الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية قضايا التعليم

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

لذة التفوق.. من لسعة إخفاق

المجيب
التاريخ السبت 28 جمادى الآخرة 1433 الموافق 19 مايو 2012
السؤال

أنا فتاة في التاسعة عشرة من عمري، متدينة ومن أسرة محافظة والحمد لله، ومشكلتي هي أني فقدت الثقة بنفسي تماماً؛ وذلك لأني كنت متفوقة في جميع مراحل دراستي من الابتدائية إلى الثانوية، وكنت دائما أحتل المراكز الأولى، وحصلت على معدل عال مكنني من الالتحاق بكلية العلوم الطبية(طب بشري) وبعدها بدأت مشكلتي، وهي أن الدراسة أصبحت صعبة علي؛ لأنها كانت باللغة الانجليزية، وكانت هذه أول عقبة في طريقي، حاولت أن أتغلب عليها، ولكني لم أستطع؛ نظرا للحالة الصعبة التي أعيشها، إذ إن أمي مريضة، وأختي الكبيرة أيضاً مريضة بالقلب، وليس هناك أحد يساعدني في تحمل مسؤولية البيت، والمجال الذي اخترته يحتاج إلى مذاكرة جدية وحفظ كثير، وليس لدي وقت لذلك؛ لأني لا أستطيع تحمل مسؤوليتين في آن واحد، وظروفنا الاقتصادية صعبة، لذلك لا نستطيع أن نحضر خادمة، علاوة على ذلك المشكلات الاجتماعية التي نعيشها، فواصلت على هذه الحالة، وأكملت السنة، وظهرت النتائج التي كانت نقطة التحول في حياتي، حيث رسبت في إحدى المواد، وكان ذلك مستحيلا بالنسبة لي، لأني لم أذق مرارته طوال حياتي، اسودت الدنيا أمام عيني، وشعرت بالضعف الشديد، ولكني والحمد لله تذكرت نعم ربي الكثيرة علي، وقلت في نفسي إنه ليس امتحان الآخرة الذي من فشل فيه انتهت حياته، حينها عاد إلى رشدي، وتوكلت علي ربي، ودخلت الدور التكميلي للمادة ونجحت بفضل الله، وانتقلت إلى المستوى الثاني، ولكن لم أستعد ثقتي بنفسي، أشعر بأني لا أستطيع أن أفعل أي شيء في هذه الحياة، أصبحت أفكر في النجاح فقط، وأشك فيه رغم أني والحمد لله تعودت الآن على اللغة، وليس هناك أي شيء يصعب علي في المذاكرة، ولكن مشكلتي الوحيدة هي أن نفسي صغرت أمام ناظري. أرشدوني لأني أريد أن أترك بصمة في الحياة.

الجواب

الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
أختي الفاضلة.. لن أطيل الكلام في مشكلة والدك معكم، ولا في مشكلة أخيك، وسأقصر الحديث حول طلبك في سؤالك. فأقول متوكلا على الله...
أولاً: جميل أن تكون لديك همة عالية، وطموح كبير، وجميل أن تكوني في دراستك في مراحل التعليم العام متميزة وتحتلين مراكز متقدمة. ولكن من المؤكد أن هذا التميز ليس بلازم في جميع مراحل الحياة الدراسية، فقد يحصل تعثر ما كما حصل لك، ولكن هذا أيضا لا يدوم، بل الحياة كلها لا تدوم على حال، إذ دوام الحال من المحال...

فيوما عـلينا ويوما لنا *** ويوما نسـاء ويوما نسر

ويقول الآخر:

ثمانية تجري على الناس كلهم *** ولا بد للإنسان يلقى الثمانية
سرور وحزن واجتماع وفرقة *** وعسر ويسر ثم سقم وعافية

