الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الزوجية قبل الزواج اختيار الزوج أو الزوجة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

في ظلال الإيمان

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الاربعاء 28 محرم 1429 الموافق 06 فبراير 2008
السؤال

كيف أتزوج بشخص لا أعرفه جيدا، بل لا أعرفه أصلا؛ فأخاف أن أرتكب خطَّأ إذا تزوجت بشخص أظنه جيدا، ثم يخيب أملي بعد أن أستكشف جوانب من حياته لا تعجبني ولا تناسبني ونحو ذلك. وقد تعرفت على رجل صالح أظنه إن شاء الله سوف يقدم لي كثيرا في ديننا، فهو رجل متدين جدا، والآن نعرف بعضنا منذ شهرين، ولم أره قط إلا في صورة، أسال الله أن يغفر لنا إن شاء الله. ولا نتكلم إلا نادرا، وليس بيننا أي شيء إلا رابط صغير، ولكن كيف أتقدم للزواج بدون أن أعرف هذا الشخص، لأنني أنتظر من زواجي ومن زوجي الكثير إن شاء الله، ولا أريد أن أرتكب خطأً. فبماذا تنصحونني؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أسأل الله الجواد الكريم، الحي القيوم، الوهَّاب العظيم؛ أن يوفقكِ لكل خير، ويصرف عنكِ كل شر، وأن يجعلَكِ من الصالحات، المصلحات، اللواتي لاخوف عليهن ولا هن يحزنَّ، وأن يجعل زواجكِ زواجاً مباركاً.. اللهم آمين.
ثم إني أهنئكِ على خطواتك المباركة؛ فإن العيش في ظلال الإيمان بالله، والعمل على أن تكوني حيث أمر الله، لهما مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [النحل:97]
وأبارك لك مُقَدَّماً زواجك، سائلاً الله لكِ السعادة والطمأنينة والراحة النفسية في حياتك الأسرية، وأن يؤلف بين قلبك وقلب زوجك على الخير، وأن يصرف عنكما شَرَّ الأشرار، وكيد الفجار، وشر طوارق الليل والنهار.
أختي الكريمة..
لا شك أن ديننا الحنيف، قد شَرَع لنا الزواج، لغايات عظيمة، ومنافعَ متعدِّدة، منها:
1- التقرب إلى الله بامتثال أمره سبحانه، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
2- حفظ النسل البشري لعمارة الأرض، وتحقيق الهدف من الخلق وهو العبادة.
3- تكثير الأمة الإسلامية، وتحقيق مفاخرة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ حيث يقول: "النكاح سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" (6807 في صحيح الجامع).
4- بناء المجتمع الإسلامي، وتربية الأبناء وتعليمهم ليكونوا قادة ومصلحين، وإشاعة الألفة والمودة والرحمة والحنان، وبها تتم تنشئة أفراد المجتمع على الصلاح والعِفَّة والسلام.
5- إعفاف النفس، وذلك بقضاء حاجة الرجل والمرأة الغريزية بأمان، تحقيقاً للعفة، "فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" (متفق عليه)، وهو حماية للمجتمع من الأمراض الجِنْسية، والانحرافات الخُلُقِيَّة.
6- حصول السكن النفسي الذي لا غنى لكل إنسان عنه.
7- الفوائد الصحية: فالبروفيسور "أندريو أسوالد" الباحث بجامعة "وارويك" يؤكد: أن الزواج يؤدي إلى فوائد للصحة النفسية والعقلية للمتزوجين، وأن العلماء يعتقدون أن الزواج يقود إلى تغييرات في دماغ الإنسان تحفِّز جهاز المناعة لديه للحياة سنوات أكثر.

إذا أدركنا ذلك، علمنا أن هذه العلاقة قد شُرِعت لأهداف عظيمة، وأنها تَمَّت بأقوى رباط، وأعظم اتفاق، وَولدت لتبقى قوية متينة، فهي لبنة أساس من لبنات المجتمع الإسلامي، فلابد لكل من الرجل أوالمرأة أن يقوم ببعض الخطوات، تجعله مطمئن البال، طيب النفس، قد تهيأ نفسياً لهذا المشروع المبارك.
يقول الأستاذ سيد قطب في تفسيره "في ظلال القرآن": "والإسلام الذي ينظر إلى البيت بوصفه سكناً وأمناً وسلاماً، وينظر إلى العلاقة بين الزوجين بوصفها مودة ورحمة وأنساً، ويقيم هذه الآصرة على الاختيار المطلق كي تقوم على التجاوب والتعاطف والتحاب.. هو الإسلام ذاته الذي يقول للأزواج: "فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً".. كي يستأني بعقدة الزوجية فلا تفصم لأول خاطر، وكي يستمسك بعقدة الزوجية فلا تنفك لأول نزوة، وكي يحفظ لهذه المؤسسة الإنسانية الكبرى جديتها فلا يجعلها عرضة لنزوة العاطفة المتقلبة وحماقة الميل الطائر هنا وهناك).
