الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية قضايا إيمانية الخوف والرجاء

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

أنا خائفة من الآخرة

المجيب
التاريخ الاثنين 09 رمضان 1424 الموافق 03 نوفمبر 2003
السؤال

أنا خائفة من الآخرة، أرجو منكم تقديم نصيحة مبسَّطة لي أتقرَّب بها إلى الله، وأعدّ نفسي للحياة الآخرة.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل: "ولمن خاف مقام ربه جنتان" [الرحمن: 46]، والصلاة والسلام على النبي القائل: "لو تعلمون ما أعلم – أي من أمر الآخرة- لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً" متفق عليه البخاري(4621-6486- 7295)، ومسلم(2359) من حديث أنس – رضي الله عنه-، ورضي الله عن الصحابة الكرام الذين بكوا عندما سمعوا هذا الحديث من رسول الله – صلى الله عليه وسلم-.
إلى ابنتي رقية: – حفظها الله ورعاها- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
بداية أشكر لك ثقتك البالغة واتصالك بنا عبر موقع الإسلام اليوم، ونتمنى منك دوام الاتصال والمراسلة على الموقع.
لقد قرأت رسالتك يا بنيتي العزيزة، وسررت جداً بما فيها، فهي رسالة مختصرة وجيزة، لكنها عظيمة في الحقيقة، حيث عليها مدار السعادة في الدنيا والآخرة.
وحق لك يا بنيتي أن تخافي من هذا اليوم العظيم شأنه، الطويل أمده، يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم تضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، يوم يجعل الولدان شيباً، إنه يوم ينبغي أن نستعد له أتم الاستعداد، لأنه الفيصل في حياة العبد بعد تلك الرحلة الطويلة، فإما جنة وإما نار، فريق في الجنة وفريق في السعير، فأما الذين سعدوا ففي الجنة يتنعمون، فيا أهل الجنة خلود فلا موت، وأما الذين شقوا في النار والجحيم يتعذبون، فيا أهل النار خلود فلا موت.
ولكن يا بنيتي يجب علينا أن نحسن الظن بالله، فرحمة الله بعباده الموحدين المؤمنين رحمة واسعة، ورحمته سبحانه سبقت غضبه، فالله أرحم بنا من الأم الحنون على طفلها، فقد جاء في الحديث المتفق عليه من حديث عمر – رضي الله عنه- قوله – صلى الله عليه وسلم-: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" البخاري(5999)، ومسلم(2754).
ويجب أن يكون هذا الخوف الذي عندك يحملك ويدفعك إلى مزيد من الطاعة والعبادة، وفعل الخير والإكثار منه، من صلاة وصيام وحج، وصلة رحم، وبر الوالدين، والصدقة والالتزام بشرع الله وغير ذلك من ألوان الخير والبر الكثيرة، وكذلك يجعلك تحجمين عن فعل الشر والمعاصي وارتكاب الذنوب والموبقات، فهذا الخوف الذي عندك يكون خوفاً إيجابياً بناءً وليس خوفاً سلبياً يدعو إلى القنوط من رحمة الله تعالى عياذاً بالله من ذلك.
وهناك أمور أذكرها لك تعينك بإذن الله على الاستعداد لهذا اليوم،نسأل الله لنا ولك وكل مسلم النجاة يوم الفزع الأكبر، و"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء" [غافر: 16].
(1) قراءة كتاب الله بتدبُّر وتفكُّر في معانيه، والوقوف عند أحكامه، والتأمل في وعده ووعيده.
(2) قراءة سيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم- ومعرفة كيف كان حاله – صلى الله عليه وسلم- من الزهد في الدنيا والإعراض عنها والتقلُّل منها.
(3) قراءة سير سلفنا الصالح من الصحابة وغيرهم، وكيف زهدهم في الدنيا وحرصهم على الآخرة بفعل الخيرات،وترك المعاصي والموبقات.
(4) الإكثار من تذكُّر الموت وشدائده، وما فيه من كربات، والقبر وظلمته ووحشته، والقيامة وأهوالها، وتفكَّري في ساعة العرض على أحكم الحاكمين، وتذكَّري في منصرف القوم بين يدي الله وهم على الصراط يجتازون، فمنهم الناجي ومنهم الهالك، فالسعداء الذين نجوا وهم أهل الجنة، والأشقياء الذين هلكوا وهم أهل النار، وتذكري أهل الجنة ونعيم أهلها، وأهل النار وعذاب أهلها، ولعلك تقرئين في ذلك كتاب شيخ الإسلام ابن القيم – رحمه الله تعالى- "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، وكتاب الحافظ ابن رجب الحنبلي (التخويف من النار).
(5) عليك بطلب العلم الشرعي الصحيح، فكلما ازداد الإنسان علماً كلما ازداد معرفة بالله، وكلما ازداد معرفة بالله كان له أخوف، لذا قيل (من كان لله أعرف كان له أخوف) قال تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" [فاطر:28].
(6) عليك بمصاحبة الصالحات من أهل العلم والداعيات، وطالبات العلم، واحذري من مجالسة أهل السوء والشر والفسق والفجور والمعاصي، فمصاحبة الطريق الأول ترقق القلب وتعين على فعل الخير، ومجالسة الفريق الثاني تقسي القلب، وتعين على فعل الشر، وكلما كان قلب الإنسان قاسياً كلما كان بعيداً عن الله، ومن كان بعيداً عن الله كان حب الدنيا مسيطر عليه وحب الآخرة بعيداً عنه.
(7) تذكري بأن هذه الدنيا مآلها إلى زوال، وتذكري أهل النعيم والترف، هل أخذوا منها شيئاً؟ ما أخذوا إلا ما قدموا من أعمال، "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد" [آل عمران: 30]، فالدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، ومهما طالت فهي قصيرة، فالليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال لا بد من دخول القبر، وما أدراك ما القبر؟.
قال – صلى الله عليه وسلم-: "ما الدينا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم- أي البحر- فلينظر بم يرجع" أخرجه مسلم(2858)، من حديث المستورد بن شداد – رضي الله عنه-.
(9) تذكري كيف كان أهل القبور في الدنيا من النعيم وغيره، وكيف صاروا الآن، فأنت ستصيرين إلى ما صاروا إليه، فتزودي لمثل هذا اليوم، ما دام أنك في زمن الإمهال قبل أن يفاجئك هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات إنه الموت.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته *** يوماً على آله حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنازة *** فاعلم بأنك بعدها محمول
(10) عليك أن تستحضري دائماً وأبداً أنك ميتة في أي لحظة فبأي حال تحبين أن تلقي الله؟ هل تحبين أن تلقي الله على طاعة أم على معصية؟، عن ابن عمر – رضي الله عنهما- قال: "أخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" فكان ابن عمر – رضي الله عنهما- يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" أخرجه البخاري(6416).
(11) وأخيراً أقول لك أكثري من الدعاء أن يحبِّب الله إليك الآخرة ويبغض إليك الدنيا.
هذا والله أعلم، اللهم حبِّب إلينا الآخرة، وكرِّه إلينا الدنيا، وارزقنا الجنة ونعيمها، وأجرنا من النار وعذابها. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.