الفهرس خزانة الاستشارات استشارات نفسية الوساوس

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

شكوك وضياع ثم وساوس قهرية

المجيب
مدرس للطب النفسي والأعصاب بطب الأزهر
التاريخ الاربعاء 28 ذو القعدة 1432 الموافق 26 أكتوبر 2011
السؤال

كنت قد تركت ذنبًا كارهة له راغبة إلى الله قبل عدة أشهر، وأنا بإذن الله صامدة كالقمة الشماء حتى يتوفاني الله تعالى.. ولم يكن خروجي من تلك الحالات النفسية سهلا أبدا؛ لأني كنت أعود دائما، ومن شدة وطأة عذاب الضمير والحزن والضياع وانغلاق الأبواب وفقدان الأحباب وكيف ضاقت علي الأرض بما رحبت كانت عودتي في البداية هروبا.. ولم تكن توبتي القلبية واضحة، ولم تكن عيناي تذرف الدمع حبا لله كما كنت أحب ذلك..فكأن بي واقعة في شرك الشيطان.. أعوذ بربي منه.. فانتقلت من شيء إلى شيء، وصارت لدي وساوس كثيرة غير طبيعية تشعرني دائما أن الحياة وهم.. كانت تشككني بإيماني وتطعن بالدين، حوار داخلي أحاول فيه إثبات الإيمان، لكن شيئًا ما كان لا يحب الإيمان.. كنت لا أستطيع رد الفلسفة الغبية التي كان يليها صدى مرعب وحالة غريبة في داخلي، رغم ذلك أنا لم أترك صلاتي، ولن أتركها أبدا.. إن الوسواس ذاك كان يشوش علي الأفكار. إنني اليوم أفضل حالا من الأمس، وغدا أفضل حالا من اليوم، وأنا أريد ذلك إن أحياني الله سبحانه لكن مخاوفي الكبيرة من أن أعاود الطريق الخاطئ من جديد عندما أطمئن أن إيماني عاد لأني أذكر مثل هذه الوساوس عندما كنت أصغر بأربع سنوات، لكني لم أكن واعية.. إن الخطورة التي أستشعرها هي أنه إذا ما ارتكبت ذنبا وضعفًا إيمانيًا يجب أن لا أكون فريسة للشيطان، ومباشرة أدخل في قضايا الإيمان والتوحيد.. فكيف أصنع في نفسي وكيف أوطنها على الثبات؟ وكيف أتعامل بطريقة سليمة بحيث أقي نفسي مزالق الشيطان طوال فترة مكوثي في الحياة حتى أتحمل المصائب دون أن يكون لهذا الوسواس مكان في حياتي؟ أفيدوني أكرمكم الله..

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الأخت العزيزة..

أهلا ومرحبا بك..

رغم أن رسالتك عامة في ألفاظها وسياقها، كما أنها تتميز بالغموض الشديد إلا أنني  فهمت منها أنك تعرضت لأزمة ضاغطة في حياتك، مما أثار لديك أعراضا اكتئابية وصلت لدرجة التفكير في الموت أو غير ذلك، ثم تحولت أفكارك إلى أفكار وسواسية تتعرض للذات الإلهية ولإيمانك، وأنك استطعت السيطرة عليها، وأنك تعرضت سابقا لنفس هذه الوساوس وتخلصت منها أيضا.

وتعالي نلقي الضوء علي مرض الوسواس القهري:

أولا: المسلمون لهم  باعٌ طويلٌ في هذا الاضطراب، ولقد كتب عدد من العلماء في الوسواس مثل الإمام الجويني في كتابه التبصرة في الوسوسة، والإمام النووي في المجموع شرح المهذب، وأبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، والإمام ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس، وكذلك الإمام ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان.

ويتكون  الاضطراب من جزئين رئيسيين:

1. الوساوس المسيطرة Obsessions : وتتميز بأربعة أشياء:

- فكرة معينة تسيطر على التفكير.

- هذه الأفكار لا تكون لها صلة بالمشاكل التي يتعرض لها المريض.

- محاولة مجاهدة النفس لتجاهل هذه الأفكار ونسيانها، وعدم تكرار الفعل مما يشكل ضغطاً نفسيًّا عليه (حيث يدرك مريض الوسواس أن هذه الأفكار لا أساس لها من الصحة بعكس مريض الفصام الذي يعتقد بصحة أفكاره).

- يعي المريض تماماً بأن هذه الأفكار نابعة منه هو وليس لأي شخص آخر دخل بها.

2. الفعل الإجباري ( القهري ) Compulsions :

- تكرار هذا الفعل لعدة مرات على الرغم من رغبة المريض بإيقاف هذا الفعل إلا أن الرغبة لتكرار الفعل أقوى منه مثل تكرار غسيل اليدين عدة مرات على الرغم من نظافتها، أو تكرار عد رقم معين وإعادته في العقل لمرات عديدة دون ضرورة لذلك.

- يحاول المريض أن يتخلص من هذه الأفكار بصفة مستمرة، وكلما أجبر نفسه على إيقاف هذا الفعل يتعرض لضغط نفسي عنيف مما يؤدي به إلى معاودة الفعل مرة أخرى.

الصور المشهورة للاضطراب.