وهنا أعرض لكِ أختي الكريمة خمس خطوات ينبغي لك القيام بها تمهيداً للزواج:
1- الاستخارة والدعاء:
صلاة ركعتي (الاستخارة) والدعاء بعدها بالدعاء الوارد فيها، سائلة الله إن كان في الاقتران بهذه الشخصية خير أن يجمع بينكما على خير، وإن كان خلاف ذلك أن يكتب الخير لكل منكما، وهو ما جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: (إذا هَمَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم هذا الأمر، فيسميه، ما كان من شيء خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو خيرا لي في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم، يقول مثل ما قال في المرة الأولى، وإن كان شرا لي فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيثما كان ثم رضني به). (أخرجه البخاري).
قال العلماء: (وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر؛ حتى لا يكون مائلا إلى أمر من الأمور، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله) (تفسير القرطبي ج 13 ص 307).
ثم عليك بسهم الدعاء، صباح مساء، في عسرك ويسرك، قائمةًً قاعدةً، تذللي بين يدي الله، الهجي بالثناء عليه، والافتقار إليه، والرجاء لما في يديه، اذكري له ضعفك ومسكنتك، وفقرك وحاجتك، تقرَّبي إليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وسليه أن يكتب لك شريك الحياة الذي تَسعدين به ويَسعد بك، ويكون عوناً لك على الطاعة، ومخلصاً لك في المنشط والمكره، ويرزقكما الذرية الصالحة، ويجمعكما على خير في الدنيا والآخرة.
2- الاستشارة:
استشيري في شريك حياتك من تثقين من أقربائك، وآخرين ممن صاحبتهم واختلطتِ بهم، فقد أمر الله سبحانه رسوله الكريم بالاستشارة فقال: "وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" [آل عمران:159]
وكان هذا هدْيُ الأنبياء، فقد رُوي عن سليمان بن داود عليهما السلام أنه قال لابنه: (يا بني لا تقطع أمراً حتى تشاور مرشداً، فإنك إذا فعلت ذلك لم تندم). ومن فوائد المشاورة يقول ابن الجوزي رحمه الله: (إن المشاور إذا لم ينجح أمره علم أن امتناع النجاح محضٌ قدر فلم يلُم نفسَه، و إنه قد يعزم على أمر يتبين له الصواب في قول غيره فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح).
ليكن السؤال في المشورة عن جوانب حياته: (عبادته، سلوكه وتعامله، حيويته وابتسامته، تنظيمه لشؤون حياته، نفسيته ومزاجه وهدوء أعصابه.. إلخ)، يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه؛ إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) (تحقيق الألباني: حديث حسن/270 في صحيح الجامع). ومن كان دينه مرضياً، وخلقه مقبولاً، كانت عشرته الطيبة مأمولة، والتواصل معه مأموناً بإذن الله.
3- النظرة الشرعية:
مما يُندبُ إليه أن تنظري إلى خاطبك، مادامت هناك جِدِّية في الطلب، فإن النظرة هذه تعتبر مُرَطِّباً للحياة الزوجية، وتجعلها محفوفة بالسعادة، محاطة بالبهجة والهناء، بل إن أمكن الحديث معه؛ لتبيان أسلوبه وطريقة تفكيره فحسن، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: خطبت امرأة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل نظرت إليها؟ " قلت: لا قال: " فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) (مشكاة المصابيح:2/204).
ومقصد النظرة أن يستبين كل منكما ما يدعوه إلى الإقدام على هذا الزواج، أو الانصراف عنه إلى غيره.. ولذا لا يكفي الاعتماد على الصورة فقط، فالصورة لا تَعكس حقيقة الشخص.
ثم ينبغي ملاحظة ألا يكون اللقاء بخلوة، بل لابد من حضور أحد محارمك، كما يجب ألا يكون هناك ملامسة أو أحاديث غير محتشمة، أو أي تواصل غير شرعي، وذلك حتى يتم العقد الشرعي الذي يُبيح لكما ذلك شرعاً .
