الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الأسرية مشكلات أسرية

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

المشكلات العائلية تحاصرني!

المجيب
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم.
التاريخ الاربعاء 20 صفر 1429 الموافق 27 فبراير 2008
السؤال

أنا فتاة ملتزمة ولله الحمد واجتماعية، لكن خجولة إلى أبعد درجة، ومترددة كثيراً في اتخاذ قراراتي، ولا أستطيع "المواجهة"، وأعيش في أسرة مفككة، فوالداي منفصلان عن بعضهما البعض منذ حوالي 12سنة تقريباً، ولكن ليس بطلاق، وأنا وإخوتي نعيش مع والدتي "حفظها الله" في بيت واحد ولله الحمد والمنة، المشكلة التي أواجهها أن والدي هداه الله مدمن خمر، وأيضا هو لا يصلي، وكذلك كان مصاباً بانفصام الشخصية، وقد أدخل المستشفى، وأيضا مصاب بالسحر، فهو لم يتغير معنا، ولكنه متغير كثيراً مع والدتي.
فأنا حائرة وضائعة أريد انتشال والدي من وحل المعصية الغارق فيه (من ترك الصلاة وشرب الخمر (وهذا هو المهم) ولكني لا أعلم كيف؟!
لا أريد أن أفقد والدي كما فقدت من قبل أخي وكثيرين أحببتهم، وخصوصاً أن والدي يدخن بشراهة شديدة جدا..
أرجوك يا شيخ أعنِّي على ذلك، فأنا لوحدي ولا أعلم ماذا أفعل؟؟!.. أرشدني!!!..
علماً أن المجتمع الذي أعيش فيه على نوعين:
- مجتمع ملتزم ولله الحمد، وهو مجتمع، أخوالي "إخوان أمي من الأب". وهو شبه نادر الاجتماع فيه، ومجتمع مفتوح من حيث لبس القصير والعاري والشفاف، وكذلك سماع آلات اللهو والطرب.. وهو مجتمع أخوالي "إخوان أمي من الأم"، فنقضي الإجازات المفتوحة وإجازات آخر الأسبوع دائما هناك، فأنا وحيدة وغريبة بينهم، فأفكاري تختلف كثيراً عنهم، وكذلك ميولي وآرائي، وأغلب الوقت انفرد لوحدي بعيدا عنهم، وعما يشاهدونه أو يسمعونه مما يغضب الله، وكذلك أرفض الذهاب معهم إلى الأسواق بلا حاجة أو متنزهات العوائل، وذلك للاختلاط والمنكرات التي لا أستطيع إنكارها. فهل أنا آثمة برفضي الذهاب معهم (وخصوصا رفضي لأمي)؟ وهل علي طاعة أمي إذا أرغمتني على الذهاب معهم؟
كما أن إخواني متهاونون في الصلاة وبعض أمور الدين، وأمي "شفاها الله"مريضة، ولا تنصحهم كثيرا. فتتساهل معهم غالبا، فأنا كما ترى لوحدي. أرشدوني؟!!
وبالنسبة لي فليس لدي أسلوب في النصح، إما أرفع صوتي، أو لا أتحمل وأبكي بالخفاء، فأحد إخوتي له علاقة بفتاة يحادثها عبر الهاتف، وقد وجَّهتُ له النصح أكثر من مرة، ويرد علي دائما بغضب، وألا أتدخل، ويضربني على ما قلته.
وهناك أيضا مشكلة تجددت، وهي أن أمي غاضبة علي، ولا تكلمني منذ مدة، وتقول لن ترضى عنى حتى أتراضى مع أخي. أرشدوني ماذا أفعل؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
بنتي الكريمة: وصفت نفسك –وفقك الله– بقولك: (خجولة إلى أبعد درجة، ومترددة كثيرا في اتخاذ قراراتي، ولا أستطيع المواجهة).. ثم عقبت على ذلك بقولك: (أعيش في أسرة مفككة، فوالداي منفصلان عن بعضهما البعض منذ حوالي 12سنة تقريبا)..
