الفهرس خزانة الاستشارات استشارات نفسية الخجل

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

عزلة أورثت قطيعة رحم

المجيب
التاريخ الخميس 29 جمادى الأولى 1431 الموافق 13 مايو 2010
السؤال

أنا لا أحب الخروج من البيت أبدًا، وخصوصًا إذا كنا ذاهبين لجلسة عائلية أو زيارات للأقارب، أنا أعرف أن هذه قطيعة رحم، وخطأ كبير أني لا أصل رحمي، لكن لا أدري ماذا أقول.. عندما يقول أهلي إنهم سيطلعون أحس بضيق وأختنق، حتى إذا خرجوا يتمشون لا اطلع معهم، ولا أقعد مع والديّ ولا آكل معهم، كل شيء لوحدي، أنا ملتزمة وأقوم الليل، وحاسة بالذنب الذي عملته لكن أعوضه عن طريق النت بالدعوة لله والنصح، وأخواتي يعاتبنني على هذا الشيء، ويقلن لي أنت شيخة وداعية وقاطعة لرحمك؟! والله يحسسوني أني منافقة، وربي يعلم أني غير منافقة، ولا أدري ما يمنعني أن أزورهم.. أعتقد أن السبب أن العائلة كلها ليس فيها أحد في سني، كلهم إما نساء كبار أو أطفال صغار فأخواتي يجلسن مع البنات الكبار، وإذا قعدت معهن أحس كلامهن كبيرًا فأتركهن. كما أن أهلي يطولون في الزيارة، أي من العصر وحتى منتصف الليل، وكل هذا الوقت وأنا ساكتة، ولا أحد معبرني.. أرشدوني مأجورين..

الجواب

ابنتي الحبيبة حفظك الله تعالى وزادك رفعة وتقى وحرصا على دينك..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نشكر لكِ بداية ثقتك بالموقع ونسأل الله جلّ وعلا أن ييسِّر أمورك ويثلج قلبك بذكره وطاعته..

قبل أن أبدأ بالرد –ابنتي- اسمحي لي أن أثني عليك وعلى التزامك.. وأسأل الله تعالى أن يثبتك على قيام الليل وتجنب المعاصي والتفرّغ لطاعته والعمل لدعوته جل وعلا.. جعل الله تعالى ما تقومين به في موازين حسناتك يوم القيامة..

وإنني إذ أُثني على كل هذه الصفات الجميلة فيك إلا أنني لا أجد سبباً جوهرياً لأن تهجري العائلة وتبقين وحيدة.. فكما فهمت منك أن قطعك لصلة الرحم ليست مقتصرة على الأهل والأقارب وإنما على أهل بيتك الذين تساكنينهم! فأنت تقومين بكل شيء لوحدك حتى تناولك الطعام! وهذه ظاهرة غير سليمة ابنتي الحبيبة..

قد أتفهّم إعراضك عن الزيارات التي لا تجدين فيها نفسك.. أو التي يكثر فيها اللغو والقيل والقال إلى وقت متأخر من الليل، أو التي لا تشعرين بوجودك فيها.. ولكني حقيقة لا أفهم لِم تهربين من أمك وأبيك وأخواتك وإخوانك في البيت.. مهما كانت الظروف فإن لهم عليكِ حقاً ومن واجبك حسن العشرة والتقرب منهم جميعاً فإن وجدتِ اعوجاجاً نصحتِ برفق ورحمة، وإن وجدتِ خيراً فهو خير..

أريدك أن تجلسي مع نفسك جلسة مصارحة ابنتي الحبيبة لتواجهي نفسك بكل الأسباب التي تجعلك تعرضين عن الناس.. فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وطبعاً ليس كل البشر لهم نفس المواصفات الشخصية، فمن الناس مَن يحب الاجتماعات والاختلاط بمَن حوله ومنهم على العكس يفضّلون الوحدة والانعزالية ومنهم بَين بَيْن.. يقول الله جل وعلا: "وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ"، ولكن على المؤمن مخالطة الناس بالحد الأدنى لنصحهم ودعوتهم ما لم يخشَ على دينه.. والأقربون أولى بالمعروف!