4- التهيئة النفسية والمهارية:
الزواج.. وداع لعالم العزوبية، التحام تام مع شريك الحياة، تربية الأبناء وتعليمهم، علاقات أسرية، قيادة الأسرة، وهل يمكن لقائد مركبة أن يقودها دون تَعَلُّم طُرُق وفن ومهارة التعامل معها، هل يمكنه ذلك دون الحصول على رُخصة القيادة، وأخيراً هل قيادة الأسرة أهون من قيادة المركبة!!؟ إن من الضروريات لكل منكما أن يلتحق بعدد من الدورات التدريبية التي تناقش (فهم نفسية شريك الحياة، إدارة الأسرة، احتواء المشكلات الزوجية) ونحو ذلك، بل والعمل على استدامة هذا التواصل مع كل دورة تدريبية بهذا الشأن بصحبة زوجك بعد الزواج، وحتى بعد إنجاب الأولاد.
ثم ينبغي عليكِ الاطلاع على بعض الكتيبات والأشرطة المختصة، والدخول إلى مواقع الإنترنت الأسرية الناصحة الطيبة، وكذا الجلوس إلى من تثقين من أهل العلم والرأي، وأصحاب النجاحات في أسرهم للإفادة من خبراتهم، والاستنارة بما لديهم.
5- خَططي لمستقبل حياتك الزوجية:
ادرسي واقعكِ جيداً أختي الكريمة، اكتبي أهدافك، تأملي أدواتك وممتلكاتك، ومن المهم أن تضعي لك خِطة قبل الزواج، ماذا أريد من شريك حياتي؟ وما الذي يمكن أن أمنحه إياه؟ كيف لنا أن نحقق السعادة في حياتنا؟ أمورنا واحتياجاتنا المعيشية كيف نؤمنها؟ مصروفات الزواج والسكن والتأثيث من أين نقضيه؟ علاقتنا بأسرنا.. إلخ.. لا تسمحي للمفاجآت الحياتية أن تؤثر في بناء أسرتك، "وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ" (الطلاق/3)، ومن استعد مبكراً بَلَغ الغاية بإذن الله تعالى.
أما التعارف والتقارب عن طريق العلاقات المفتوحة قبل الزواج، فقد أثبتت فشلها، وأنها عبئاً على الحياة الزوجية لا معيناً ومرغباً بها، تقول "ايفيلين ميليسوغال" في كتابها "كيف تبني حياتك الزوجية" (الحب الذي تصوره لنا القصص ما هو إلا من نسيج الأحلام، إنه ينشأ عن الآمال والتصورات، إنه يجعل الإنسان يرى فيمن يحب صورة للرجل المثالي أو المرأة المثالية، التي لا يمكن أن يحبها الإنسان في عالم الواقع، والحقائق تقف حجر عثرة في سبيله، ومن أجل ذلك كان هذا الحب أعمى. إنك عندما تفكر في الزواج، عليك أن تميز بين ما هو خيالي في الحب، وما هو حقيقي.. ينمو الحب الحقيقي بين الزوجين على مر الأيام، وتدعمه العشرة والصحبة، إنه يحل تدريجياً محل الحب الخيالي، كلما ازدادت العشرة والصحبة، وليس معنى ذلك أنه لا يصح الزواج من غير المتحابين، فإن الحب غالباً يتولد بعد الزواج نتيجة تبادل المودة وحسن التفاهم والمعاملة الطيبة وإنكار الذات).
أختي الفاضلة..
وعوداً على استشارتك، فإنك إن قُمتِ بالاستخارة، ثم الاستشارة وسؤال المقربين من خطيبك، ثم النظرة الشرعية، ثم التهيئة النفسية والمهارية، فقد كَوَّنتِ صورة متكاملة عنه، وتهيأت نفسياً لهذه العلاقة المباركة، وحينها لا خوف، فإنك قد وضعت أمركِ بين يدي الله سبحانه، وثقي أنه لا يأتي من الله إلا كل خير وصلاح.. كما يمكنك الاستزادة من التعرف عليه عن قُرب بعد العقد الشرعي، وقبل الدخول عليك، فلك أن تتفاهمي معه ليكون هناك متسعاً من الوقت لتحقيق ما تريدين.
وعليه.. فإن كان خطيبك كما تذكرين (رجل متدين جدا، و يجتهد كثيرا، وأنشأ جمعية لنشر الإسلام ومحاسنها)، وترين ارتياحاً نفسياً له، وهناك تقارب في الأفكار والتوجهات بينك وبينه، وكذا تقارب في المراحل العمرية بينكما، واستخرت ثم استشرت، فأقدمي، متكلة على الله، فالتوفيق حليفك بإذن الله.
وفقك الله لكل خير، وأنعم عليك برضاه وحفظه وستره، وجعل السعادة حليفك في الدنيا والآخرة، وألَّف بين قلبك وقلب زوجك على الخير، والله أعلم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.