وكأنك تدركين أن لذلك الوضع العائلي أثراً في وجود تلك الصفات لديك.. ومن نعمة الله عليك أن يقف الأثر السلبي عند تلك الصفات، على حين يترك آثاراً (غائرة) على نفس وسلوك بعض الأشخاص.. وهذه نعمة من الله عليك.. بل أراك –بحمد الله– تصفين نفسك بالاستقامة، ثم بالاجتماعية.. وذلك ما يسهّل عليك تخفيف أثر تلك الصفات، أو التخلص منها.
وهناك كتب وأشرطة جيدة قد تفيدك في التخلص من هذه الصفات، التي تضايقك، ومنها كتاب (أراك على القمة)، وألبوم (الثقة بالنفس)، للدكتور موسى الجويسر.
بنتي الكريمة: تصفين والدك بأنه مسحور، ولا أدري على أي شيء اعتمدتِ في حكمك ذلك، وقد يكون ذلك، لكني ألاحظ أن الكثيرين عندنا حين يقع فرد منهم، لسبب أو آخر، في سلوك سيئ، يؤثر في وظيفته الحياتية والأسرية، كثيراً ما نلجأ لتفسير ذلك على أنه لون من السحر أو العين.
إن والدك –عافاه الله– ليس هو الوحيد المدمن على الخمر، ومن المؤكد أن أولئك ليسوا كلهم مسحورين!
وكون علاقته بأمك يشوبها انقطاع فقد يكون للإدمان على الخمر دور في ذلك، فالزوجة ستحاول الاستمساك بعرى الصبر، لكن مخزون صبرها من المؤكد أنه سينفد، خاصة وأن زوجها –بسبب ذلك- سيتخلى عن مسؤولياته البيتية، ويخل بعمله الوظيفي، لتنشأ مشكلات بين الزوجين على إثر محاولة الزوجة دفع الزوج إلى تحمل مسؤولياته البيتية والوظيفية، وهو مع تكرار اللوم سيمل.. إضافة إلى أن ممارساته تلك، قد تترك أثراً في العلاقة الخاصة بينه وبين والدتك، ما يجعله يؤثر الهروب على الاعتراف بمشكلته!!
واتهامه لوالدتك جزء منه سلوك أوجده تعاطي الخمر، فقد وجدت الشك لدى كثير من مدمني الخمر، في زوجاتهم، بصورة كبيرة، كما أن وجود خلل في قدرته على التواصل مع زوجته، في علاقتهما الخاصة، يجعله يبحث عن سبب يعذر فيه عن انقطاعه عنها، فتكون مثل تلك التهم جاهرة!!
بنتي الكريمة: لا أدري أيهما أسبق الانفصام أم إدمان الخمر.. وهل الانفصام حقيقي أم لا.. ويبدو لي أن والدك قد يكون تعرض في صغره لتعامل قاس، هيأ أرض نفسيته لنبات أشجار مثل هذه السلوكيات، غير الجيدة.. فسهل اصطياده من قبل أصدقاء السوء، ووجد في الخمرة كهفاً للهروب من الضغوط.. وإن كانت –دون أن يدرك– ترجع عليه بضغوط أشد!!
إن الدعاء الصادق، والإلحاح فيه، وتلمس أوقات الإجابة، له دور كبير، في تغيير أوضاع والدك، فالأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى، وإذا أراد –سبحانه وتعالى– شيئاً فإنما يقول له: كن، فيكون.
لكن لو حاولت –حين يقدم عليكم– إشعاره بقيمته، والثناء على ما يمكن أن يكون مشتملاً عليه من صفات إيجابية، ومشاركته مشاعره، ونقل بعض أفكارك إليه عن طريق الإيحاء، مثل: أنا أدرك أنك متضايق، وتتمنى الساعة التي تتخلص فيها!!
لا أشك –إطلاقاً– أنك تتمنى الخلاص مما أنت فيه!
وربما استفدت من شريط للدكتور مريد الكلاب، بعنوان: الإقناع بالإيحاء.
