الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية اجتماعية أخرى

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

أكره نفسي!

المجيب
التاريخ الاحد 16 ذو الحجة 1429 الموافق 14 ديسمبر 2008
السؤال

أنا إنسانة مؤمنة وراضية دائما بما كتب الله والحمد الله، والكل يصفني بأنني ذات عقل ونضج، مرحة ذكية متزنة، الكل والحمد الله يحبني، طيبة وعلى نياتي، وأنا دائما أملي بالله كبير، حدث لي مؤخرًا شيء غريب، حيث لم أعد قانعة بتلك الكلمات التي هي (الصبر الأمل الفرج) لم يعد لدي ثقة بشيء، يأس إحباط، لا توجد لدي رغبة أبدا في الحياة، نعيش الكذب، وعلى قول غدًا سيكون غدًا مشرقًا، فيما هو غد أسود كاتم، مللت كل شيء، أكره نفسي وأكره رؤية وجهي في المرآة، لا أطيق حتى سماع صوتي، أرى غيري يعيش وحياته مستمرة، أنا أعيش لأرى من تسير حياتهم كما يريدون، عشت حياتي كلها أدعو وأدعو ولكن لم يتغير شيء، سؤالي لماذا أنفاسي مستمرة طالما الحياة لا تريدني أن أعيش كغيري، نصائح مواعظ كلها أعرفها وأحفظها، وحفّظتها أيضا لغيري من أمثالي، المشكلة والمصيبة أنني أعرف جيدا بأن الموت ليس منجاة من الحياة، إذاً ماذا أفعل، لا حياة أطيقها ولا موت، قد يكون بداية عذاب أبدي، كما أنني أعرف جيدا بأن حسناتي ليست بأكثر من سيئاتي، إذاً على ماذا أموت، وأذهب للحساب والعقاب.
الخلاصة لم أعد أطيق هذه الحياة، أريد أن أوذي نفسي بأي طريقة، أسعى الآن لأذية جسدي لا أدري لماذا، وكأنه عقاب أعاقب نفسي به، يمكن لأنني أكرهها، فكرهها يزداد يومًا بعد يوم، المصيبة العظمى هي بأنني لم يعد إيماني بالله كما في السابق، أحس بأن هناك خللاً أستغفر الله وأتوب إليه. أرشدوني مأجورين.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الأخت الكريمة:
لقد جمعت لك مقتطفات من كلام خيرة الأساتذة مما وجدته يتناسب وحالتك التي وصفتيها، أعتقد أنها فترة و تمر.. ربما الفراغ. أو أنك تحسين بعدم اهتمام الآخرين بك وبعدم فهمهم لك..
أختي... لحل مشكلتك.. يجب أن تفهمي الأسباب...
ما الذي جعلك تصبحين هكذا؟
وكيف يبلغ اليأس في مسلم تلك الدرجة؟!
 أختي:
إن الحزن والكبد جزء من سمات هذه الحياة، فلن تجد إلا مكتئباً وحزيناً، ولكن تحمُّل النفوس له مختلف ودرجاته متفاوتة، فنظرتك للحياة تحتاج إلى تغيير، فأكثري من تذكر ما جرى لك مما يفرح ويسر، وأكثري من تخيله فسوف يحدث لك توازنًا في عقلك الباطن الذي حفظ مواقف كثيرة سلبية.
أختي العزيزة:
لا تعولي على الأشياء التي لم تحصلي عليها وتظني أنها سوف تسعدك، وتأكدي أن فراغ النفس مؤلم للشعور، فاشغلي نفسك وبدنك بما ينفعك، وإياك والفراغ السلبي الباعث على الشعور المهلك، وقللي من خلوتك بنفسك مدة حتى تستقري، واستعيني بالله –سبحانه- وأديمي ذكره، والقيام بأعظم حقوقه وهي عبادته وأداء فرائضه الواجبة والنافلة، وبعد ذلك شاركي في تفريج هم ونصرة مظلوم ورعاية يتيم ومساعدة محتاج، فإن أثر الإحسان على النفس عظيم.
أولاً: كوني واثقة أنك ستتخلصين من هذه المشكلة عاجلاً غير آجل، وأنك أقوى منها، وأن الأمر لا يتجاوز (حالة هبوط مزاجي) قد تتكرر.. ولكنها سرعان ما تتلاشى.. لتستعيدي صفاءك الذهني والنفسي، وأنك متيقنة أن كل هذه السحب القاتمة في نفسك هي سحابة صيف عابرة سرعان ما تنقشع..!! هذا الأمر وهذه القناعة هامة جداً؛ لأنها تعيد لك زمام الأمر، فإذا شعرت بالضيق والحزن فأخرجيه من أعماق النفس وابسطيه أمامك على شكل سحابة صيف وراقبيها حتى تزول، ولا تخرجي الأمر من هذه الدائرة بقدر المستطاع. 
ثانياً: كثيراً ما تنتابنا أعراض شبيهة بأعراض الاكتئاب مثلما ذكرت، فإذا توقفنا عندها طويلاً وحملناها أكثر مما تحتمل زادت وترسخت، وأصبحت مع الوقت سحباً ثقيلة متراكمة تحجب عنا ضوء الشمس وتشعرنا بالبرود النفسي..!!! والكآبة والسأم..!!
