الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الأسرية مشكلات أسرية

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

أبي والمسؤولية.. تقاعس وتهرب!

المجيب
عضو هيئة التدريس في جامعة أم القرى بمكة المكرمة
التاريخ الاثنين 19 محرم 1429 الموافق 28 يناير 2008
السؤال

نحن عائلة مكونة من إخوة وأخوات وأب وأم موظفين، وقد اعتمد أبي على أمي في جميع مصاريف البيت، من بناء ومصاريف الأبناء والأكل والشرب و...الخ، ولم يكن يصرف علينا أو على أمي، فقد كانت أمي تقوم بدور الأب والأم في وقت واحد. وتبدأ المشكلة حينما كان يصرف على أمه المبالغ الهائلة بطيب نفس، وبدون أي عصبية أو شيء.. وإذا طلبنا منه شيئاً للبيت كشراء أكل، أو تصليح شيء في البيت غضب جداً، وصارت خلافات بينه وبين أمي بأنه لا يريد أن يدفع لنا شيئاً، ويطلب من أمي أن تدفع.. ونحن ضحية تلك الخلافات التي أثرت على شخصياتنا، وصارت أسرتنا مفككة.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
القضية لها جذور قديمة منذ بداية توظيف أمك، ولا أدري هل كانت موظفة قبل الزواج أم بعد؟
كان الأولى بأمك أن تتفق مع والدك على أمور الصرف، وأن يتعود والدك على النفقة الواجبة، ولعلها تستعين بأحد من أهلها أو أهله، وكما يظهر من كلامك أن والدك بار بأمه ولا يرفض لها طلباً، وهذه إيجابية منه، ونصيحتي لأمك أن تلجأ إلى أم أبيك لتساعدها في هذا الأمر، وعليها الاستمرار في مطالبتها بحقوقها وحقوقكم من أبيك ولا تيأس، وخاصة في النفقة الواجبة من مأكل ومشرب وكسوة سنوية، كما عليكم التودد والتقرب إلى والدكم وخدمته بما يحب، والترفق معه عند الطلب، واختيار الأوقات المناسبة، والدعاء له عند المواقف الطيبة، كما عليكم توثيق العلاقة بجدتكم والبر بها، لأن ذلك يسر والدكم، ولا تجعلوها لكم مثل الضرة، فالجدة حقها عظيم، وبر والدكم بها مما يشكر عليه وليس مما يؤاخذ عليه، ولعلك تذكِّر والدك بالآيات والأحاديث التي تحث على النفقة على الزوجة والأولاد، ومن ذلك ما يلي:
قال تعالى "لينفق ذو سعة من سعته".
وقال تعالى "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
وعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "جَاءَتْ هِنْدٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِك، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَيْضًا، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا حَرَجَ عَلَيْك أَنْ تُنْفِقِي عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ" وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: "رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إلَّا مَا آخُذُهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيك، وَيَكْفِي بَنِيك".
من فوائد هذا الحديث:
فِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
وَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ عَلَى الزَّوْجِ.
وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ، قَالَ: تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت، وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ".
دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَكِسْوَتِهَا، وَأَنَّ النَّفَقَةَ بِقَدْرِ سَعَتِهِ لَا يُكَلَّفُ فَوْقَ وُسْعِهِ لِقَوْلِهِ إذَا أَكَلْت.
وجاء في كِتَابُ النَّفَقَاتِ بَابُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ؛ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ؛ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
وقال الصنعاني في سبل السلام: "وَإِيجَابُ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا".
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اُخْتُلِفَ فِي نَفَقَةِ مَنْ بَلَغَ مِنْ الْأَوْلَادِ، وَلَا مَالَ لَهُ، وَلَا كَسْبَ فَأَوْجَبَ طَائِفَةٌ النَّفَقَةَ لِجَمِيعِ الْأَوْلَادِ أَطْفَالًا كَانُوا أَوْ بَالِغِينَ، إنَاثًا أَوْ ذُكْرَانًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَالٌ يَسْتَغْنُونَ بِهَا عَنْ الْآبَاءِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الذَّكَرُ وَتَتَزَوَّجَ الْأُنْثَى".
والنصوص في ذلك كثيرة، والمهم على والدتك مزيد الصبر، والدعاء، والحمد لله أن عندها وظيفة تنفق منها، وغيرها لا وظيفة لها وتعاني من ضيق العيش، ولعل في والدك صفات أخرى طيبة، فعليكم تذكر هذه الصفات، والتماس العذر له فهو يعمل من أجلكم، وكل هذه الأموال مردها إليكم في حياته أو بعد مماته، وللأسف بعض النفوس معلقة بهذه الأموال، ولعل أمكم تتنازل عن بعض حقها إذا لم تستطع الحصول عليه من أبيكم، مقابل أن تصفو لها الحياة معه، فربما تكره منه خلقاً وترضى آخر.
وهنا لابد من التنبيه على أمر مهم وهو قضية خروج المرأة للعمل، وهذا من الآثار المترتبة على الخروج، ومن الضريبة التي تدفعها المرأة مقابل خروجها، فلابد من ضبط الأمور من البداية حتى لا تختلط الأمور، ولا مانع من أن تشارك المرأة في ميزانية البيت، ولكن أن تتحمل المرأة جميع المصاريف، فهذا من الظلم بها، وعليها أن تحاول رفع الظلم عنها بما تستطيع، أو تصبر وتأخذ حقها في الآخرة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.