الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية قضايا الشباب المعاصر ة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

عميل استخبارات تائب

المجيب
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ الاثنين 05 جمادى الآخرة 1429 الموافق 09 يونيو 2008
السؤال

السلام عليكم، حاولت الانتحار مرات عديدة، وذلك لحالتي النفسية المتعبة بسبب ذنوب اقترفتها، لكن الأمر عندي غير واضح؛ لأني تعاملت مع جهاز مخابرات أجنبية رغما عني، وبسبب رفع تقاريري على ما يسمى بالجهاديين، وقع في السجن أكثر من خمسين شاباً، منهم من يؤمن بالإيديولوجية الجهادية، ومنهم من ليس له ناقة ولا جمل في ذلك، تعذبت كثيراً نفسياً لأني رأيتني خائنا، خفت على نفسي أن أكون خارجاً على دائرة المسلمين، أخاف على نفسي لما أتخيل أنني محكوم علي بالنار مهما عملت، فرفعت تقريرا جديدا للقضاء متهما المخابرات بالتزوير والتلفيق لإدخال شباب أبرياء إلى السجن، فما كان من رسالتي إلا أن تبرئ ويخرج من السجن نصف عدد المسجونين، أحسست أنه غير كافٍ، وتحولت إلى أسوأ حال، وتذكرت كلام أحد أصدقائي قديما، كان يقول إن الشيطان ليس شخصية غريبة، أو مخلوق آخر غريب عنا، وإنما كل إنسان فيه شر و يعمل السوء فهو المقصود بالشيطان، فترسخت هذه الفكرة في ذهني.
كنت أقف للصلاة وحيدا، وقبل الانتهاء من الركعة الأولى أتركها باكيا محمر الوجه، محدثا نفسي: كم أنت منافق، بعد كل ما عملته تقف للصلاة وكأن شيئا لم يقع، وكأنك كباقي المسلمين، ويحك ابتعد عن الصلاة فإنك لست أهلا لها، والله إني أراني شيطانا، أنا الخائن، أنا العاصي، أنا الكافر، أنا الفاسق، أنا المحروم، اقترفت كل أنواع الذنوب والمعاصي والكبائر. أرجوكم ساعدوني، وإن كان الحل في قيام الحد علي وقتلي، لكن ألا يسخط الله علي، أن يسامحني، أن يتوب علي، أن يبعدني عن النار وعذاب القبر. أرشدوني مأجورين.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخي الفاضل، قرأت سؤالك أكثر من مرة، وأحب أن أضع نصب عينيك الأمور التالية:
أولاً: ما فعلته ذنب كبير وخطير لما تضمن من أذية إخوانك المسلمين وظلمهم، وهم براء مما تسببت عليهم به، والله عز وجل يقول: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا".
ثانياً: ليس هناك ذنب مهما عظم وكبر إلا هو تحت عفو الله ومغفرته، وربك جل وعز لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ومادام أن الإنسان لا يزال في فسحة الأجل، فلا أحد يحول بينه وبين التوبة، وأذكرك بقصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً؛ ثم ذهب يسأل راهباً عابداً هل له من توبة، فقال: لا، فأكمل به المائة، ثم سأل عالماً وأخبره بأنه قتل مائة نفس فهل له من توبة، فقال: ومن يحول بينه وبين التوبة، اذهب إلى أرض كذا وكذا فإن فيها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، فهاجر إلى الأرض التي فيها هؤلاء الصالحون فمات في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فوجدوا أنه أقرب إلى الأرض التي توجه إليها، فأخذته ملائكة الرحمة، وقال الله عز وجل: "إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ".
بل حتى الشرك من تاب منه تاب الله عليه، وغفر له وهو أعظم الذنوب وأكبر الكبائر.
ثالثاً: الواجب عليك التوبة إلى الله والاستغفار، ويجب عليك أمر آخر وهو إعلام الأجهزة الاستخباراتية التي كنت تتعامل معها ببراءة من اتهمتهم، وأنهم بريؤون من التهم التي رميتهم بها، حتى ولو ترتب على ذلك عقوبة تصيبك في دنياك ويسلم بها دينك، إن هذا واجب عليك بتخليصهم من الأذى الذي أصابهم بسببك.
رابعاً: احذر أخي الكريم أن يستخفك الشيطان، ويستحوذ عليك بتيئيسك من رحمة الله عز وجل، فإن الشيطان يغر الإنسان في الوقوع بالذنب، فإذا وقع بالذنب طوقه بمشاعر اليأس والقنوط، وأنه غير جدير برحمة الله ومغفرته حتى يدفعه أكثر إلى الاستغراق في الذنوب والمعاصي، وحتى يتلبس بخطيئة هي أكبر من ذنوبه، وهي اليأس من رحمة الله، وقد قال الله تعالى: "إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ".
