الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية العلاقات العاطفية الإعجاب والتعلق

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

تعلُّق نشأ في أحضان الدعوة

المجيب
معيدة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بجمهورية مصر
التاريخ الاثنين 03 شعبان 1429 الموافق 04 أغسطس 2008
السؤال

إذا كنت أستطيع البوح ببعض همومي فهي أني أحمل صدرًا مكلومًا على الدعوة، وأحمل قلب شاب ينصاع للعواطف تارة والشهوة تارة، رغم كونه نشأ في أحضان الدعوة، فأنا أتعدى في تعبيري عن حبي لبعض المقربين إلى القُبَل، ولا زيادة على ذلك قدر أنملة، وأتمنى أني مت ولم أفعل ذلك، علمًا أني لا أستطيع تركهم لأني أحبهم، فاللهو الموضوع هذا لا يمثل أي مشكلة، لأنه على رأيهم حاجة خايبة. أرشدوني..

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأخ السائل الكريم..
تمثل رسالتك نموذجا حيا على مرحلة المراهقة المتأخرة التي يعيشها كثير من شباب الأمة، فقد بلغت عامك العشرين وتدعي أن لك قلبا مكلوما على الدعوة، وتفعل ما تفعل من اعتداء على المحارم وعلى غيرهم، والذي تسميه أشياء أو أمور خايبة كما تعتبرها، وكما يعتبرونها أيضا... وما تفعله ليس إلا لهوا غير مباح، وهو من مقدمات الزنا التي لا يجب فيها الحد، ولكن يجب فيها التعزير، بل تجب فيها كفارة مقدمات الزنا..
إن المشكلة لا تحتاج إلى تشخيص، فقد وضعت يدك بنفسك على أمراض النفس التي تعانيها، واعذرني في قسوتي عليك، وأعطني الفرصة لكي أساعدك في الخروج -بإذن الله- مما أنت فيه، أستطيع القول إن أمامك طريقين للعلاج كالآتي:-
العلاج الإيماني، والعلاج السلوكي.
أولا: العلاج الإيماني:
فإن الزنا درجات، وله صور عديدة، فالنظر زنا العين، واللمس زنا اليد، والقبلة زنا الفم، والكلام الفاحش زنا اللسان، والمشي إلى الفاحشة زنا القدم، والاستماع إلى النساء الأجنبيات بقصد التلذذ بصوتهن زنا الأذن، وكل هذا مقدمات للزنا الأكبر الموجب للحد، وأما تلك المقدمات فلا حد فيها؛ مع حرمتها ووجوب التوبة منها، فلا كفارة لها إلا التوبة النصوح، والإكثار من الطاعات.
* جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما السماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه".
* وكفارة ذلك جميعاً هي التوبة النصوح إلى الله تعالى، والاستغفار، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار"، [التحريم:8 ].
* والتوبة النصوح هي التوبة الصادقة التي تحققت فيها شروط التوبة:
وأولها الإقلاع عن الذنب، وترك المعصية حالا إن كان الشخص متلبسا بها، وأن يندم على ما صدر منه، وأن يعزم عزما صادقا، وينوي نية خالصة ألا يعود إلى الذنب فيما بقي من عمره.
* ويشترط لقبول التوبة أن تكون قبل الغرغرة.. أي قبل ظهور علامات الموت، وأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها.
* وينبغي أن تتبع بالأعمال الصالحة، فإن ذلك يزيل أثرها، ويطهر العبد من أدرانها ويبدلها حسنات، كما قال تعالى: "إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات"، [هود:114]، وقال تعالى: "وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً"، [الفرقان:68]، وقال تعالى: "إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً". [الفرقان:70].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط).
هذه هي كفارة جميع الذنوب مع الإكثار من أعمال البر والنوافل.
وأما الحد الوارد في قوله تعالى: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ". [النور:2].