أما إذا فهمنا آلية تكون هذه السحب، وأن مآلها إلى الزوال، وأنها كما أسلفنا (لن تتجاوز سحب الصيف) سرعان ما تنقشع، وانشغلنا عن مراقبتها بأمور حياتنا وتفاصيلها ولم نتوقف عندها طويلاً، فإنها بإذن الله ستزول، وسيصبح أمر وجودها وعدمه لديك سيان، بل هما أمران ضمن عشرات الأمور الحياتية المتباينة ما بين الهناء والسرور، والحزن والحبور!!!
سنة الله في خلقه..
ثالثاً: أحياناً يكون الاكتئاب استجابة أو رد فعل للضياع أو الفقدان، والمعنى هنا أن اكتئابك مرده لفقدان مكانة، أو ضياع أمل، أو عدم قدرة على تحقيق مكانة ما!!! وربما كان نتيجة لتوجه (سلبي) تجاه الذات.. أي أن الإنسان يرى ويعتقد أنه إنسان فاشل بشكل أو بآخر، وأنه غير قادر على النجاح المهني والاجتماعي!! وهذا ما يسبب له الإحباط.. ومن ثم الاكتئاب..!! والرأي هنا أن تثقي أن الكمال لله وحده، وأنك مطالبة بفعل الأسباب، وأن المقدر لك أو عليك كائن لا محالة، وأنك لست أقل قدراً وقدرة من الآخرين.. بل ربما تفوقت عليهم في كثير من الأشياء!!
والخلاصة.. انظري لنفسك بشكل إيجابي، وتفاعلي مع الآخرين، وستجدين بإذن الله نتائج رائعة.. (فكما تفكرين تكونين) تلك حقيقة مجربة.
رابعا: الشخص المصاب بالاكتئاب قريب جداً للشخص الذي ينظر للعالم من منظار أسود..!!! وسواء أكنت تفكرين في نفسك أو في الدنيا والناس، أو في المستقبل.. فإن كل الأشياء ستظهر أمامك مصبوغة في هذا اللون الأسود الكئيب..!!
والحل هنا بسيط. وهو تغيير هذا المنظار إلى لون آخر، وسترين الأشياء من خلاله بشكل آخر، بل وتعيدين اكتشاف نفسك، ورؤيتك لها وللعالم المحيط بك.
خامساً: من واقع حياتك أرى أنك إلى حد كبير ناجحة اجتماعياً بل ومتميزة.. عاقلة ناضجة.. مرحة ذكية.. متزنة وطيبة.. وهذا شيء رائع، حاولي تنميتها واستثمارها.. ولا بأس من إعادة ترتيب حياتك بشكل آخر، وبرمجة وقتك من جديد.. وإعادة ترتيب غرفتك.. وإن استطعت صياغة وترتيب بعض الأشياء الأخرى داخل المنزل كل هذه الأمور –صدقيني –على بساطتها– تعطي للحياة معنى وطعمًا.. وتساعدنا على مقاومة أي شعور بالكسل يسبب لنا الاكتئاب، ولا تتوقعي أنك ستجدين كل المتعة التي تجدينها وأنت بوضعك الطبيعي.. بل ستقل بعض الشيء.. وربما تلاشت..!! ولكن المهم هنا هو ألا تتوقفي عن برامجك الخاصة والعامة، ولا تستسلمي لهذا الشيء، بل تقاوميه وستنتصرين عليه –بعون الله– ببساطة. وجميل منك لو وضعت مفكرة صغيرة تدونين فيها أعمالك التي ستنجزينها في هذا اليوم.. وفي نهاية الأسبوع تقومين هذه الأعمال.. وأكثرها لك إبهاجا، وما الذي أبدعت فيه أو أخفقت فيه، ثم تضعين خطتك للأسبوع المقبل على ضوء تقييمك لهذا الأسبوع. 
سادساً: هناك أكثر من مشكلة طرحت في الموقع حول الاكتئاب بزوايا مختلفة آمل الاطلاع عليها، فربما وجدت فيها أشياء أخرى تبحثين عنها، ومنها ما نشر تحت عنوان (اكتئاب وهلع.. وأمور أخرى) و (نداء يائس) وهي استشارات نفسية.
سابعاً: لا تنسي أختي الكريمة قبل هذا وبعده.. صدق الالتجاء إلى الله، والدعاء الصادق بأن يعينك الله، ويلهمك طريق الرشد والصواب، واذكري الله قائمة وقاعدة (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) وفقك الله وسدد على طريق الحق خطاك.
وأخيرا هناك كلمات للشيخ عايض القرني رائعة أود أن تقرئيها بتمعن..
لا تحزن لأن الحزن يزعجك من الماضي، ويخوفك من المستقبل، ويذهب عليك يومك.
لا تحزن لأن الحزن يقبض له القلب، ويعبس له الوجه، وتنطفئ منه الروح، ويتلاشى معه الأمل.
