الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية قضايا إيمانية تربية النفس

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

العلاقة لا تعني الحب

المجيب
التاريخ السبت 04 ذو الحجة 1430 الموافق 21 نوفمبر 2009
السؤال

يعلم الله أني لا أفعل شيئًا يغضب الله في أحد، ومع ذلك لا أشعر أن أحدًا يحبني، وزاد شعوري بعدم التقرب من أحد ما فعله معي شاب كانت لدي معه علاقة، وكنت أعامله بحسن نية كأنه أخي، ولكن ثبت لي أن له هدفاً من علاقته بي، فأحبطت من هذه العلاقة ومن كل العلاقات.. أرشدوني مأجورين..

الجواب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم أما بعد:  

فالعلاقات الإنسانية بين البشر -على تنوعها- نعمة كبرى، ومنة عظيمة من المولى عز وجل على خلقه.

ولكنها كمعظم نعم الله لا يتم حمد الله عليها ولا شكرها حق الشكر، فالله سبحانه وتعالى خلق آدم عليه السلام وحيدا، وخلق في قلبه ظمأ إلى الأنس بمن هو مثله من البشر، فلما استوحش آدم عليه السلام خلق الله له من يؤنس وجوده في الحياة.. خلق حواء.

ولا أقصد بالعلاقات الإنسانية هي علاقة الرجل بالمرأة، بل أقصد العلاقات بين البشر جميعا زوج وزوجته، أب وابنه، أم وابنتها، صديق وصديقه،  أستاذ وتلميذه...الخ.

أنواع العلاقات الإنسانية على عظمتها واتساعها:  

الصلات البشرية المتعددة الدرجات والاتساع والعمق يلخص الله تبارك وتعالى ما يجب في تعامل البشر مع تلك العلاقات قائلا: "وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ" [الرعـد:21].

فتلك العلاقات خلقها الله لكل الناس ليحيا الناس في تلك الصلات، وجعلها لكل الناس لتحفظ توازن البشر، وتؤدي حاجاتهم، وتفرج كروبهم، وتريح قلوبهم، وتثري عواطفهم، وتزيد في عقولهم.

وكل علاقة خلقها الله تؤدي دورًا رفيع المقام، تقوم بوظيفة فريدة في القلب البشري، تثري وتنضج جزءًا من التكوين البشري الذي يتركب من جسد وعقل وعاطفة وروح.

فمثلا: علاقة الرضيع بأمه:  تقـوم برعاية الجسد من إرضاع ونظافة واهتمام، وعلى أمه تروى مشاعر الأمومة. 

علاقة التلميذ بأستاذه: ترعى العقل وتزيده معرفة وذكاء.

علاقة الصديق بصديقه: ترعى العاطفة والعقل بمقدار.

علاقة الشاب بوالده: ترعى العاطفة والعقل بمقدار آخر وبشكل آخـر.

علاقة المريد بشيخه: ترعى العقل والروح بمقدار آخر.

علاقة الزوج بزوجته: ترعى كل شيء وتزيد وتنضج وتثري كل شيء.

وهكذا إلى آخر العلاقات الإنسانية التي لا يمكن أن نحيط بها هنا.

المهم أن كل علاقة تقوم بخدمة جليلة لكياننا البشري، وتسعد جزءًا من قلوبنا.

لذلك المطلوب:  

أن نسعى إلى أن نفهم علاقاتنا، وأن نعلم مدى اتساعها، وأن نتيقن أهمية كل علاقة في حياتنا، فكل علاقة كما ذكرت تفيدنا وتخدم وظيفة في قلبنا، وأن نعمل على إحداث توازن في علاقاتنا، فالتوازن بعد فهم العلاقات من أهم الأمور حتى يتم إشباع كل علاقة بالمقدار الذي شرعه الله وبالوسيلة التي شرعها الله، أي يتم التواصل مع صاحب العلاقة بالكم والكيف الذي يرضي ربنا سبحانه وتعالى، وبالتالي يكون هذا الكم وهذا الكيف هما السبيل إلى التوازن الرباني في العلاقات الإنسانية.