فإن ذلك خاص بمن ارتكب جريمة الزنا المغلظة -الجماع المحرم-، أما مقدمات الزنا فإن فيها التعزير حسب اجتهاد الحاكم، وقال بعضهم إذا حصلت خلوة ولم يحصل زنا فيجلدان عشرة أسواط، وقيل غير ذلك.
والحاصل: أن كفارة هذه الأمور هي التوبة النصوح، والإكثار من أعمال الخير، وننصح السائل الكريم بالزواج، وصحبة أهل الخير.
إليك قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
وإذا رمت أن تحيا سليمًا من الردى *** ودينك موفـور وعرضـك صيـن
فلا ينطقن منـك اللسـان بسوءة *** فكلـك سـوءات وللنـاس ألسـن
وعينـاك إن أبـدت إليـك معايبـا *** فدعها وقل يا عين للنـاس أعيـن
وعاشر بمعروفٍ وسامح من اعتدى *** ودافع ولكن بالتـي هـي أحسـن
وقوله أيضًا رحمه الله تعالى:
عفُّوا تعفُّ نساؤكم في المحرم *** وتجنبوا ما لا يلـيق بمسـلم
إن الزنا ديـن فإن أقرضـته *** كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
يا هاتكًا حرم الرجال وقاطعًا *** سبل المودة عـشت غير مكرم
لو كنت حرًّا من سلالة ماجد *** ما كنت هتاكًا لحـرمـة مسلم
من يَزنِ يُزنَ به ولو بجداره *** إن كنت يا هـذا لبيبًا فافهـم
من يَزنِ في قوم بألفي درهم *** يُزن في أهل بيته ولو بالدرهم
فكن لبيبًا وكن عفيفًا، وقبل هذا وذاك كن رجلا على قدر المسؤولية، وارحم من في الأرض حتى يرحمك من في السماء، واخشَ على أهل بيتك وذريتك أن يأتيك العقاب فيهم، وتذكر يوم العرض على الله يوم تقتص الشاة الجلحاء (التي لا قرون لها) من الشاة القرناء (التي لها قرون).
وأسألُ الله تعالى أن يرقق قلوبنا، ويرزقنا الرحمة بخلقه، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ثانيا؛- العلاج السلوكى، ويشمل (التوبة وشروط قبولها، وعلامات ذلك، والدلائل على سعة رحمة الله بعباده الخطائين).
استقبال المولى لعبده وفرحه بتوبته:-
إن باب التوبة مفتوح، إن الله سبحانه وتعالى يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، والله يرغبنا في التوبة "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا"، والله عز وجل يقول: "نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم" رواه أحمد ومسلم.
أولاً: عليك عزيزي السائل أن تجاهد نفسك، قال تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا"، وقال جلَّ شأنه: "لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ"، والنفس اللوامة -كما قال العلماء- هي التي تلوم صاحبها إذا أتى قولاً أو فعلاً يخالف شرع الله، والتوبة لا بد أن تتوفر شروطها:
1- الإقلاع عن المعصية تمامًا.
2- الاعتزام على عدم العودة.
3- الندم عليها.
4- رد الحقوق إلى أصحابها إذا كانت تتعلق بحقوق العباد.
5- تجديد التوبة بين الحين والآخر؛ فالمسلم عرضة دائما للوقوع في الذنب.
وإلى جانب ذلك عليك أن تجدد التوبة ولا تيئس من رحمة الله، مع الأخذ بالأسباب التي تقيك وتحفظك من الوقوع في الذنب مرة ثانية، فإذا كان الذنب المشار إليه هو زنا أو نظر إلى محرم، فيجب عليك أن تلتزم بما دعت إليه الشريعة من غض البصر، البعد عن بيئات الفساد -الابتعاد عن مراكز بؤر الإثارة- مغادرة المجالس التي يتحدث أصحابها في هذه الأمور، دعوة الله تبارك بأن يعينك ويقوي إيمانك، وإذا قوي إيمانك فإنك حتما ستقلع عن الذنوب والموبقات، وينبغي عليك أن تجتهد بأن تعفَّ نفسك بالحلال وهو الزواج وفق ما شرع الله.
أولاً: نحن نحيا عمرنا كله بين مقاومة الذنوب ومدافعتها، وبين الوقوع فيها في بعض الأحيان، وبين التوبة والندم عند الوقوع، ولو لم نكن كذلك لذهب الله بنا وأتى بغيرنا؛ لأنه سبحانه لو أراد لجعلنا بلا ذنوب، ولكننا عندها سنفقد لذة المجاهدة والمدافعة، وكذلك ستنتفي أسباب رفعة وتفضيل بعضنا على بعض، كلٌّ حسب تقواه ومجاهدته لنفسه.
