الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الزوجية قبل الزواج اختيار الزوج أو الزوجة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

والدتي غير مرتاحة

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الاثنين 22 محرم 1435 الموافق 25 نوفمبر 2013
السؤال

أنا شاب من عائلة معروفة، وقد أحببت فتاة وهي كذلك من عائلة معروفة، تقدمت لخطبتها وذهبت الوالدة، ومؤخراً ذهبت أنا والوالد لهم، لكن ما يحيرني ويجلعني قلقاً إن أمي غير مرتاحة لزواجي من هذه العائلة؛ بسبب أنهم من العوائل غير المتحضرة، وكانت تقول لي: أنا لست مرتاحة، لكن الرأي لك فقط لكي لا تزعجني،
ثم جاء أبي وقال لي نفس الكلام، وأنا الآن في حيرة من أمري، مع أني أعرف البنت وأهلها، فهم طيبون، وأنا أحب البنت وهي كذلك، لكن بدون علم أهلي ولا أهلها بحبنا، فأنا دائماً يشغلني تفكيري بخصوص أمي؛ لأني لا أريد أن أقدم على هذه الخطوة وأمي غير راضية، وأنا من يومها أدعو الله بأن ييسر أمري. أرشدوني مأجورين.

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أسأل الله الكريم، الجواد الرحيم، أن يوفقكَ لكل خير، ويصرف عنك كل شر، وأن يدلكَ على الخير، ويبارك لك فيه، وأن يرزقك الزوجة الصالحة؛ التي تَسُرك إذا نظرت إليها، وتطيعك إذا أمرت، الولود الودود، ويرزقكما الذرية الصالحة.. اللهم آمين.
أخي الحبيب:
اسمح لي أن أزجي لك بطاقتي شكر:
الأولى: لحرصك على كسب رضى والدتك، ووالله إنها لنعمة تُغبط عليها، فالزمها وحافظ عليها، فإنك على خير وإلى خير بإذن الله، فإن الأم باب من أبواب الجنة، فقد بكى الحارث العكلي في جنازة أمه، فقيل له: تبكي!؟، فقال: ولِمَ لا أبكي وقد أغلق عني باب من أبواب الجنة.
الثانية: لدعائك واستشارتك؛ فما حُرِمَ من تَعَلَّق قلبه بالله القوي الكبير، وحَري بمن وقف بباب الكريم أن يفتح له، ثم ما نَدِمَ من استشار، فقد جاء في عيون الأخبار، عن الفاروق رضي الله عنه: "الرأي الفرد كالخيط السّحيل (الخيط الرقيق)، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة مرار (الخيط القوي المتين) لا يكاد ينتقض".
وأما بشأن استشارتك فأقول وبالله التوفيق:
1- الزواج.. نعمة من أجلِّ نعم الله على خلقه، بل هو آية من آيات الله التي تدل على كمال عظمته وحكمته، قال تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [الروم:21].
وقد رَغَّب فيه صلى الله عليه وسلم، وحَثَّ عليه مطالباً بالمبادرة إليه حين المقدرة، فقال صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" متفق عليه.
إلا أن من أبرز متطلبات الحياة الزوجية السعيدة، ومن أهم مقوماتها؛ التوافق بين الزوجين في الأفكار والعادات والتوجهات، فكلَّما كانت هذه المقومات أقرب، كلما كانت الحياة الزوجية أكثر استقراراً وانسجاما، ومن هنا يوصي المختصون كل راغب في الزواج، أن يبحث عن شريك حياته في البيئات المتقاربة معه في العادات والمستوى المعيشي والثقافة الحياتية.
2- النهضة الشاملة التي تعيشها كثير من البلدان الآن، قَلَّصت الفروقات الكبيرة بين حياة البادية والحاضرة، للقاطنين في المدن، ولم يتبقَّ إلا أمور محدودة، وحالها ليست مقتصرة على البدو والحضر، فهي تطلق على البيئات المختلفة كالشمال والجنوب، والشرق والغرب، ونحو ذلك، إلا أن هذه الأمور المحدودة لا ينبغي التساهل فيها، أو التغاضي عنها؛ ذلك أن الحياة الزوجية حياة اتفاق في المشاعر والأهداف والرؤى الحياتية والتربوية بصورة كبيرة جداً.
3- يحكى أن ثلاثة من العميان دخلوا غرفة بها فيل، وطُلِبَ منهم أن يكتشفوا صفة خلق الفيل، فبدأ الثلاثة في تحسس الفيل، وخرج كل منهم ليبدأ في الوصف:
قال الأول: الفيل هو أربعة عمدان على الأرض! قال الثاني: الفيل يشبه الثعبان تماما! وقال الثالث: الفيل يشبه المكنسة!
بالتأكيد لاحظت أن الأول أمسك بأرجل الفيل، والثاني بخرطومه، والثالث بذيله، كل منهم كان يعتمد على برمجته و تجاربه!! وكلهم مصيب فيما قال، فحين نختلف لا يعني أن أحدنا على خطأ، فقد نكون جميعا على صواب، لكن كل منا يرى المسألة من وجهة نظره، ونحتاج لاكتمال الصورة الاستفادة من آراء الآخرين.
وفي حالتك؛ جاء عدم ارتياح والديك من هذه الزيجة لما رأوه من اختلاف العادات والأنماط المعيشية حين زيارتهم لمنزل من ترغب خطبتها، فيما رغبت أنتَ فيها نظراً للعلاقة العاطفية التي جمعتك بهذه الفتاة، وعلى كلٍ فإني أعرض عليك التالي:
أ. شرع لنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم صلاة الاستخارة، والدعاء بالدعاء الوارد فيها، حين رغبتنا الإقدام على أمر من أمور حياتنا، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر فيسميه ما كان من شيء خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو خيرا لي في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم (يقول مثل ما قال في المرة الأولى) وإن كان شرا لي فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيثما كان ثم رضني به". أخرجه البخاري (1166).
