الفهرس خزانة الاستشارات استشارات تربوية وتعليمية انحرافات سلوكية السرقة

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

هل أصرُّ على اعترافه أم أغفر له خطيئته؟

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الخميس 27 ذو القعدة 1434 الموافق 03 أكتوبر 2013
السؤال

طلبت من ابني وعمره ست عشرة سنة إيصال مظروف خاص بداخله مبلغ من المال، واكتشفت فيما بعد أنه سرق جزءًا من المبلغ، وواجهته ولكنه حلف بأنه لم يسرق، وأمام هذا الموقف طلبت منه الاعتراف بخطيئته، وأصرَّ على إنكاره، علماً أني لم أقصر عليه بالمال، فأعطيه مصروفاً يومياً مناسباً لمثله، وكذلك لديه هاتف جوال. آمل إرشادي للطريقة الصحيحة في التعامل مع مثل هذه الحالة، هل أصر على طلب اعترافه، أم أغفر له هذه الخطيئة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

الجواب:

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلَّم على من لا نبي بعده، أما بعد:

فإني أسأل الجليل الرحيم، الرءوف الودود؛ أن يبارك لك في ذريتك، ويقر عينكَ بصلاحهم وفلاحهم وبِرِّهم ونجاحهم، وأن يُديم على أسرتك السعادة والألفة والأمن والإيمان، وأن يجعل (سالم) صالحاً مصلحاً براً تقياً نقياً، اللهم آمين.

أخي الكريم:

ذكرتَ أنَّ ابنك سرق جزءاً من مبلغ كنت طلبتَ منه إيصاله إلى جهة ما، ولم تذكر كيف اكتشفتَ السرقة!؟ فقد تكون هناك ثغرة في جهة أخرى، وليست من ابنك. ولم تذكر كم المبلغ الذي فقدته، ولا سلوكيات ابنك وأخلاقه، وهل فقدت أموالاً أخرى خلال الفترة السابقة أم لا!! وعموماً إذا كنتَ متأكداً من أن ابنك هو من قام بأخذ هذا المبلغ، فلي معك وقفات:

الأولى: 

لعلَّ من الأهمية التذكير أن ابنكَ الغالي في هذه المرحلة العمرية على الخصوص، يمر بتغيّرات نفسية وعضوية، تهيئة لمرحلة الرشد والرجولة، يحتاج فيها إلى اليد الحانية، والقلب المشفق، والكلمة الطيبة، والحوار الهادئ، لنعبر به إلى برّ الأمان، ونؤكد فيه صالح الأقوال والأعمال، ونؤصِّل انتمائه لأسرته، ووطنه، ودينه القويم. لذا فمن الأهمية أن نتعامل معه تعامل الحاذِق الحكيم، ونُقَدِّر لهذه المرحلة العمرية قدرها وأهميتها بل وأثرها على حاضره ومستقبله سلباً أو إيجاباً.

الثانية:

افزع إلى الله الكريم، استعن به، سله سبحانه، ألِحّ عليه بأن يصلح ذريتك، ويشرح صدورهم، ويقوي إيمانهم، ويجعلهم قرة عين لك ولأمهم وللمسلمين. تأمَّل قول الله تعالى: "الذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً"، وقوله تعالى: "وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ".

الثالثة:

لتكن لك التفاتة للتعرف على أصدقاء ابنك، ومن يختلط بهم، للتوثق من أنهم أصحاب سلوكيات حميدة، فكل قرين بالمقارن يقتدي، والصاحب ساحب، فإن لم يكونوا على قدر من الصلاح، فاعمل على توجيهه إلى صحبة يعينونه على خيري الدنيا والآخرة، ويساعدونه في تقويم سلوكه، وتوجيهه إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها.

الرابعة:

أكدت الدراسات العلمية أن أكثر من (80 %) من مشكلات المراهقين في عالمنا العربي نتيجة مباشرة لمحاولة أولياء الأمور تسيير أولادهم بموجب آرائهم وعاداتهم وتقاليد مجتمعاتهم، ومن ثم يحجم الأبناء، عن الحوار مع أهلهم، لأنهم يعتقدون أنَّ الآباء إما أنهم لا يهمهم أن يعرفوا مشكلاتهم، أو أنهم لا يستطيعون فهمها أو حلها.

