الفهرس خزانة الاستشارات استشارات نفسية السحر والمس

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

نصائح في علاج الوساوس العقدية

المجيب
مرشد طلابي بالمعهد العلمي بالأحساء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ السبت 13 ذو القعدة 1433 الموافق 29 سبتمبر 2012
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الحقيقة لا أدرى من أين أبدأ فقد اختلطت الأوراق عندي، وأصبحت لا أدرى من أنا أو ما أنا؟ تعبت سنين عددا وسأكتب لكم حقيقتي، وأقسم بالله لا أريد إلا أن تنقذوني مما أنا فيه.
من أنا؟
* رجل عربي متزوج منذ 40 عاما، وعندي أولاد بعضهم تزوج.
* منذ طفولتي وحتى اللحظة أصلي وأصوم وقد حججت.
* لم أزن ولم أدخن ولم أشرب الخمر أو أي مسكرات.
* لكن -وما أقبح لكن- هنا بدأت الطامة الكبرى معي مع بلوغي وأنا أستمني - حتى وقت متأخر جدا من عمري.
* المشكلة الرئيسة التي أريد منكم أن تدلوني على الطريق الصحيح فيها، فأنا والله أكاد أجن من كثرة التفكير فيها منذ عقود طويلة حتى هذه الساعة، واسمحوا لي ما استطعت أن أذهب هذه الهواجس التي أحيانا أود الانتحار والله لأنني ضقت.
* هذه المشكلة هي: أنني أشك في وجود الله تبارك و تعالى، وبدأت المشكلة من عمر 13سنة بالضبط، وأتى لي الشك بدون أي مقدمات، فنحن أسرة مسلمة أبا عن جد، لكنني حتى هذه اللحظة لا أستطيع أن أجزم بوجوده.
* كيف أفعل وقد تزوجت وأنجبت في كل هذه الظروف، ولا أستطيع أن أستشير أحدا، فتوكلت على الله وها أنا أستميحكم عذرا بهذا السؤال الخطير لكنه يلح علي بقوة.
* فكيف أقنع نفسي بوجوده وأطمئن لذلك؟
* واسمحوا لي بهذا السؤال: لماذا لم يبرز الله نفسه للبشر وتنتهي هذه العقدة الأزلية التي وقعت فيها أمم كثيرة ودخلت النار بسببها؟
* يا إخواني أنقذوني قبل أن أموت وأدخل النار.
* والله لقد فعلت أشياء بالمصحف لا أستطيع أن أتكلم بها.
* وقد تلفظت مرات ومرات بكلمات كفر بدون وعي، فقط من كثرة تشوش فكري.