لا تحزن لأن الحزن يسرُّ العدو، ويغيظ الصديق، ويُشمت بك الحاسد، ويغيِّر عليك الحقائق.
لا تحزن لأن الحزن مخاصمة للقضاء، وخروج على الأنس، ونقمة على النعمة.
لا تحزن لأن الحزن لا يردُّ مفقوداً، ولا يبعث ميتاً، ولا يردُّ قدراً، ولا يجلب نفعاً.
لا تحزن فالحزن من الشيطان، والحزن يأس جاثم وفقر حاضر، وقنوط دائم وإحباط محقق وفشل ذريع.
لا تحزن إن كنت فقيراً فغيرك محبوس في دَيْن، وإن كنت لا تملك وسيلة نقل فسواك مبتور القدمين، وإن كنت تشكو من آلام فالآخرون مرقدون على الأسرة البيضاء، وإن فقدت ولداً فسواك فقد عدداً من الأولاد في حادث واحد.
لا تحزن إن أذنبت فتب، وإن أسأت فاستغفر، وإن أخطأت فأصلح، فالرحمة واسعة، والباب مفتوح، والتوبة مقبولة.
لا تحزن لأنك تُقلق أعصابك، وتهزُّ كيانك، وتتعب قلبك، وتُسهر ليلك.
ولـربَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفـتى      ***      ذرعاً وعند الله منها المخرَجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها     ***       فٌرِجَت وكان يظنُّها لا تُفرجُ
لا تحزن لأن القضاء مفروغ منه، والمقدور واقع والأقلام جفت، والصحف طويت، فحزنك لا يقدم في الواقع شيئاً ولا يؤخر.
لا تحزن على ما فاتك، فإنه عندك نعماً كثيرة، فكِّر في نعم الله الجليلة، وفي أياديه الجزيلة، وأشكره على هذه النعم، قال تعالى "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".
لا تحزن من كتابة أهل الباطل والعلمانية في الصحف والمجلات والجرائد فذاك غثاء كغثاء السيل، ولكن قل "موتوا بغيظكم".
لا تحزن من نقد أهل الباطل والحساد، فإنك مأجور من نقدهم وحسدهم على صبرك، ثم إن نقدهم يساوي قيمتك، ثم إن الناس لا ترفسُ كلباً ميتاً.
لا تحزن وأكثر من الاستغفار، فإن ربك غفّار "فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً".
لا تحزن فإن المرض يزول، والمصاب يحول، والذنب يُغفر، والدَّيْن يُقضى، والمحبوس يُفك، والغائب يَقدم، والعاصي يتوب، والفقير يَغتني.
لا تحزن ولا تراقب تصرفات الناس فإنهم لا يملكون ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ولا ثواباً ولا عقاباً، وقديماً قيل: من راقب الناس مات همَّاً.
 لا تحزن ما دمت تُحسن إلى الناس، فإنَّ الإحسان إلى الناس طريق السعادة.
لا تحزن فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بمثِلها.
لا تحزن فأنت من روَّاد التوحيد، وحملة الله، وأهل القبلة، وعندك أصل حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم، فعندك خير وأنت لا تدري.
لا تحزن فأنت على خير في ضرائك وسرائك وغناك وفقرك وشدتك ورخائك "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاء فصبر كان خيراً له".
لا تحزن فإن هناك أسباباً تُسهِّل المصائب على المُصاب.
من ذلك:
1- انتظار الأجر والمثوبة من عند الله "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".
2- رؤية المصابين من حولك.
3- إن المصيبة أسهل من غيرها.
4- أنها ليست في دين العبد.
5- إن الخيرة لله رب العالمين "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم....".
لا تحزن وعندك القرآن والذكر والدعاء والصلاة والصدقة وفعل المعروف والعمل النافع المثمر.
لا تحزن ولا تستسلم للحزن عن طريق الفراغ والعطالة، ولكن صَل وسبِّح واقرأ واكتب واعمل واستقبل وتأمَّل. 
لا تحزن أما ترى السحاب الأسود كيف ينقشع، والليل البهيم كيف ينجلي، والعاصفة كيف تهدأ؟ إذاً فشدائدك إلى رخـاء، وعيشك إلى صفاء، ومستقبلك إلى نعماء، إن شاء الله.
لا تحزن ولكن إذا بارت بك الحيل، وضاقت عليك السُّبل، وانتهت الآمال، وتقطعت بك الحبال فنادي وقل: يا الله..
إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وضاقت عليك نفسك بما حملت فاهتف وقل: يـا الله  إذا وقعت المصيبة، وحلت النكبة، وجثمت الكارثة فنادي وقل: يا الله..
إذا ضاق صدرك، واستعسرت أمورك فنادي وقل: يا الله..
إذا أوصدت الأبواب أمامك فنادي وقل: يا الله..
ولقد ذكرتك والخطوبُ كوالحُ         ***      سودً ووجه الدهر أغبرُ وقاتمُ
فهتفت في الأسحار باسمك صارخاً    ***      فإذا محيَّا كلُ فجرٍ باسم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.