قال العلماء: (وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر؛ حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله) (تفسير القرطبي ج13ص307 ).
ب. لقد أثبتت الدراسات فشل أكثر الزيجات المبنية على علاقة حبٍّ مسبق بين الرجل والمرأة.
ففي دراسة ميدانية لأستاذ الاجتماع الفرنسي (سول جور دون) كانت النتيجة (الزواج يحقق نجاحاً أكبر إذا لم يكن طرفاه قد وقعا في الحب قبل الزواج)، وفي دراسة أخرى لأستاذ الاجتماع إسماعيل عبد الباري على 1500 أسرة كانت النتيجة أن أكثر من 75 % من حالات الزواج عن حب انتهت بالطلاق، بينما كانت تلك النسبة أقل من 5% في الزيجات التقليدية.. وأبرز أسباب ذلك أن الاندفاع العاطفي يعمي عن رؤية العيوب ومواجهتها قبل الزواج، لكنها لا تلبث أن تظهر بعد الزواج.
لاحظ أخي فعلاقة الحب القائمة الآن تستر أي سلبيات تَتَّصف بها أنت أو هي، وتبدأ في الظهور تدريجياً بعد الزواج، وحينها يُفيق كل منكما على واقع لم يكن يراه سابقاً، وهنا تكون النتائج سلبية، وكما رأيت في الدراسة (75 %) من الحالات انتهت بالطلاق.
وهذا لا يعني أن مشروعك قد حُكِم عليه بالفشل، فقد تكون أنت من الـ (25 %) الناجحين، وليتحقق ذلك، عليك بتغليب عقلك على عاطفتك، والسؤال بدقة عن توافر الصفات التي أشار إليها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لمن يرغب الزواج بقوله: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه، فوصية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم للرجل أن يُقدم ذات الدين على غيرها، بل وقد جعل الحصول عليها ظفراً وانتصاراً وميزة عن غيرها.
فهل ترى أخي الحبيب فيمن تريد خطبتها أنها ذات دين!! محافظة على الصلاة في وقتها، تخاف الله والدار الآخرة، ذات حياء وعِفَّة، محافظة على الحجاب، تحفظ أهلها وزوجها في الغيب.
ثم هل رأيتها ربة بيت جيدة؛ فالبيوت لا تقوم على الحب فقط، فثقافة المرأة، وخدمتها في بيت أهلها، ومهارتها في التربية، وقدرتها على إدارة عشها الزوجي، وسلوكياتها وتعاملها مع الآخرين، أمور لاينبغي إغفالها في شريكة الحياة.. ثم لا تنس قوله صلى الله عليه وسلم: "خير نسائكم الولود الودود المواسية المواتية إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات وهن المنافقات لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم" (صحيح الجامع/3330)، ثم هل رأيتها، ورأيت أنها ممن قال فيهن صلى الله عليه وسلم: "خير النساء التي تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره" (السلسلة الصحيحة – حديث حسن)، هذه الأمور يجب التعرف عليها من خلال قراباتها أو صويحباتها عن طريق والدتك أو أخواتك، وليس من خلالها هي.
أخي الفاضل:
رأي والديك وقناعتهما بهذه الزيجة كله خير، فهما الخير والبركة في حياتك، فلتجلس إلى والدتك ووالدك جِلسة من يريد التعرُّف على مدى نجاح هذا الزواج، لا جِلْسَة من يريد تحقيقه بأي ثمن كان، فخبرتهما في الحياة كبيرة، وحرصهما على مصلحتك لا حدود لهما.
وثمة أمر هام جداً، يقال: (الزواج هو الترجمة النثرية لقصيدة الحب)، فإن كان الله قد وفقك للزواج من هذه الفتاة فالحمد لله، وإلا فإني أذكرك وإياها الله والدار الآخرة، عالم السر وأخفى، فإنها امرأة أجنبية عنك، ولا يجوز لك محادثتها، ولا تبادل مفردات الحب والهيام معها، فإن هذا الأمر من مسببات غضب الجبار سبحانه وتعالى، اتق الله أخي الكريم، ودع عنكَ هذه الطريق، لا تستجب لنزغات الشيطان، ولا تتبع خطواته، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" [النور:21].
إن الطريق الوحيدة للعلاقة بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه هو (الزواج)، وما قبل عقد الزواج لا علاقة، وكل علاقة تستوجب الكلام العاطفي، أوالنظرة، أوالخلوة، ونحو ذلك؛ كله من خطوات الشيطان، وكل ذلك فحشاء ومنكر.. فقد أمر سبحانه وتعالى بالطهر والبعد عن الفتنة بين الجنسين، قال تعالى: "فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا" [الأحزاب:32]، والخضوع بالقول المنهي عنه هو اللين فيه، فكيف بالكلام العاطفي، أو مفردات الحب والغرام.
فلتقطع علاقتك الحالية بها، لاتهاتفها، ولا تتواصل معها، وثق بما أخبرنا به صلى الله عليه وسلم: "إنك لن تدع شيئا لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه" (قال الألباني رحمه الله: سنده صحيح).
وفقك الله لكل خير، وأنار بصيرتك، وطمأن قلبك بالإيمان والعمل الصالح، ورزقك من حيث لا تحتسب، وجعل مرضاة الله أحب إليك من هوى نفسك، ورزقك الزوجة الصالحة المصلحة، وأعطاك الذرية الصالحة، وجعلك باراً بوالديك، والله أعلم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.