعني هذا أن كل من يذهب إلى تلك البلاد يعود متأثرا بهم، ولكنه يعني أن الذاهب هناك يتعرض للفتن، وقد ينجو منها وقد لا ينجو، مثله كمثل من يدخل يده في جحر، فقد يجد فيه شيئا مفيدا، وقد يكون فيه ثعبان أو عقرب، فيناله منها أذى. هذا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن؛ ولمن ابتلى فصبر. رواه أبو داود بسند صحيح.
الرابع: إذا كنت لا ترغب التخصص في التجارة، فهل الخيارات الموجودة هي: الطب أو التجارة فقط؟ أليس بالإمكان أن تتخصص في العلوم مثلا أو في الرياضيات أو نحوها؟ إن كان ثمة فرصة للتخصص في مجال ترغبه أكثر من التجارة فانتقل إليه، وإذا لم يكن أمامك إلا التجارة فواصل فيها، ولعلك أن تحمد العاقبة. والله تعالى يقول: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" [البقرة:216]. ويقول سبحانه: "فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" [النساء:19]. على أني أؤكد على أهمية السعي للتميز في أي مجال تتجه إليه. فليس الهدف أن تحصل على الشهادة الجامعية أو حتى ما فوقها، ولكن المهم أن تبدع في مجالك وتفيد الأمة من خلاله.
الخامس: ذكرت بأنك -بسبب تشتت ذهنك- نسيت ما كنت تحفظه من القرآن الكريم، وهو عشرة أجزاء ونصف. وأقول لك أخي: إن محفوظك من القرآن الكريم ثروة نفيسة لا ينبغي أن تفرط فيها بحال، ونعم الرفيق كتاب الله، ذلك أن قراءة القرآن من أفضل الذكر، وبالذكر تطمئن القلوب. وما دمت قريب عهد بالحفظ فأوصيك بالإكثار من المراجعة حتى تسترجع ما كنت تحفظه، وحتى يثبت حفظك. وأن تحرص على أن تزيد حفظك حتى يأتي اليوم الذي تجد فيه نفسك أحد حفظة كتاب الله، وما ذلك على الله بعزيز.
لا أريد أن أطيل عليك ولعل فيما ذكرته ما يشفي غليلك، ويجيب على تساؤلك، ويدفعك للانطلاق بقوة. أسأل الله أن يدلك على أفضل الأمور، وأن ييسر لك ما فيه خيرك وخير أهلك ومجتمعك وأمتك التي تتطلع إلى أمثالك من أبنائها المبدعين الأخيار. حفظك الله ورعاك، وسدد على درب الخير خطاك. والله الموفق والهادي سواء السبيل. وصلى الله وسلم على نبينا وقدوتنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - كارهة الرجال ولكن متفائلة | ًصباحا 07:15:00 2010/07/26
عليك اذا التخصص فى الطب ما دمت تميل الية وترغب بة ..ا عتمد على نفسك فانت ادرى بنفسك ؟؟؟؟؟
2 - صلي على النبي | مساءً 10:49:00 2012/02/01
جزى الله الشيخ الكريم الذي أجاب عن الاستشارة خير الجزاء ، والله يوفق المستشير الى ما يحب ويرضى ويمنحه الهدوء الذهني لقرار ما يريد المسير عليه .
3 - عروبة من الجزائر | ًصباحا 12:42:00 2012/02/02
اعقلها وتوكل الله معك ويسددك
4 - بنت الساده | ًصباحا 06:08:00 2012/02/02
أخونا في الله فكر في ماهي رغبتك الحقيقيه والقويه ولأي مجال طموحك وهمتك يتجه لدراسه التجاره أو للسفر إلى الخارج لدراسة الطب مع المحافظة على دينك وعرضك أستخر الله أولآ ثم إستشر أصحاب التخصص المطلوب كما قال الشيخ وفقك الله
5 - عمر | ًصباحا 10:26:00 2012/02/03
اذهب احرث و ازرع ارضك ....عوضا عن هذا التعبقر يا سيدي و جزاك الله خيرا