هذه المقدمة الطويلة نسبيا -أختي السائلة- مهمة؛ حتى نفهم العلاقات وأثرها على النفس والقلب الإنساني، ونتيقن من أهمية العمل على إنماء كل علاقاتنا، وأن نتأكد أن كلمة علاقة ليس معناها فقط علاقة حب بين شاب وفتاة هذا منظور ضيق جدا، وبعيد جدا عن الفهم الحقيقي الذي يريدنا الله أن نحياه.

أختي السائلة: -

الجانب الأول من استشارتك:  

هو حزنك من فعل ذلك الشاب الذي أراد شيئا سيئا في علاقته بكِ، وأنكِ كنتِ تعاملينه بحسن نية، على أنه أخوكِ، لكنه لم يقدر ذلك، وأراد نوعا آخر لم توضحيه في استشارتكِ.

لكن كلامكِ يوحي بمعنى كبير عريض مفهوم..

هو يريد علاقة غير علاقة الأخوة، وهذا في حد ذاته لا يرضى عنه المولى عز وجل.. ما هكذا يتم التعامل مع هذه العلاقة، فهذه العلاقة في الإسلام تسمى:  

علاقة الرجل بامرأة أجنبية (أي من غير محارمه).

أو علاقة المرأة بالرجل الأجنبي (أي من غير محارمها).

وتلك العلاقة مثلها المثل أي علاقة في شرحنا السابق لها دور ووظيفة ولها ضوابط (كم وكيف) شرعية، وبذلك أكون على بينة من أمري.

دور هذه العلاقة ووظيفتها:  

هي القيام بالخدمة والضرورة والحاجة فقط. إذا لم يكن من أرحامك وأقاربك.

مثلا: زميل في العمل.. زميل في الدراسة، يقتصر في العلاقة على مصالح العمل، ومصالح الدراسة الضرورية والحاجية فقط. فهذا دور تلك العلاقة.

أما ضوابط تلك العلاقة (الكم والكيف):

1- عدم الخلوة.

2- عدم اللمس.

3- عدم التبرج.

4- عدم الخضوع بالقول (أي عدم الدلال، وعدم قول الكلام العاطفي أو المثير للعاطفة).

5- عدم التفكير في ذلك الرجل -أو تلك المرأة- التفكير المفضي إلى الطمع فيه أو فيها والشهوة.

6- الوقار في الحوار، والتحفظ في الخطاب.

7- عدم الحديث في غير المصلحة والحاجة الضرورية.

هذه هي تفاصيل تلك العلاقة.

لكن الجديد في مشكلتك أختي السائلة:  

أن ما حدث زاد من شعورك بأن أحدًا لا يحبك، وزاد من إحساسك بالغربة عن علاقاتك جميعا.

وللتعامل مع تلك المشكلة ننصح بالآتي:  

أولاً: عدم الوقوع في فخ التعميم:  

لا يخدعنكِ الشيطان فيجعلك تقولين:

-  "كل الرجال هكذا...".

- "كل الناس مثل هذا الشاب".

- "جميع البشر سيئون"، "لذلك اتركي واعتزلي البشر".

- "لا أحد يستحق الحب"، "لأنه لا أحد يحبك".

- "لا يوجد من يهتم لأمرك"، "لذلك عيشي وحيدة".

هذه التعميمات هي خطأ في التفكير جـاء من وسوسة الشيطان يقول الله: "وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا". [الإسراء:53].

وغرض الشيطان هو تحطيم علاقات المسلم، وتفريغ تلك العلاقات من وظائفها النفسية.

"هذا التعميم والقرار الناتج عن التعميم يؤدي إلى خسارة ضخمة لعلاقات إنسانية" لذلك رجاء لا تقعي في هذا الفخ.

ثانيـاً: توسيع منظور العلاقات:

يجب أن ننظر بأفق واسع ومنظور واسع إلى علاقاتنا، فعلاقاتك ليست مع هذا الشاب، علاقاتك الأقوى أين؟

علاقاتكِ التي تثري كيانك أين؟

ابحثي حولك ستجدين علاقات كنت قد أهملتيها بسبب النسيان، وبسبب عدم التوازن الذي أحدثه وجود علاقة ذاك الشاب أو غيره.