ثانيًا: إحسان الظنِّ بالله تعالى محورٌ أساس في العلاج؛ لأنني لو أذنبتُ ثم تبتُ ثم أذنبتُ ثم تبتُ ثم عدت للذنوب، كلُّ هذا سيصيبني بالخجل من الله تعالى من كثرة ما وعدته سبحانه، وهذا بالطبع سيصيبني بالإحباط واليأس، ولكنّ الله سبحانه نحمده حمدًا كثيرًا كبيرًا، أرحم بنا من أنفسنا ومن أهلينا، يعلم ذلك فينا فيصبر ويحلم ويتوب ويغفر، ويمنحنا الفرصة تلو الأخرى، وهذه طائفةٌ من الأحاديث التي تدلُّ على فضله ورحمته سبحانه:.
3- قال عليه الصلاة والسلام: "لله أشد فرحا بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها، قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" رواه البخاري ومسلم.
4- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه مسلم.
فأحسن الظنَّ بربك يا أخي ولا تيأس، وتب إليه دائمًا مهما أخطأت، وتأكد أن بابه سبحانه مفتوحٌ دائمًا للتائبين المنيبين.
ثالثًا: مسألة الابتعاد عن الأسباب والمقدمات أمرٌ أساس للابتعاد عن المعصية، فلا يعقل أن أقول مثلاً بأنني أريد التوبة عن شرب الخمر، وأنا ما زلت أذهب للخمارات، أو الزنا وأنا أداوم السهر في الملاهي الليلية، إغلاق أبواب الشيطان ضروريٌّ وأساسيّ، فإذا كنت ممن يكثر الدخول على المواقع السيئة على الإنترنت، إذن إما أن أتوقف عن دخول الإنترنت حتى أُهَذِّبَ نفسي، أو أشترك مع شركةٍ من الشركات التي تضع تنقيةً للمواقع وتقييدًا لها، أكثر من الغيبة والنميمة، أبتعد عن مجالسها وقعداتها، وهكذا، المهم هو قفل أبواب ومداخل الشيطان بالابتعاد عن الأسباب، وضع الأسباب والمقدمات.
رابعًا: ضع برنامجَ تعزيرٍ عند اقترافك الذنوب، مثلاً إذا اقترفت الذنب الفلانيَّ أتصدَّق بمبلغ كذا، وإذا كررته أزيد العقاب، وهكذا حتى أقلع، ولكلِّ إنسانٍ القدرة على تحديد وسيلة التعزير الأنفع والأكثر تأثيرًا فيه.
خامسًا: قال تعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ"، قال ابن عطية في تفسيره للآية: هو جهادٌ عامٌّ في دين الله وطلب مرضاته، وقال الشوكاني في تفسير "وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ": وإن الله لمع المحسنين بالنصر والعون، ومن كان معه لم يُخْذَل.
فابتعد يا أخي عن مقدمات وأسباب الذنوب.. تب إليه دائمًا.. تأكد أنه سبحانه سيغفر لك إذا ما تيقن منك صدق العزم.. جاهد نفسك دائمًا.. ضع لنفسك برنامجًا تعزيريًّا عند الوقوع في الذنوب.. وإياكَ أن تنسى الدعاء واللجوء إلى ربك الكريم بأن يعينك وينصرك ويهديك.. وتأكد أن من كان مع الله فلن يُخْذَل. ووافنا بأخبارك لو تكرمت.
• ولا تنس أن ممارسة الرياضة أمر ضروري لحفظ البدن من أمراض النفس والجسد والقلب، وهي وسيلة مشروعة لتفريغ الطاقات المكبوته داخلك.
• وأعتقد أن المشي أقرب وأرخص وسيلة لممارسة الرياضة، ولو حتى حول المنزل عدة مرات صباحا ومساءً، مع ترديدك لأذكار الصباح والمساء، وهذا من أضعف الإيمان.
• تحرر من سيطرة الفكرة التي تملي عليك أنه كلما التقيت بأحد منهم فلابد من تقبيلهم وأنه لهو ولا شيء آخر.
• تذكر مراقبة المولى لك في كل نفس، وفكِّر في الخاتمة والحال التي تحب أن يبعثك الله عليها. وحماك الله من نفسك التي بين جنبيك، وفي انتظار رسالة أخرى تبشرني فيها بتحررك من عبودية الشهوة، وأنك اشتركت في جمعية ذات نشاط طوعي في أي مجال. المهم أن تترك الفراغ إلى العمل فلا وقت لديك حتى تضيعه أتركك في رعاية الله والسلام.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.