الفهرس خزانة الاستشارات استشارات اجتماعية العلاقات الزوجية قبل الزواج اختيار الزوج أو الزوجة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

هل قوة شخصيتي تعارض قوامته؟

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الاحد 30 ذو الحجة 1429 الموافق 28 ديسمبر 2008
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أريد أن أفهم معنى قوامة الرجل؛ حيث إن خطيبي عندما علم أن شخصيتي قوية شعرت أنه قلق على قوامته في البيت، فهل معنى هذا أنه يجب أن أكون ضعيفة الشخصية حتى تكون له القوامة؟ ولماذا ينظر لنا الرجال هذه النظرة؟ هل هو قصور في التفكير أم ماذا؟

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فبارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في الخير، وبصَّركِ الله بخطواتك كلها، وجعل الخير حليفك، والنجاح سمات خطواتك، والسعادة بصمة في قلبك، ورضي الله عنكِ وأرضاكِ في الدنيا والآخرة، اللهم آمين.
أختنا (الفاضلة)، سأعرضُ لكِ خمس إشارات، ستجلو حيرتكِ بإذن الله تعالى:
الإشارة الأولى: ما هي القوامة؟
يقول الله تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ" [النساء:34].
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: (الرجل قَيّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجَّت)، وجاء في فتح القدير: (أنهم يقومون بالذب عنهنّ، كما تقوم الحكام والأمراء بالذبّ عن الرعية، وهم أيضاً يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن)، وقال الطبري رحمه الله: (الرجال أهل قيام على نسائهم، في تأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم)، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير ابن أبي حاتم: (أُمَرَاءُ عَلَيْهِنَّ، أَنْ تُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَةٍ، وَطَاعَتُهُ أَنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً إِلَى أَهْلِهِ حَافِظَةً لِمَالِهِ)، وقال ابن العربي في أحكام القرآن: (فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، وَيُحْسِنَ الْعِشْرَةَ وَيَحْجُبَهَا، وَيَأْمُرَهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَيُنْهِيَ إلَيْهَا شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ إذَا وَجَبَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهَا الْحِفْظُ لِمَالِهِ، وَالْإِحْسَانُ إلَى أَهْلِهِ، وَالِالْتِزَامُ لِأَمْرِهِ فِي الْحَجَبَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ، وَقَبُولِ قوله في الطاعات).
ومن هذه الأقوال يتضح أن قوامة الرجل على المرأة معناها: (أنه الحاكم والأمير والمؤدب لها، وأن عليه تأمين المهر والنفقة والكسوة والمسكن، وكذا حُسنُ عشرتها، وأمرها بطاعة الله، وتعليمها الشرائع، مع الأخذ على يدها إن احتاجت إلى ذلك، وأن عليها طاعته في غير معصية، وحفظه، وحفظ ماله، والإحسان إلى أهله).  
الإشارة الثانية: هل القوامة تسلب شخصية المرأة!؟
إن العلاقة بين الزوجين يجب أن تكون علاقة مسئولية من طرفين لا من طرف واحد، علاقة شريكين مسئولين عن تحقيق أهداف الزواج التي شرعها الله تعالى، ومنها تحقيق أجواء المودة والرحمة التي هي سر نجاح البيت المسلم، من خلال الكلمة الطيبة، والنصيحة الدافئة، والقدوة الحسنة، والأدوار المتكاملة، ومن هنا نحتاج أن نحفظ لكل زوج شخصيَّته التي ارتضيناها حين ارتضيناه زوجاً، نحتاج إلى علاقة مبنيَّة على التكامل لا  التصادم، فمعيار التكامل يعني أن يستفيد كل طرف من المهارات والصفات الإيجابية لدى الطرف الآخر، ويرى أن نجاح شريك حياته نجاح له، ومن هنا يسعى إلى تحفيزه، ومساعدته، وتهيئة الأجواء الإيجابية لتنمية هذه المهارات، وتوظيف هذه الصفات في بناء شخصياتهما، وتربية أولادهما.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال التالي:
1- أن يَتَعَرَّف كل زوج على خصائص شريك حياته، ويعمل على استثمارها لتوثيق علاقتهما، وتربية أولادهما.
2- العمل على التحاق الزوجين بدورات أسرية ومهارية متخصِّصة؛ لإكسابهما ثقافة وقدرات عملية.
3- تعزيز كل زوج لأفكار ومرئيات شريك حياته، مع فتح قنوات حوار إيجابي بينهما.
4- الاحترام والتقدير الخالص المتبادل بين الزوجين، وخصوصاً أمام الأسرة أو الأولاد.
5- استحضار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في أسلوب تعامله مع أزواجه رضي الله عنهن.
6-  تهذيب نزعة التسلط والاستقواء لدى الزوجين ليحل مكانها خصال المودة  والتعاون.
7- البعد عن المعاصي، وتطوير الذات، وتنمية القدرات، والثقة بالنفس، أسباب لقوة الشخصية.
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: (إن هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني؛ ولا إلغاء وضعها "المدني" -كما بينا ذلك من قبل- وإنما هي وظيفة -داخل كيان الأسرة- لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها. ووجود القيم في مؤسسة ما، لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها، والعاملين في وظائفها. فقد حدد الإسلام في مواضع أخرى صفة قوامة الرجل وما يصاحبها من عطف ورعاية، وصيانة وحماية، وتكاليف في نفسه وماله، وآداب في سلوكه مع زوجه وعياله).