وإن كان حولك رجل، من أخ أو خال، ممن يشاركك الشعور تجاه والدك، فلو استطاع أن يقنع بعض الإخوة المتخصصين بدعوة أمثال والدك من المدمنين، فربما كان لذلك أثره الجيد، في إقناعه بالعلاج من الإدمان، وسيره في طريق الاستقامة.
بنتي الكريمة: في الوقت الذي يعجبني –كثيراً– أن تحملي مشاعر إيجابية تجاه والدك، وتحرصي على انتشاله من وهدة السلوك السيئ الذي وقع فيها.. فإنني انزعجت من قولك: (فأنا حائرة وضائعة أريد انتشال والدي من وحل المعصية الغارق فيه) من ترك الصلاة وشرب الخمر...
لا أريد أن أفقد والدي كما فقدت من قبل أخي وكثيرين أحببتهم، وخصوصا أن والدي يدخن بشراهة شديدة جدا..
أرجوك يا شيخ أعني على ذلك فأن لوحدي ولا أعلم ماذا أفعل؟؟!.. أرشدني).. فطلب الإرشاد جيد، لكن (قتل) النفس غماً يؤثر فيها سلبياً، ولا يقدم لها حلاً.. إن من حق من حولنا؛ خاصة آباءنا وأمهاتنا، أن نجتهد، جد الاجتهاد، في مشاركتهم مشاعرهم، فيما يواجهونه من أمراض أو ضغوط، وأن نجتهد في البحث عن سبل مساعدتهم، لكن دون أن يؤثر ذلك على حياتنا سلبياً؛ بحيث ندع للتفكير في تلك المشكلة أن يشل تفكيرنا، وأن يضيق الخناق علينا.. فإننا وقتها نجني على أنفسنا، ولا ننفع من حولنا!!
بنتي الكريمة: أعجب مما تذكرينه من كون أخوالك، من جهة أم أمك، أكثر تواصلاً، فيما بينهم، من أخوالك، من جهة أبيها، مع أنك تصفين الأخيرين بأنهم مجتمع ملتزم.. فإذا كانت ندرة الاجتماع لظروف تحكم ذلك، مع حبهم له، وحرصهم عليه، فهو أمر مفروض عليهم.. وإن كان الانقطاع من صنع يديهم، وهو يعكس مستوى العلاقة بينهم، فإني أرى أن أخوالك الأولين ربما كانوا أقرب للخير، من أولئك، مع ما فيهم من الانفتاح، حسب تعبيرك!!
بنتي الكريمة: لقد أعجبني –جداً– وصفك لنفسك بأنك (اجتماعية).. لكني وجدتك تقولين، في اجتماع أخوالك،: (فأنا وحيدة وغريبة بينهم فأفكاري تختلف كثيرا عنهم وكذلك ميولي وآرائي وأغلب الوقت انفرد لوحدي بعيدا عنهم وعمّا يشاهدونه أو يسمعونه من ما يغضب الله، وكذلك أرفض الذهاب معهم إلى الأسواق بلا حاجة أو متنزهات العوائل وذلك للاختلاط والمنكرات التي لا أستطيع إنكارها).. لا أظن أن شخصاً عاقلاً سيقول لك: اذهبي للمنكر.. لكن –في ظني– أن ذهابك معهم لا يعني بالضرورة مشاهدة المنكر.. والأهم من ذلك هو أمنيتي أن تكوني شخصية إيجابية، تمتلئ بالثقة بالنفس، ويعج ذهنها بالأفكار الإبداعية المؤثرة، ويكتسي سلوكها بالمرح، الذي يدفع للقرب منها.. والنبي –صلى الله عليه وسلم– يدفع إلى مثل هذه الشخصية الإيجابية الفاعلة، بقوله: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم ).
وقد تقولين –بنتي الكريمة– إنني ذكرت لك –سابقاً– أنني ( خجولة إلى أبعد درجة ومترددة كثيرا في إتخاذ قراراتي، ولا أستطيع المواجهه)، ولكني أبادر بالقول: إن هذه الأمور (قشور) سريعاً ما تتساقط أمام التدرب والإقدام.. وقد ذكرت لك –فيما مضى– بعض الكتب والأشرطة، التي تعينك –بإذن الله– على تجاوز مثل هذه العقبات.