ومن المهم جدا أن لا يكون إخفاقك في حياتك الدراسية مرة واحدة بداية للفشل أو التفكير في ترك الدراسة ونحو ذلك. ولعل ما حصل يكون خيرا لك، ودافعا قويا للتقدم والتحدي والإصرار، وسببا في أن تعرفي قدر نعمة الله عليك، ومدى الخير الذي تعيشينه. ذلك أن الحياة الرتيبة قد لا يكون لها طعمها.. فأنت يمكن أنك لم تشعري بطعم التفوق ولذته إلا عندما أخفقت في إحدى المواد. وانظري في الواقع.. أليس الإنسان يقدر قيمة الصحة حقا إذا مسته الأسقام، ويعرف قيمة الراحة إذا مسه الإعياء، ومع شدة العطش يتلذذ بطعم الماء؟ إن عليك أن يكون لديك الآن إصرار أكثر من ذي قبل، لا على النجاح فحسب، بل على التفوق والتميز والإبداع، غير عابئة بفشل في مادة واحدة مرة واحدة في حياتك، فمن رحم الظلام يولد النور، وبعد الليل البهيم يأتي الصباح الرقيق الرائع الجميل.
إن الواجب علينا جميعا أن نوطن أنفسنا على ما يمكن أن يعترض حياتنا من مشاكل، وفي هذا الأمر يكون التفاوت، ولو كانت الأمور كلها ميسرة للناس لما وجدت بينهم فروق...

لولا المكاره ساد الناس كلهم ***الجود يفقر والإقدام قَتَّال

وهل تتوقعين أن الناجحين في حياتهم كانت أمورهم دوما على ما يرام؟ إن سير حياتهم تنبئ عن مدى المعاناة التي عاشوها، ولكنهم أصروا وثابروا حتى وفقوا للنجاح والبروز. ولعلي أن أذكر ههنا ما يتيسر... آية أو حديثا أو حكمة شعرية أو نثرية مما يمكن أن يساهم في بناء الطموح والهمة العالية...
تمعني في قول الله تعالى: "فاستبقوا الخيرات". وقول امرأة فرعون: "رب ابن لي عندك بيتا في الجنة". فلم تسأل ربها بيتا في الجنة، وإنما قالت: " عندك بيتا في الجنة "، فاختارت أكرم جوار في أفضل دار. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها. ويقول عليه الصلاة والسلام: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز.
فالله تعالى يحب المؤمنين جميعا، ولكن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف... وفي كل خير. وليست القوة المحمودة خاصة بمجال واحد، بل هي أعم من ذلك... المؤمن القوي في إيمانه... القوي في دراسته وعلمه... القوي في عمله وما يوكل إليه القيام به... القوي في ثقافته واطلاعه... القوي في بذله وعطائه... القوي في مشيته... المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. ثم يوصينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نحرص على ما فيه نفع لنا: احرص على ما ينفعك، وأن لا نستصعب أمرا ممكنا: ولا تعجز، ومع هذا فإن علينا أن لا نتكل على قدراتنا وطاقاتنا وإمكاناتنا، بل نتوكل على الله ونطلب منه العون: واستعن بالله. ولقد قيل:

إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده

ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تصغرن هممكم، فإني لم أر شيئا أقعد بالرجل من سقوط همته. ويقول ابن الجوزي رحمه الله: ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه الوصول إليه. فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تُحَصَّلُ بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض. وفي الحكمة: فرد ذو همة يحيي أمة، والقمم لأهل الهمم، ومن لا يتقدم يتقادم، ومن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة. الحكم الشعرية التي تبني الطموح وتحث على علو الهمة:

* ومن يتهيب صعــود الجبـال *** يعش أبـد الدهر بين الحفر
* قــل لمن نـام يطلب مجـدا *** فاتك الخير يا حليف الوسائد
* إذا غامرت في شـرف مروم *** فـلا تقنع بمـا دون النجوم
فطعـم المـوت في أمر حقير*** كطـعم المـوت في أمر عظيم
* يغوص البـحر مَن طلب اللآلي *** ومن طلب العلا سهر الليـالي
ومن طلب العـلا من غير كد***أضاع العـمر في طلب المحال
* بقدر الصمود يكون الصعود *** فإياك والهمم النازلــــة

ثانياً: طيب أن توجد لديك رغبة أكيدة في أن يكون لك بصمة في الحياة، وأثر إيجابي في مجتمعك وأمتك. وهذه رغبة أصحاب الهمم العالية ممن لا يرضون أن يكونوا من سقط المتاع ممن لا قيمة لهم في مجتمعهم وأمتهم، وأن تكوني ممن يدركون أن الإنسان إذا لم يزد شيئا على الدنيا كان هو زائدا عليها، وأن الراحة لا تنال بالراحة، وأن من اعتاد معالي الأمور لم تطب نفسه بأسافلها، وأن من اتخذ القناعة حرفة وصناعة تلحف بالخمول، وفاتته معالي الأمور....