فتّشي ابنتي عن الأسباب التي تجعلك تُعرِضين عن الناس وتحبين الوحدة لتحاولي معالجة هذا الأمر.. قد يكون عندك ما يسمى بالخوف الاجتماعي.. وقد تكون تلك الحوادث في صغرك أثّرت سلباً على حياتك الاجتماعية، ولكن عليك تغيير نمطية تفكيرك.. ولا أدري إن كان يرافق هذه العزلة شعور بالاكتئاب مثلا.. فإن كان الأمر كذلك فأنت بحاجة إلى مساعدة طبيب مختص.. ولا أجد ضيراً -ابنتي الحبيبة- أن تعرضي نفسك على مختصة نفسية أو طبيب نفسي لتطمئني.. فقط لنطمئن.. إن شئت وشعرتِ أنك بحاجة إلى ذلك وفقاً لمعطيات أنت أدرى بها مني..

وقد تكونين تهربين من الناس لقلة ثقتك بنفسك وبالآخرين.. فاعلمي حبيبة أنكِ تملكين من المميزات ما تفتخر به كل فتاة.. يكفيك طاعة الله جل وعلا وسعيك لمرضاته والعمل لدعوته عبر الشبكة الرقمية.. فأنتِ لستِ بأقل من غيرك، بل قد تفوقين الكثيرات ممن حولك فثقي بنفسك وقدِّري ذاتك وانظري إلى طاقاتك ومهاراتك نظرة إيجابية.. وحاربي الأفكار السلبية التي تخطر لك، وامحي من قاموسك التعابير المحبِطة مثل: أنا غير قادرة على التواصل مع الناس.. أنا فاشلة اجتماعياً.. أنا أكره الاختلاط مع الآخرين وغيرها..

ابنتي الحبيبة.. لقد كبرتِ الآن وأصبحت في عمر الزواج.. ولم تعودي تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تخرج من جلسات الكبار.. وسيأتي اليوم الذي تنتقلين فيه لبيتك ولعالمك الجديد مع زوج يحفظك بإذن الله تعالى، فهل تجدين أنه من الطبيعي اعتزالك لأهله مثلاً فيما بعد، وعدم زيارتهم بحجة أنك لا تحبين مخالطة الناس؟ وهل ستستطيعين القيام بواجباتك الزوجية وخاصة من جهة تربيتك لأولادك في المستقبل إن أنت بقيت على حبك للوحدة وعدم الانخراط في مجتمعك القريب قبل البعيد؟!

لم أعرف هل درستِ في الجامعة أم أنك لم تدخليها.. وهل لك أخوات في الله أو زميلات؟ العالم من حولك جميل ابنتي الحبيبة وهو يستحق منك أن تولجي فيه وتكتشفيه لأن ذلك يزيدك وعياً وقدرة على ممارسة دورك إن في الدعوة وإن في الحياة الاجتماعية.. وفي الخارج أناس كثر جميل أن تتعرفي عليهم وتأنسي بهم وتكتسبي منهم المعارف والمهارات على أن تنظري إلى الجوانب الإيجابية فيهم حتى لا يدفعك أول سوء تصرف أو مشكلة للعودة إلى العزلة من جديد..

ولا أُنهي ابنتي الحبيبة كلامي قبل أن أوصيك بالرقية الشرعية وهي معروفة.. والمواظبة على الأذكار الصباحية والمسائية والاستغفار.. وكذلك بالدعاء والإلحاح على الله جل وعلا أن يفرِّج الكرب، وأن يختار لك الخير ويريح قلبك.. هذا بالإضافة إلى محاولة إيجاد أخوات في الله على التقى تجتمعن في جلسات إيمانية وتنطلقن في أعمال اجتماعية مهمة للمجتمع..

أما من جهة صلة الرحم ففيها من الأحاديث والآيات ما يجعل المرء يسعى إليها ابتغاء مرضاة الله جل وعلا ولو بالحد الأدنى.. وهي من علامات إيمان المرء، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصِل رحمه.. ومن وصلها يصله الله جل وعلا، ومن قطعها فيقطعه الله جل وعلا.. واسمعي معي إلى قول الحبيب عليه الصلاة والسلام "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَه" ومن لا يحب ذلك ابنتي الحبيبة؟! ثم قوله عليه الصلاة والسلام "لا يدخل الجنة قاطع رحم".. فلِم نزهد بهذه الصلة وقد يوردنا قطعها المهالك.. وإن لم يكن في هذه القطيعة إلا غضب الله تعالى لكفى!