الإشارة الثالثة: أين الخلل!؟
قد يكون شعوركِ ليس في محله، وقد يكون صواباً بسبب: نظرته للمرأة على أنا تابعة للرجل منفِّذة لأوامره وتوجيهاته فقط، أو أن تكون شخصيتة متسلِّطة متفرِّدة، أو الفهم الخاطئ لمفهوم قوامة الرجل فيتحول إلى شخصية مستبدَّة، تُطالِبُ بالطاعة المطلقة، وأياً كان الوضع فلابد أن يكون لكِ جلسة هادئة إن كان العقد قد تم بينكما لمناقشة هذا الأمر بدقة، ويمكنك الاستزادة من مقالتنا (الذوبان الزوجي) ففيها خير بإذن الله تعالى.
الإشارة الرابعة: القوامة هندسة للمجتمع، تُعَد قوامة الرجل على المرأة ولاية يقوم الزوج من خلالها بما يصلح حال بيته وزوجته، وهي هنا تكليف للزوج، وتشريف للزوجة، فقد أقام الشرع الحكيم للمرأة قيماً يقوم على شؤونها، ويعمل على تحقيق السعادة لها، ويدفع عنها ما قد يسوؤها في دينها ودنياها، ومن هنا فالنظرة إلى القوامة على أنها إلغاء لشخصية المرأة أمر مرفوض، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع زوجاته رضوان الله عليهن، معاملة فيها غاية الاحترام لرغباتهن، وأحاسيسهن، وشخصياتهن المستقلة، بل وتقدير رؤاهن وعقولهن، بل كان متبسطاً معهن، في خدمتهن، "فعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ" رواه البخاري، ثم إن الشارع جعل للقوامة ضوابط عدة: على الزوج: أداء الواجبات "المهر، والنفقة، والسكن، والعشرة بالمعروف"، وعلى الزوجة: طاعته بالمعروف، وعدم الخروج من البيت إلا بإذنه، ولا تأذن لأحد يكرهه بدخول بيته، ومراعاة شؤونه.
جاء في كتاب المرأة وكيد الأعداء: (أما قوامة الرجل، فالمرأة أحْوَجُ إليها من الرجل، لأن المرأة لا تشعر بالسعادة وهي في كنف رجل تساويه أوتستعلي عليه، حتى لقد ذهبت إحداهُن إلى القاضي تطلبُ طلاقها من زوجها، وحجتها في ذلك أنها سئمت من نمط الحياة مع هذا الرجل الذي لم تسمع له رأياً مستقلاً، ولم يقل لها يوماً من الأيام كلمة: لا  أو: هكذا يجب أن تفعلي، فقال لها القاضي مستغرباً: أليس في هذا الموقف من زوجك مايعززُ دعوة المرأة إلى الحرية والمساواة!. فصرخت قائلة: كلا.. كلا.. أنا لا أريد منافساً؛ بل أريد زوجاً يحكمني ويقودني.
لقد أُسِيء فهم القوامَة، أو هكذا أريد أن تفهم، فقوامةُ الرجل على المرأة قاعدة تنظيمية تستلزمها هندسة المجتمع، واستقرارُ الأوضاع في الحياة الدنيا، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعاً: "كلُّ نفس من بني آدم سيِّدٌ، فالرجل سيد أهله، والمرأة سيدةُ بيتها"، والنطاقُ الذي تشمله قوامةُ الرجلِ لا يمسُّ حرمة كيان المرأةِ ولا كرامتها، فهو محصورٌ في مصلحةِ البيت، والاستقامة على أمر الله، وحقوقُ الزوج، وأما ماوراء ذلك فليس للرجل حقُّ التدخل فيه، كمصلحة الزوجة المالية، وليس عليها أن تطيعه في المعصية، أو في غير المعروف).
الإشارة الخامسة: خاتمة
الزواج نعمة من أجلٍّ نعم الله على خلقه، بل هو آية من آيات الله التي تدل على كمال عظمته وحكمته، والإسلام جعل العلاقة الزوجية علاقة متميزة، وبوأها المكانة العالية، ومن هنا كان الحفاظ على هذه الرابطة، والتعامل بانضباط متقن بين الزوجين، وإشاعة أجواء الحب والجسد الواحد، من علامات الزواج الناجح.. سِيَّما وقد توعّد الشيطان بإغواء بني آدم، والعمل على التفريق بين المرء وزوجه؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنةً: يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئا. قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرّقتُ بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه فيلتزمه ويقول: نِعمَ أنت".
ولكي تبقى جذوة الحب قائمة، وليرتد شياطين الإنس والجن على أعقابهم صاغرين، وليُحقق الزواج أهدافه التي شُرِعَ من أجلها، كان لا بد من أرضية واضحة صلبة يلتقي فيها الزوجان، يتفقان فيها على خطوات تتزاوج من خلالها نفوسهم، وتتلاقح أفكارهم، وتتلاقى همومهم وأهدافهم.
ثم أوصيكِ بأن تجتهدي أختي الكريمة في الأعمال الصالحة؛ فإنها تستجلب رحمة الله وبركته وتوفيقه لكما، وتجعلكما في حفظ الله وحِرزه، وتباعد بينكما وبين الشيطان وشَرَكِه، وعليكِ بالدعاء وبإلحاح؛ فإن من بيده خزائن السموات والأرض يحب من عباده اللحوح في الدعاء، المُفتَقِرُ إليه سبحانه، اسألي الله أن يصرف عنكما شياطين الإنس والجن، وأن يُسعدَكما في الدنيا والآخرة، وأن يكتب السعادة والطمأنينة والراحة النفسية في حياتكما الزوجية والأسرية، اسأليه ثقة بما في يديه، وإيماناً باستجابته، وتقرَّبا إليه بما يُرضيه من الأقوال والأعمال.
وفقكِ الله لكل خير، وأسعدكِ في الدنيا والآخرة، وألَّف بين قلبك وقلب زوجك على الخير، والله أعلم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.