- وسواس الأفكار: سيطرة فكرة معينة على ذهن المريض، وغالباً ما تكون فكرة غير مقبولة كسيطرة مقطع من بيت شعر أو نغمة موسيقية  أثناء الصلاة أو العمل، أو الفكرة التي تسيطر على الأم من أن ابنها المسافر في خطر، أو أن الأبواب غير مقفلة أو صنابير المياه  غير محكمة، أو أنبوبة الغاز بها تسرب.

2- وساوس الصور: سيطرة صور معينة على ذهن المريض بشكل مستمر أو متكرر، وغالباً ما تكون صورًا عنيفة.. حوادث سيارات، جثث، قتل، دماء،  ورغم علم المريض بعدم وجودها إلا أنها تطارده في كل الأوقات.

3- وساوس الاجترار: تسيطر على المريض أسئلة متكررة لا يستطيع الإجابة عنها كسيطرة (من خلق الله؟) لماذا أكل آدم التفاحة؟. ولماذا نعيش؟، لماذا نموت؟، لماذا أبي هذا وليس غيره؟، أسئلة لا نهاية لها، والمريض لا يستطيع الإجابة عنها أو التخلص منها.

4- وساوس الاندفاعات: وهي اندفاعات قهرية تسيطر على المريض فيشعر برغبة جامحة  نحو القيام بأعمال لا يرضي عنها، ويحاول مقاومتها إلا أنها تسيطر عليه بإلحاح وقوة، كالقفز من أمام سيارة، أو القيام بأعمال مشينة كالغناء في المسجد، أو التعري أمام الناس في الشارع.

 5- وساوس الطقوس الحركية:وهي من أكثر الأعراض الوسواسية شيوعاً وهي القيام بحركات مستمرة متكررة نتيجة رغبة جامحة تسيطر على المريض للقيام بهذه الطقوس ظناً منه أنها ستخلصه من إلحاح أفكاره المسيطرة عليه، فمثلاً قد يعتقد أن يديه ملوثة فيبدأ في غسلها بالماء والصابون عدة مرات، ويعود ويغسلها مرة أخرى، أو استغراقه لوقت طويل في الحمام (ليتوضأ للعصر يحتاج ساعة أو أكثر)، (للغسل يحتاج 3 / 4 ساعات)، ترتيب المطبخ ودولاب الملابس بشكل دقيق ومنظم جداً جداً (القمصان في اتجاه، الجوارب في اتجاه... القمصان كل لون في اتجاه …).

المآل.

تميل أعراض الوسواس القهري إلى التراجع والضعف مع مرور الوقت (يحدث لحوالي 10% إلى 20% من المرضى). وبعضها لا يعدو كونه بعض الخواطر الخفيفة التي لا تعيق التفكير والعمل.

تتحسن حالة 80% من المصابين بمرض الوسواس القهري بشكل كبير مع تناولهم العلاج المناسب من العلاج الطبي والعلاج السلوكي. وقد تحدث حالات انتكاس أو عودة إلى السلوكيات والأفكار غير المرغوبة..

 يعاني حوالي 60 - 90% من المصابين بمرض الوسواس القهري من حالة اكتئاب واحدة على الأقل في أحد مراحل حياتهم.

وهو ما حدث في حالتك بدرجة كبيرة.

العلاج:

ويشمل العلاج ثلاثة أشياء هي: العلاج الدوائي Pharmacotherapy ، العلاج السلوكي Behavioral therapy ، العلاج الجماعي Group therapy .

أولاً: العلاج الدوائي Pharmacotherapy :

وذلك عن طريق استخدام مضادات الاكتئاب، ويحتاج المريض إلى استخدام نوع واحد من مضادات الاكتئاب، وفي الحالات الشديدة يستخدم أكثر من نوع، ويبدأ أثر العلاج في الظهور بعد حوالي من 6-10 أسابيع من العلاج المنتظم.

ثانياً: العلاج السلوكي Behavioral therapy :

يتم العلاج السلوكي بمساعدة الأخصائي النفسي فيما يعرف بالعلاج الإدراكي Cognitive behavioral therapy (CBT ) وذلك عن طريق تعريض المريض للمؤثر الذي يدفعه لتكرار الفعل مع محاولة تقليل تكرار الفعل تدريجياً، مثال ذلك إذا كان المريض معتاد على غسل يده 40 مرة فيغسلها 20 ثم 10 ثم 5 مع ترك المكان عقب هذا العدد ومحاولة الاسترخاء بعدها وعدم العودة مرة أخرى حتى يتخلص المريض من هذا السلوك تدريجياً، مع عمل تمارين للاسترخاء Relaxation techniques

لذا أنصحك بعد التوكل على الله أن تقومي بالأتي:

1. التوكل على الله وعدم الاستسلام أو الاسترسال في الفكرة مهما كانت ملحة.

2. الانشغال عنها بأي نشاط آخر.

3. تمارين الاسترخاء.

4. الدخول في برنامج للتعامل الإيجابي مع الضغوط.

وفقك الله.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - السر | ًصباحا 04:23:00 2010/05/02
قالوا يارسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ان احدنا يجد في صد رة ما ان تنشق الارض وتبلعة خير من ان ينطق به قال الحمد لله الذي رد كيده الى الوسوسة . الم ينزل الله عز وجل لنا سورة قل اعوذ برب الناس .