وطبعاً ابنتي الحبيبة كلما كانت الرحم أقرب كلما وجب صلتها أكثر، فحاولي التقرب من والِدَيك وطاعتهما في الدنيا معروفا ثم إخوانك وأخواتك ثم عماتك وخالاتك وأعمامك وأخوالك ثم أولادهم.. أما كيف تكون صلتك بهم فبالزيارة والتودد والتهادي والدعاء والتهاتف والاحترام والبرّ وتفقد أحوالهم وعيادتهم إن مرضوا، ومواساتهم إن حزنوا ومشاركتهم إن فرحوا.. وصدقيني –ابنتي- ستجدين لذة كبيرة حين تفعلين لأنك ترضين الله جل وعلا.. حاولي وستتغيرين بإذن الله تعالى حين تسعدين بهذه الأفعال وهي لا شك ستورثك طمأنينة وراحة لأنها لله جل وعلا..

وابدئي بأهل بيتك.. شاركيهم جلساتهم خاصة في أوقات الطعام، وتوددي إليهم وناقشيهم.. درّبي نفسك على مخالطتهم فتسهل إن شاء الله تعالى عليك مخالطة الناس بعدها..

أسأل الله جل وعلا أن ييسر أمورك ويهديك سبل السلام..

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - ام يوسف | مساءً 08:53:00 2010/05/13
بسم الله والصلاة زالسلام علي رسول الله اسال الله ان يتقبل منك ومنا صالح الاعمال وان يجعلها خالصة لوجه الكريم وان يزيدك من فضله اختي الداعية الصغيرة ما من مشكلة في حياتنا الا ولها حل والحمد لله الحل في يدك فما عليك الا ان تصادقي اخواتك وامك وابيك وهذا يكون بتفقد احوالهم والسوال عنهم والابتسامة في وجوههم وادخال المرح عليهم وهذا عن طريق القصة حاولي اختي ان تجلسي مهم وتاكلي معهم وذكريهم انكم اسرة واحدة ولابد ان تنتهزوا فرصة وجودكم في بيت واحد خاولي ان تشعريهم بحبك لهم وبدل الجلوس علي النت بحجة انك تدعي غيرك حاولي ادع اخواتك وامك وابيك وكوني لهم نورا وعلميهم الخير وصدقيني اذا بدات باسرتك سوف يمتد ذلك الي العائلة وسوف تصليهم جميعا لانك ستشعرين بالقرب منهم واستعيني بالله دائما واساليه التوفيق وفكري في الثواب وهذا سيكون دافعا قويا يجعلك تصلين اقاربك وتدعيهم الي دين الله بالتي هي احسن وثق بالله اولا ثم بقدرتك علي فعل الخير واسال الله ان يوفقك ولايقطعك من رحمته امين
2 - الأمل في الله | ًصباحا 10:45:00 2010/05/15
أختي تجربتي هي نفس تجربتك .. فقد مررت بفصولها والآن يعلم الله مدى الحزن الشديد اللذي يخيم على حياتي منذ أن فقدت والدي.. اتذكر عندما كان يسألني لم لا تجلسين معنا ولما أنت وحيدة.. أختي أسأل الله أن لا يجعلك في مكاني فتشعرين بعدسنين بتأنيب الضمير... اضغطتي على نفسك وجاليسي الكل خصوصا الوالدان.. والله ان الالم النفسي لن يدخلك الا في دوامة ليتني ولو أنني. أدعو لك بالتوفيق ووصل الرحم وطاعة الوالدين.. وادع لي ببر والدتي.
3 - السودانية | مساءً 06:36:00 2010/05/18
اختى اذا لم تجدى سببا لحالتك فالجاى الى راقى شرعى قد تكونى معيونة او محسودة او مسحورة انا كنت زيك وللة الحمد تعالجت من السحر وشفيت كنت لااحب ان اصل ارحامى هذا احتمال لا اريد ان اوهمك انك مسحورة