الجواب

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلَّم وبارك على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإني أسأل جبَّار السموات والأرض، خالق الخلق، وباسط الرزق، ومحيي العظام وهي رميم؛ أن يُحيي قلبك، ويُطهِّر نفسك، ويُنير بصيرتك، ويُقوِّي إيمانك، ويخسأ شيطانك، ويُسعدكَ في الدنيا والآخرة، اللهم آمين.
أوردتَ في سؤالك أربعة مشكلات: (الاستمناء حتى سن متأخر جداً جداً من عمرك البالغ الآن 61 سنة، والشك في وجود الله منذ أن كان عمرك 13 سنة، وفعلك بالمصحف أشياء لا تستطيع ذكرها، وتلفظك مراراً بكلمات كفرية بدون وعي).
إنَّكَ أمام أمور خطيرة جداً، وخصوصاً الثلاثة الأخيرة منها، ولا أشك في أنَّكَ تدرك هذا، إلا أنني أشير إلى مسألة هامة وهي:
أن من شكَّ في وجود الله فليس بمؤمن، والشك الذي يكون في القلب عن وجود الله على قسمين:
الأول: وساوس شيطانية مع استقرار الإيمان بالله في القلب، وهنا على المرء المبتلى بهذا أن يدفع هذه الوساوس، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يعمل بمقتضاها أو يتكلم، فقد جاء في صحيح مسلم رحمه الله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ".
الثاني: أن يستقر الشك في القلب، ولا يكون حديث نفس فقط، بل يتبعه صاحبه بالقول أو العمل، فهذا كفر بالله تعالى.
والخطورة لديك أنَّكَ أتبعتَ هذا الشك بقول (وقد تلفظت مرات ومرات بكلمات كفر)، وفعل (والله لقد فعلت أشياء بالمصحف لا أستطيع أن أتكلم بها)، فإنكَ وإن كانت ألفاظك بلا وعي منك حسب ما تقول، إلا أن فعلك بالمصحف خطورة، كيف لا!! وقد جعل العلماء من نواقض الإسلام العشرة: (من استهزأ بشيء مما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، أو ثوابه أو عقابه فإنه يكفر).
ولذا فإني أوصيكَ أخي بمعاجلة التوبة النصوح، وتجديد إيمانك، والاستغفار، مع الإكثار من الأعمال الصالحة، وطي صفحة الماضي، والحذر كل الحذر من تكرار شيء من أقوالك أو أفعالك، فإنها كما ذكرتَ أنتَ نار أو جنة!!
فقد أخرج مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُولَ لَهُ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ" وأخرج أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ"، قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: (وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "فمن وجد ذلك فليقل آمنت بالله". وفي الروية الأخرى: "فليستعذ بالله ولينته". فمعناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه، قال الإمام المازري رحمه الله: "ظاهر الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها". قال: "والذي يقال في هذا المعنى أن الخواطر على قسمين فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة فكأنه لما كان أمرا طارئا بغير أصل دفع بغير نظر في دليل إذ لا أصل له ينظر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تُدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها والله أعلم").
وهنا ليَ معكَ خمس وقفات:
الأولى: الغيبيات في حياتنا.
الثانية: وجود الله.
الثالثة: إجابة السؤال.
الرابعة: إحذر المعاصي.
الخامسة: تعالَ إلى الظلال الوارفة.
الوقفة الأولى: الغيبيات في حياتنا.
ما رأيكَ أن نأخذ هذه المسألة ببساطة شديدة، لنتأمَّل ما بين أيدينا من المتطلبات الأساسية في حياتنا، الكهرباء مثلاً، نؤمن بوجودها بلا أدنى شك! هل رأيناها!؟ نحن لا نرى الكهرباء، ومع ذلك آمنَّا بها ولم نرها، بل ومن أنكرها، فإننا نصمه بالجهل والحماقة والغباء والجنون وكل مفردة سلبية، أليس كذلك!!
السؤال: كيف آمنَّا بها ولم نَرَها!؟ الجواب: آمنَّا بها لدلالات دلَّتْ عليها، وآثار جعلتنا نحكم بوجودها، فإن رأينا الأنوار مضيئة، حَكمنا أن هناك كهرباء. وإن رأينا التلفزيون أو الراديو أو أجهزة التدفئة أو أجهزة التبريد أو الثلاجات ونحوها تعمل، مباشرة نحكم أن هناك كهرباء، صحيح نحن لا نرى الكهرباء، ننظر في الأسلاك الممتدَّة فلا نرى شيئاً، لكننا نوقن بوجود الكهرباء من الآثار الدالة عليها، وبما أننا وجدنا آثارها، فقد حكمنا بوجودها مباشرة، ولم نؤجل ذلك أو نشكِّكَ فيه لعدم رؤيتنا المباشرة لها.
إننا أمام أربعة أنواع: (عالم الشهادة؛ وهي ما نستطيعُ إدراكه بحواسنا مباشرة، كالسماء والجبال)، و هناك (غيبيات؛ نستدل عليها بعقولنا من آثارها، كالكهرباء والمغناطيس والروح)، وهناك (غيبيات؛ نستدل عليها بالأخبار الصادقة الواردة إلينا، كالجنة والنار والملائكة)، وهناك (غيبيات؛ نستدل عليها بعقولنا من آثارها، وكذلك بالأخبار الصادقة، كوجود الله تعالى).
الوقفة الثانية: وجود الله.
لم توجد أمة من الأمم السابقة تنكر وجود الله تعالى، فقد كانوا يشركون مع الله آلهة أخرى، مع اعتقادهم بألوهيته سبحانه، قال تعالى: "فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ" [العنكبوت:65]، وقال تعالى: "اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" [التوبة:31].
