الفهرس خزانة الاستشارات استشارات نفسية القلق

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

القلق

المجيب
موظف بوزارة التربية والتعليم
التاريخ الاثنين 18 صفر 1429 الموافق 25 فبراير 2008
السؤال

كيف أتخلص من القلق؟ علمًا أنني مسلم يمارس تعاليم الدين، أنا ضحية هذه الأمراض. فلا أستطيع أن أحقق التوحيد في حياتي؛ لأنني أخاف من الغد والمخلوقات أكثر من أنني أخاف من الله. وأنا أعاني كثيرًا من ذلك. أقرأ وأسمع الدروس، وأصلي، وأذكر الله، ولكن لا يتغير أي شيء. بماذا تنصحونني؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخي الكريم:
كان بودي أنك أسهبت أكثر في تفصيل رسالتك، وبيان سبب القلق الذي تعاني منه لاستخلاص العلة الأساس لمشكلتك. وهل القلق الذي تعاني منه وصل بك إلى حد المرض، بحيث أنه قد أثر على حياتك وعطل مصالحك، أم هو قلق إيجابي لشعورك أنه لم تحقق التوحيد وتخوفك من الغد ومن المخلوقات أكثر من الله تعالى. وخوفك ذلك وعدم تحقيقك للتوحيد هل هو خوف حقيقي أم إنه مجرد وساوس وأفكار مبالغ فيها؟!!.
وعلى كل فإن القلق والمشاعر السلبية التي يشعر بها الإنسان، هي غالباً ما تكون مرتبطة باستعداد نفسي أو بيولوجي. ويكاد يجمع علماء النفس؛ أن معظم الأمراض النفسية والمشاعر السلبية التي يعانيها الإنسان؛ إنما هي نتيجة أفكار خاطئة أوحـاها الإنسان لنفسه إثر حادث ما أو موقف معين..، وتحولت هذه الأفكار الخاطئة إلى اعتقاد ومن ثم إلى سلوك. فحياة الإنسان تسير حسب تصوراته ومعتقداته، وكلما غُذّيت هذه المعتقدات والتصورات بالأفكار الخاطئة والمفاهيم المغلوطة كلما تنوعت أمراضه النفسية وتفاقمت. وكلما غُذّيت بالعلم والقراءة والعمل الصالح، كلما سَعُـد الإنسان وحقق لنفسه الصحة النفسية السوية.
ولهذا كان اقتران الخوف بالعلم، أمران متلازمان في المسار، فكلما ازداد الإنسان معرفة بالله عز وجل وصفاته ازداد خوفاً منه عز وجل، يقول تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" [فاطر: 28]. وقال أحد العلماء: "من كان بالله أعلم كان له أخوف". فإذا زاد العلم بالله عز وجل زاد الخوف منه سبحانه وتعالى، وطرد ما سواه، وليتبين لك ذلك انظر مثلاً حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتأمل طمأنينة إيمانه وانشراح صدره الذي كان يلازمه، فبالرغم مما مر به من فتن علماء السوء، وامتحان الحكام وابتلائهم، فقد كانت حياته مزيجاً من المعاناة والحرمان، وكان يخرج من ابتلاء إلى امتحان، ومن فتنة إلى محنة، فشُرّد من بلده، وانتقل من سجن إلى آخر، حتى إنه مات في سجن القلعة في دمشق، ومع هذا فقد كان يقول "ما يصنع بي أعدائي أنا في جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة".
وقال رحمه الله "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة". ولعل في هذا إجابة واضحة لتساؤلك عن إصابتك بالقلق بالرغم من كونك مسلماً تمارس تعاليم الدين الإسلامي!!. فطبيعة الحياة أن الابتلاء سنَّة كونية، يُصاب بها المسلم وغيره، والفرق بينهما أن المؤمن يصبر ويحتسب لعلمه بسنة الابتلاء "وأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه" فتُكفّر بها سيئاته وترفع درجاته، أما الكافر والمنافق فيكون هذا الابتلاء عذاباً وشقاء له في الدنيا والآخرة، قال تعالى "ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" [العنكبوت:1-2]. وقال سبحانه "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين" [آل عمران:142].
فثق بالله تعالى وجاهد نفسك على طلب العلم حول الإيمان به سبحانه والتوكل عليه ومعرفة أسمائه وصفاته ومفهوم القـضاء والقدر ونحو ذلك مما يقوي الإيمان ويغذيه ويطرد الوساوس والشكوك.
وأكثر من دعاء الله تعالى والتضرع إليه أن يعينك بالخلاص من هذه المشكلة.
وأنصحك بإشغال نفسك بالمفيد من الرياضة، وتنمية هواياتك وتكوين العلاقات الجيدة وصلة الرحم ونحو ذلك. وأن تبحث عن الحل لمشكلتك في مظانها التي ذكرت لك، وليس الاستسلام لمشاعر الخوف وتأنيب الضمير، فضلاً عن أن تكون هذه المشكـلة مؤثرة على معتقداتك وتصوراتك.
ولتطمئن على رزقك وغدك، وأن ما قُدر لك يكون، فقد بين صلى الله عليه وسلم أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أيها الناس: اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها. فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. خذوا ما حل، ودعوا ما حرم" أخرجه ابن ماجة، رقم (2144)، وصححه الألباني، انظر صحيح سنن ابن ماجة (2/6).
وكيف تخشى على رزقه ومستقبلك وقد بين الرسـول صلى الله عليه وسلم أن الله كتب الرزق وتكفل به للإنسان حينما كان في رحم أمه، يقول صلى الله عليه وسلم "إنّ أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطـفة، ثم يكون علقـة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربـع كلمات: بكتب رزقــه وأجـله وعمله وشـقي أو سعيد.." أخرجه البخاري برقم: (320).
وما دام الأمر كذلك فاحرص على ما ينفعك، ولا تخشى على رزقك، ولا تُتعب نفسك وتشقيها بالتفكير في أمور مستقبلية مجهولة، أمرها إلى الله تعالى وليس إلى أحد من خلقه، فالله تعالى قد كتب ما كان، وما يكون، وما سيكون، ومالم يكن كيف يكون لو كان، ورزقك مما سيكون وقد كتبه الله لك، وتكفل به وأنت في رحم أمك، فما كُتب لك سيأتيك لا محالة، وما عليك سوى بذل السبب مع عدم التعلق به، فاعقلها وتوكل، ونم قرير العين يحفظك من كل سوء وشك وخوف.
وأسأل الله لي ولك ولصاحبك السداد والثبات على الإيمان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.