* وما الناس إلا اثنان ذلك عامل *** ينال الذي يرجو وذلك خامل

ويعجبني في هذا قول الشاعر داعيا لأن يكون للإنسان أثر إيجابي يراه الآخرون ويعرفونه ويعترفون به:

* فكن رجلا من أتوا بعــده *** يقولون مَرَّ وهــذا الأثــر

وأقول: بأن الناس يتفاوتون أيضا في هذا الأمر تفاوتا كبيرا، وأرجو أن تكوني من خيرهم في هذا الباب.
ثالثاً: عيشي أملا طيبا، ورجاء كبيرا، وظني أحسن الظنون، وفكري في بلوغ الأمل تناليه بإذن الله. فالأمة بحاجة إليك وإلى أمثالك من أصحاب الهمم والرغبة في التأثير حفظك الله ورعاك، وسدد على درب الخير خطاك. ونفعك ونفع بك، وكتب على يديك الخير. والله الموفق والهادي سواء السبيل. وصلى الله وسلم على نبينا وقدوتنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - أختي | ًصباحا 07:24:00 2009/05/27
مررت تماما بما مررت به من ناحيه الاخفاق غير اني لم اعيش الظروف التي عشتيها اجتماعيا وانما مشكلتي في الاخفاق ناتجه عن نفسيتي المتعبه التي ارهقها امرا لم تجربه من قبل ولم تعرفه ولم تتصور يوما ان ستنبض به بهذا الشكل الذي غير حياتها ونظرتها لكثير من الاشياء في الدنيا وغير حتى مشاريعها وقناعتها 00 في الحياه بشكل عام 00 لا تستسلمي لهذه الاحاسيس المرهقه لازلت لم تشفى نفسيتك من اثار الصدمه 00 أهدئ 00 ودوني في ورقه وبشكل حيادي كل الاشياء الايجابيه التي قمت بها في حياتك واحضري التقارير والشهادات التي تشهد على تفوقك ونجاحك واكتبي بورقه ثانيه الاخفاقات التي مررتي بها وقارني بينها وانظري بنظره عادله وكانك حكم بين فريقين الا يحق لك ان تفشلي ولومره 00 غيرك لا ينجح الا مره واذكري نعمة الله عليك ان يسر لك الجنه ببر والدتك ويسر لك طاعته بمعونه اختك المريضه وتذكري ذلك الحديث القدسي الذي جاء في معناه حينما قال الله ولما لم تعدني قال وكيف اعودك وانت رب العالمين قال لو عدت عبد ي فلان -المريض - لوجدتني عنده 0 هذا معنى الحديث ولا اذكر نصه وقبل ان تذاكري رددي ثلاثا = استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم واتوب اليه 00 وادعيه الدعاء وتوكلي على الله وستعودين لنجاح واحتسبي وانت تخدمين امك واهلك وسيجازيك الله يالتفوق والنجاح والرضى بما حصل
2 - كارهة الرجال ولكن متفائلة ؟؟؟ | ًصباحا 06:53:00 2010/07/26
ياعزيزتى انا ارى انك قوية الشخصية وقوية الجسد وارى ايضا انك متفائلة وطيبة القلب انتى تثقين بربك وبنفسك كثيرا ولكن احيانا بلحظات الضعف والفشل والصدمات تفقدين تلك الثقة بنفسك وبقدراتك ... فقط وبكل بساطة هى تلك حالتك يا عزيزتى .... لذلك عليك حتى فى حالات الضعف وفقدان الثقة بنفسك عليك ان لا تفقدين الثقة باللة خالقك ومصورك ورازقك وانتى تعلمين ذلك لان لديك وعى وبصيرة بما انتى فية وذلك يدل على ذكائك وفطنتك ..ثقى تماما ان اللة يحبك وان اللة معك وتاكدى ان اللة لن يخذلك ابدا <ليس كمثلة شى ء> فرحمة اللة وسعت كل شىء .. كونى مع اللة يكن اللة معكى واعتمدى على نفسك وفعلى ما ترينة بصالحك وما يملية عليك ضميرك الحى ...ودمتم سالمين
3 - Hamid | مساءً 07:46:00 2012/05/19
Welcome to real life!
4 - عبير | ًصباحا 03:12:00 2012/05/20
nice comment wallahe