إني، ومع ثقتي في جهدك وقربك من ابنك، أؤكد فيك جعل الحوار الهادئ هو لغة التواصل بينك وبينه، ومنبر التعرف إلى حاجاته، ورغباته، وطموحاته، وأساليب تفكيره وتوجهاته، بل وحتى سلبياته، لتجعل من الحوار واحة للاستزادة من الخبرات، والرؤى الإيجابية، والقيم الأصيلة، والتقارب مع بقية أفراد الأسرة.

الخامسة:

 (ما كان الرفق في شيء إلا زانه و لا نزع من شيء إلا شانه) (5654/ صحيح الجامع). إننا في حاجة إلى احتواء تصرفات أولادنا، غض الطرف عن سلوكياتهم السلبية العابرة، التعامل معهم معاملة الصديق لصديقه، تجاوز المفردات المُحَقِّرة إلى المفردات الإيجابية الحكيمة. ما دام ابنك أنكر أخذه للمال، فلا تُعاود التحقيقات معه، احترز أنت للحفاظ على أموالك دون تخوين لأولادك في قادم أيامك، أعد لابنك ثقته بنفسه، واحترم استقلال شخصيته، وبناء علاقة الود والصداقة معه.

السادسة:

هناك أبجديات في حياتنا نعتقد أنها واضحة عند أبنائنا وضوح الشمس، وحين نتداخل إلى أعماقهم وتصرفاتهم؛ نرى أن الصورة لديهم مشوشة، أو على الأقل لم تصل إلى القناعات المطلوبة، وفهم متعلقاتها بالمستوى الذي نريد.

وهنا أقترح عليك أخي الكريم ملاحظة الجوانب التالية:

1-    اعقد جلسات أسرية بين الفينة والأخرى مع أفراد عائلتك؛ وضِّح لهم مفهوم الملكية الفردية، واحترام ملكية الآخرين، وبيان الحقوق والواجبات لكل فرد من أفراد الأسرة. واحرص على التربية العقدية والخلقية والإيمانية لهم، ففيها عاصم من كل سلوك منحرف.

2- أشبع حاجات ولدك الأساسية، واعتمد مصروف يومي أو أسبوعي بصورة منتظمة، ومتناسبة مع مرحلته العمرية، ومتابعته للاطمئنان على حسن إنفاقه لهذا المصروف.

3- تجنَّب وبصورة تامة المفردات السلبية، والعقوبة البدنية، وخصوصاً بحضرة إخوته أو أصحابه، فإن لهذين العاملين أثراً مدمراً لنفسية الولد، واستقراره الأسري والاجتماعي.

4- ينبغي بيان الحكم الشرعي للاعتداء على ممتلكات الآخرين، وعقوبة من اعتدى على حقوق غيره، وفضل الأمانة والثناء على صاحبها، مع عرض صور مشرقة لأمانة السلف الصالح؛ فالتربية بالقدوة إحدى وسائل التربية المثمرة.

5- لا تكن مع أولادك قاضياً يثبت التهمة ويصدر الحكم، ولا سجَّاناً يلحق العقاب ويقتص من الجاني، بل كن أباً مربياً شفيقاً، تَقْبِل أولادك كما هم، وتُضمِّد جِراحهم، وتُفسح لهم في قلبك وأريحيتك فوق ما يتصوَّرون. لتصل إلى أن يُصارحوك، ويطمئنوا إليك.

وأخيراً:

إن كثيراً من المشاكل التي عَصَفَتْ بالأسر، فأصبحت على حافة الهاوية، بدأت نهايتها حين انقطع الحبل الممتد بين الوالدين وأولادهما، فانقطع حبل الوصال، ولم يعد للالتقاء سبيل، فزاد الهجر، وزادت المشكلات، بل وتأزَّمت، إن مجريات الحياة  اليومية، تَعرض مواقف سلبية من أحد أفراد الأسرة، ينبغي أن نُحسن التعاطي معها، لنُرَشِّدها في نفس فاعلها، لا أن نُبْرزها لتكون علامة فارقة بيننا وبينه.

ذكر عن الإمام أحمد قوله : (تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل)، ونقل عن الحسن البصري رحمه الله قوله : (ما زال التغافل من فعل الكرام).

وفقك الله لكل خير، وأسعدك في الدنيا والآخرة، وأقرَّ عينك بصلاح ذريتك، وجمعكم على خير وسعادة وطمأنينة في الدنيا والآخرة، والله أعلم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.