بنتي الكريمة: أؤكد لك أمرين:
الأول: هو ألا تجعلي مشاركتك الآخرين مشاعرهم على حساب صحتك الجسدية والذهنية، ومن ثم فمن زارك من أعمامك فقابلوه بالشكر والدعاء، ومن تخلف عنكم، فادعوا له بالهداية، وإن أمكن التواصل معه بالهاتف، فجيد، وقد يلين ذلك صلابة موقفه.
الثاني: أن المعاصي من طبيعة البشر، وقد يكون في ذلك فرصة للأخيار لاكتساب الحسنات، في الأمر بالمعروف بمعروف، والنهي عن المنكر بمعروف، واستخدام وسائل التأثير المختلفة، وأهمها إقامة جسور علاقة متينة.
وأظنك تدركين أنه يتوافر في السوق الكثير من المحاضرات الجيدة، والكتب النافعة، في موضوع الحرص على الصلاة، والمبادرة في أدائها.
ومن الجيد استخدام أسلوب الإقناع بالإيحاء، والبعد –قدر الإمكان– عن مجرد اللوم. خاصة وأنه يفهم من قولك: (ووالدتي "شفاها الله"مريضة ولا تنصحهم كثيرا).. أنك تفهمين النصح أنه في التثريب عليهم، والاستمرار في تقريعهم.
والشيء نفسه، فيما ذكرتيه عن أخيك، فأنت أدركت أن أسلوبك أتعبك نفسياً ولم يجدِ معه، وأنت تقولين: (ليس لدي أسلوب في النصح إما أرفع صوتي أو لا أتحمل وأبكي بالخفاء،وقد وجهت له النصح أكثر من مرة ويرد علي دائما بغضب وألا أتدخل ويضربني على ما قلته).. إن المهم ألا يشعرك ذلك بضعف الثقة بنفسك، وألا تظني أنك خلقت بهذا الأسلوب، وإنما بإمكانك أن تغيريه، وأن تطوري ذاتك، لأن من أجل أخيك، ولكن لتنجحي في الحياة بشكل عام.. والمقاطعة ليست علاجاً، بل هي ذنب قد يفوق وقوعه في معاكسة الفتاة.. خاصة وأنك لم تري مقاطعتك له قد أثرت في تركه محادثتها.. بل إن والدتك غضبت عليك، وهددتك بالمقاطعة، وليس من الدين والعقل أن نعالج أمراً بإفساد أمر، قد يكون أكثر أهمية منه!!
وفي ظني أنك لو اقتربت منه، وقدمت له بعض الخدمات، وحاولت التفاعل معه، ثم أدرت معه حواراً هادئاً إيحائياً لكان أجدى بكثير (مثل: أنت صادق، ولا ألومك أن تحب.. لكن أخشى أن تمتلئ حياتك المستقبلية بالمشكلات، وتؤثر في أبنائك.. ألا ترى أنك لو فكرت بأخرى لكان أجدى عليك!!).
مع أنك لست مسؤولة عنه، لتظلي تطاردينه، فأنت قد أنكرت عليه، وعرف من حولك، ممن هم أكبر منك بذلك.
أخيراً –بنتي الفاضلة– فقد استوحيت من رسالتك أنك تمتلكين إمكانات رائعة، لكنك في المقابل تغرقين في بحيرة من ضعف الثقة بالنفس.. وقد يكون للظروف التي أحاطت بك دور كبير في ذلك، لكني واثق أنك قادرة على التخلص التام من هذا الأمر.. وستحسن –وقتها– أن حياتك اختلفت جذرياً.. وذلك مهم أكثر لحياتك المستقبلية، ولعل لما ذكرته لك من مراجع أثراً جيداً، بعد الاستعانة بالله، في تخليصك، وولادتك من جديد!!
وفقك الله لكل خير، وثبتك على الطريق المستقيم، وحقق لك آمالك.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.