فحذار من هذا الكمين الشيطاني؛ الذي يدفع الشيطان إليه من سبق وأن أوقعهم في حبائله من المعاصي والذنوب، وأما ما ذكره صاحبك من أنه ليس هناك وجود لشيطان، ولكن هناك جزء شرير من كل نفس، فهذا الكلام ليس صحيحاً من كل وجه، نعم يوجد في كل نفس ميل إلى الهوى والشهوة والمعصية بقدر معين، ولكن الشيطان هو الذي يدفع الإنسان إلى هذه الشهوات، ويزين له الذنوب، ولذلك أمرنا الله بالاستعاذة من الشيطان: "وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، "إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ".
فكل ذلك يدل على أننا مستهدفون بكيد الشيطان، ولكن الله عز وجل لم يسلمنا له، وإنما جعل لنا إرادة واختياراً، ومنحنا أسباباً تقينا من كيده ووسوسته، ومن أهمها كثرة ذكر الله عز وجل، والمحافظة على الأذكار والصلوات فإنها حصن يقي الإنسان من وساوس الشيطان.
خامساً: أنصحك بالتكفير عمّا سلف من ذنبك بالإحسان إلى الناس، ومساعدتهم ما استطعت، وأن تحاول جهدك مساعدة إخوانك المسلمين ذوي الحاجات بمالك وجهدك ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فإن ذلك سيكون سبباً لسعادتك وعافيتك وشعورك بسعادة تكافئ ما تشعر به الآن من تعاسة وتأنيب ضمير.
سادساً: أنصحك بقراءة بعض الكتب ومن أهمها: كتاب: "جدِّد حياتك" لمحمد الغزالي، وكتاب: "لا تحزن" للشيخ عائض القرني، وكتاب: "الوابل الصيب من الكلم الطيب" للإمام ابن القيم، فإن قراءة هذه الكتب ستساعدك إن شاء الله على تجاوز محنتك. أسأل الله لك التوفيق والسداد.
سابعاً: تذكر أن ربك أرحم بك من أمك التي ولدتك، وتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم. (ينظر الملف مرفق).
وتذكر قول ربك: "يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ"...
يسر الله أمـرك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
"هذه وولدها"
جيء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- بسبي من سبي هوازن، وإذا بين يدي السبي امرأة تسعى وقد زاغ بصرها وتحلب ثدياها تبتغي رضيعها الذي فقدته في السبي، وكان منظر ذهولها ولهفتها وفزعها لافتًا إليها الأبصار، وإذا النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ينظرون إليها، فبينا هي كذلك إذ وجدت رضيعها فأخذته فألصقته ببطنها، ثم ألقمته ثديها ترضعه لبنها وحنانها، وهي في حالٍ من التأثر العاطفي الشديد أن وجدته بعد أن أخذها الهلع خوفًا عليه، وذهبت بها ظنون هلكته كل مذهب.
وكان منظرًا غاية في التأثر والتأثير، وإذا برسول الله –صلى الله عليه وسلم- يجذب أبصار أصحابه إلى هذا المشهد قائلاً: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ وكان سؤالاً يحمل استفهامًا مثيرًا. فإن ما رأوه من حال هذه المرأة يدل على أنها كادت أن تفقد عقلها لما فقدت رضيعها، فكيف تلقيه في النار، ولذا قال الصحابة: لا والله يا رسول الله، وهي تقدر على أن لا تطرحه" عندها سكب النبي –صلى الله عليه وسلم- المعنى العظيم بعد هذه الاستثارة الذهنية قائلاً: (والله لله أرحم بعباده من هذه بولدها).
نتبين من هذه القصة:
1- الطريقة التربوية النبوية الرائعة في التعليم لإيصال المعاني بحشدٍ من المؤثرات التي تزيد المعنى جلاءً وتجعلها ذات وقعٍ مؤثرٍ في النفس، لقد كان مشهد المرأة وحالها وسيلة إيضاحٍ كبيرة استخدمها النبي –صلى الله عليه وسلم- ثم زاد على ذلك الاستثارة الذهنية والوجدانية بسؤاله. أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ وهو سؤال يستثير الذهن لترقب ما بعده، ويجعل النفس في حال تشوّفٍ للمعنى الذي سيتبع هذا السؤال، ثم أتبع ذلك بضرب المثل بحال هذه المرأة؛ ليتضح المعنى ويعظم وقعه على القلوب "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" فصلوات الله وسلامه على خير معلِّم للناس الخير، الذي جمع في تعليمه لطف التنبيه وجلاء التوضيح وحسن التأتي في إيصال المعاني للنفوس وتربية القلوب بها.
2- إن هذا المشهد كان يمكن أن ينتهي من دون أن يترك أثرًا غير علامة التعجب من فرط عاطفة الأمومة في هذا الموقف، ولكن الرسول –صلى الله عليه وسلم- اقتنص الفرصة ليجعل منه درسًا ربانيًا يفيض منه على القلوب معاني الرحمة الإلهية، لقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يغتنم كلّ فرصةٍ يمكن أن يُنفذ فيها علمًا، ويختار الظرف الأنسب لإيصال العلم، ويُراعي تهيؤ المتلقين واستشرافهم لما سيقول، ولذا كان هذا المشهد الفرصة المواتية التي اغتنمها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ليذكِّر فيها برحمة أرحم الراحمين، وكان وقع قوله الوجيز مربوطًا بهذا المشهد أبلغ من كلامٍ طويلٍ يمكن أن يقال في هذا المعنى.