ثالثـاً: العمل على وصل ورعاية علاقاتك باتزان (اتزان كمي وكيفي):  

يقول الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قُطِع وصل".

سجلي علاقاتك: -

(أبي – أمي – أختي – أخي – ابنة عمي – ابنة خالي – عمي – خالي – عمتي – خالتي – جارتي فلانة – قريبتي فلانة – أستاذتي فلانة – و...... الخ).

واجعلي لكل من تلك العلاقات وقتا في الأسبوع أو الشهر، وابذلي لكل من تلك العلاقات جهدا في الأسبوع أو الشهر بعد ذلك، وانتظري بعد ذلك المردود الرائع والنتيجة المبهرة والأثر الجميل على قلبك (جسدا وعقلا ومشاعر وروحا).

ليس الأثر والمردود، هـو أن تقوم زميلتك بـرد الزيارة التي زرتيهـا لك... لا.

المردود والنتيجة والأثر يكون في أعماقك نتيجة فعلك أنت.. بسبب قيامك أنتِ بالصلة من أجل عملك أنت على رعاية العلاقة.

أذكر أنني وزوجتي قمنا بزيارة قريبين لها في مدينة أخرى، لا أستطيع أن أصف مدى سعادتي أنا وزوجتي بذهابنا وصلة أرحامها سعادة من غير أن يقوموا بزيارتنا.

- نكرر المردود مردود قلبي بحت.

- النتيجة نتيجة نفسية محضة.

- الأثر أثر عاطفي جميل.

فما بالك لو قام أحد أطراف تلك العلاقة بصلتك (زيارة – هدية – خروج معك – اتصال هاتفي.. الخ)، تكون النتيجة سعادة إنسانية لا يمكن أن توصف.

أختي السائلة الكريمة:  

العلاقات:

= مجهود بسيط + تركيز.

= رعاية متوازنة.

= سعادة لا توصف.

= ثراء قلبي شامل.

تذكري هناك مجهود بسيط من أجل كل تلك المكاسب.

رابعـاً: على رأس هرم العلاقات: علاقتك بالله سبحانه وتعالى:

أعلى وأعظم وأروع وأفضل علاقة: هي علاقة العبد بمولاه الله تبارك وتعالى.

ورعاية تلك العلاقة (كما وكيفا) يؤدي إلى كل خير، هناك من العلاقات من تقوم برعايته فتؤدي إلى ما ذكرنا من قبل، وقلنا فما بالك لو قام الطرف الآخر هو أيضا بدوره في رعاية علاقته بك.

وهنا نقول: فما بالنا لو راعينا علاقتنا بالله الكريم الودود.

هل يتأخر لو انتبهنا من غفلتنا، وقمنا بخطوات في الطريق إلى علاقة مع الله سبحانه وتعالى وهو الذي يقول في الحديث القدسي يصف طبيعة علاقته سبحانه وتعالى بعبده الذي يرعى العلاقة: "عبدي إذا تقربت إليَّ شبرا... تقربت إليك ذراعـا، وإذا تقربت إليَّ ذراعـا... تقربت إليك باعـا، وإذا جئتني تمشي... جئتك هرولـة..".

ما أروعها من علاقة رعايتها والعمل على إنمائها يتولاه الله سبحانه وتعالى، ومن قبل أن تقومي أنت برعايتها.

أيتها الأخت الكريمة:

تقربي إلى الله سبحانه وتعالى... ولن أصف حلاوة ما سوف تحبين –لأنها– لا توصف.

وجزاكم الله خيرا.

وفي الختام أيتها الأخت الكريمة: كوني معنا على تواصل دائما على صفحة الاستشارات المتميزة بموقع الإسلام اليوم، والله سبحانه وتعالى أسأل أن يحفظكِ وبنات المسلمين من أي مكروه وسوء.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه ومن والاه. والحمد لله رب العالمين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - سوالف | مساءً 09:35:00 2009/11/21
كل سنه وكل أمة محمد عليه الصلاة والسلام بأحسن حال يارب آمين ولا مسلم يشهد بأن ربه الله ومحمد نبيه يزعل في العيد يارب كل الناس تكون فرحانه