فهل نحاول تقفي هذه البراعة النبوية في اقتناص فرص التأثير وبث المعاني التربوية بما يناسبها؟
3-لم يكن هذا الدرس النبوي في حلقة تعليمْ أو على عتبة منبر، وإنما كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه حوله يستقبلون مقدم هذا السبي، ومع ذلك جعل منه النبي –صلى الله عليه وسلم- مقامًا للتعليم، وذلك أن تعليم النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يكن مختزلاً في خطبة يخطبها، أو موعظة يلقيها، ولكنه كان علمًا مبثوتًا في الحياة كلها، فجلوسه على مائدة الطعام فرصة تعليمية، ودخوله للسوق فرصة تعليمية، ومشيه في الطريق ومجلسه مع أصحابه مجالات للتعليم والدعوة بمثل هذه الومضات المختصرة البليغة المقرونة بمجريات الحياة، ولذا ارتوت نفوس الصحابة، وتضلعت من علم النبوة الذي كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يبثه في نواحي حياتهم وتقلبات أمورهم.
وفي ذلك دلالة لنا أن نجعل تربيتنا لأبنائنا ومن حولنا مقرونة بأنشطة الحياة، وألا نقتصر في إيصال المعاني التربوية على النصائح الطوال، وأنه يسعنا اختـزال التوجيه التربوي في أحيانٍ كثيرة في جرعات مختصرة، ولكنها بليغة ومؤثرة؛ لأنها تأتي في مناسبتها من دون تكلف ولا إملال، فيحسن وقعها ويعظم أثرها.
4- هذا المعنى الذي وضَّحه النبي –صلى الله عليه وسلم- من خلال هذا المشهد، وهو عظيم رحمة الله بعباده، يوقظ في القلوب الرجاء، ويبعث في النفوس الأمل، فلا يعرف الناس رحمة أشد من رحمة الأم بولدها، وأشد ما تكون رحمة الأم بولدها في حال ضعفه وشدة حاجته إليها، وهي حال الرضاعة والطفولة المبكرة، وتتضاعف هذه الرحمة حين يكون طفلها عرضة لخطرٍ تخشى عليه منه، حينئذ تتضاعف رحمة الأمومة أضعافًا مضاعفة، وكان هذا حال المرأة التي رآها النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه.
ثم بيّن أن رحمة الله بعباده أعظم من رحمة الأمومة في هذه الحال. إن هذا المعنى يملأ قلب المؤمن بالطمأنينة والرضى، فإن عمل صالحًا ذكر عظيم رحمة الله فرجى قبوله، وإن قارف خطيئة ذكر رحمة ربه ورجى مغفرته، وإن نزلت به شدَّة تذكر عظيم رحمة الله فدعاه وهو موقن أنه لن يضيعه، وإن نزل به الموت تذكَّر أن منقلبه إلى رب هو أرحم به من أمه التي ولدته؛ فحسُن ظنه بالله واشتاق إلى لقائه.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - جمال محي الدين | ًصباحا 11:01:00 2009/09/29
أسأل الله جل وعلا أن يتقبل منك وأشكر الله تعالى فلولا الله لما تبت ولما تذكرت ولما أنبك ضميرك فشكر الله وهذا من لطف الله بك برغم أن عملك كان في قمة الإجرام لما يترتب عليه أذيه المسلمين ولان هذا من الذنوب التي تتعدى إالى الغير لاتيأس من رحمة الله مادمت في الدنيا فأنت في فسحة لك أن تتوب وأن تعود وأيقن أنك ستقبل بإذن الله فقط ما عليك إلا أن تصدق الله في توبتك وأن تبتعد عن أي شئ يذكرك بهذا العمل أو يساعدك في الرجوع إليه عليك بمرافقة الصالحين وقراءة الكتب التي ذكركها لك المسشار وساعد الناس الذين أوقعت بهم وتقبل الله منك وأعلم أن هذا من لطف الله بك وكرمه عليك وجزاك الله خيرا والسلام
2 - ناصح | ًصباحا 10:56:00 2009/12/02
ادا كانت توبتك صادقة مخلصة لله وحده فسيتوب الله عليك ,وقد وعد الله عباده بهده المغفرة من عنده قال عز وجل( ان الله يغفر الدنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم) واعلم ان ادى المسلمين يغضب الله ولا يرضاه ,فبادر باكثار الاستغفار وسال العفو لمن اديته لمن كان حيا ان شاء الله وانى اصحك بعدم العودة الى هدا العمل الشنيع مهما صعبت الطروف والحاجة وادعو الله ان يعوضه عليك خيرا منه وادعو الله ان ينجينا جميعا من كروب الدنيا والاخرة