ظهرت هذه المسألة عند ظهور الشيوعية، وخصوصاً في الغرب، عندما تحوَّل بعضهم من النصرانية، إلى الإلحاد، وهو إنكار وجود الله تعالى، ومن هنا عاش الفرد في العالم الغربي حياة الضيق والضنك، وهو يكدح في حياته دونما هدف أو غاية، بل جال وصال يريد الوصول إلى ما يُطمئن قلبه، ويروي نهمه، حتى وصل ببعضهم أن عبد الشيطان الرجيم، إلا أن الظلمة والحيرة لم تفارق نفوسهم، فلا يمكن لقلب أن يعرف الطمأنينة إلا حين يستظل بنور الإيمان بالله، وجميل التوكل عليه، قال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" [طه:124].
ووجود الله غيب، دلَّتْ عليه سبحانه نواميس هذا الكون، والآيات والآثار من حولنا، كما دلت عليه الأخبار الصادقة من الأنبياء والمرسلين، وقد تعدَّدت أقوال العلماء والمفكرين في الشرق والغرب بالإيمان بوجوده سبحانه وتعالى، بل إنه كلما زاد علم أحدهم، كلما ازداد يقينه بأن الله هو خالق الخلق سبحانه وتعالى.
1- روي أن بعض الزنادقة أنكر وجود الله عند جعفر الصادق رضي الله عنه. فقال جعفر: هل ركبت البحر؟ قال نعم. قال هل رأيت أهواله؟ قال بلى؛ هاجت يوماً رياح هائلة فكسرت السفن وغرقت الملاحين، فتعلقت أنا ببعض ألواحها ثم ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل، فقال جعفر قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح ثم على اللوح حتى تنجيك، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد؟ قال بل رجوت السلامة، قال ممن كنت ترجوها فسكت الرجل فقال جعفر: إن الله هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت، وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل على يده.
2- قال إسحاق نيوتن العالم الإنجليزي الشهير، ومكتشف قانون الجاذبية: لا تشكّوا في الخالق فإنه مما لا يعقل أن تكون المصادفات وحدها هي قائدة هذا الوجود.
3- قال هرشل الفلكي الإنجليزي: كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته ولا نهاية، فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم، وهو صرح عظمة الله وحده.
4- وقال لينيه: إن الله الأزلي الأبدي العالم بكل شيء والمقتدر على كل شيء، قد تجلى لي ببدائع صنعه حتى صرت مندهشا مبهوتا، فأي قدرة وأي حكمة وأي إبداع أبدعه في مصنوعاته! سواء في أصغر الأشياء أو أكبرها! إن المنافع التي نستمدها من هذه الكائنات تشهد بعظمة رحمة الله الذي سخرها لنا، كما أن كمالها وتناسقها ينبئ بواسع حكمته، وكذلك حفظها عن التلاشي وتجددها يقر بجماله وعظمته.
5- ذكر الشيخ محمد الغزالي في كتابه قذائف الحق أن (العالمة الإنجليزية الدكتورة " مرجريت برنبريدج "مديرة مرصد" جرنيتش "قد اكتشفت أبعد نجم في هذا الكون، وقد سمى الفلكيون هذا النجم "كازار"، هذا الجسم يبعد عنا بمقدار 15600 مليون سنة ضوئية، والسنة الضوئية تساوى " 365 يوماً × 24 ساعة × 60 دقيقة × 60 ثانية × 186000 ميل، وهي سرعة الضوء في الثانية الواحدة "، وسئلت: هل الله موجود؟ وكان جوابها: من المؤكد أنه موجود!! قيل لها: ولكن لماذا؟ فأشارت إلى السماء وقالت: لهذا!! ومن قبل ذلك بنصف قرن عندما أعلن "أينشتين" نظرية "النسبية" سأله بعض الناس: هل الله موجود؟ وكان الرد: رياضياً موجود!! وسئل: وكونياً؟ قال: موجود!).
تأمل في رياض الأرض وانظر *** إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات *** بأحداق كما الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شريك
إن الكون مليء بالشواهد على وحدانية الله تعالى، يقول الدكتور محمد قطب في كتابه ركائز الإيمان: (وكذلك يفعل الإنسان أحياناً مع الله! ينسى أنه الخالق وأنه المدبر وأنه الرازق وأنه المحيي والمميت! ويمر بهذا الكون فلا يلتفت إلى شيء من الآيات فيه! لا يلتفت إلى الشمس البازغة، ولا إلى النور حين يدبر ويبتلعه الظلام! لا يلتفت إلى الزهرة الجميلة المعطرة البهيجة الألوان! لا يلتفت إلى صوت الطائر الرقيق الذي يغني مرفرفاً بجناحيه فوق الغصن! لا يلتفت إلى الماء الهاطل من السحاب، ولا إلى الرعد والبرق في السماء! لا يلتفت إلى الطفل الذي ولد، ولا الإنسان الذي مات! لا يلتفت إلى عجزه المطلق إزاء قدرة الله).
"أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) ( سورة الغاشية )، ( أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" (سورة النمل)، إنها آيات بينات محكمات، تخاطب عقولنا بأسلوب سهل مقنع، تستصرخ فطرتنا، تؤكد فينا أنه لا إله إلا الله الملك الديان، الخالق المنان، الرحيم الرحمن.
الوقفة الثالثة: إجابة السؤال.
هل تدرك حجمكَ أنت بالنسبة للكرة الأرضية؟ الجواب: لاشيء!! طيب، ما حجمك أنتَ إلى السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن؟ الجواب: لاشيء!! هل يمكنكَ أن تتأمل ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم )!؟ هل قرأتَ أواخر آية الكرسي في سورة البقرة، قوله تعالى: "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"، جاء في شرح العقيدة الطحاوية عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكرسي هو موضع قدمَيْ الجبار سبحانه وتعالى، وهذا الكرسي أكبر من السموات والأرض، يقول الله تعالى: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" [الزمر:67]، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِلَى قَوْلِهِ يُشْرِكُونَ".
فالله أعظم من أن يحيط به أحد من مخلوقاته، وكذلك لا يستطيع أحد من المخلوقات في الدنيا رؤيته سبحانه، واختُلف فقط في نبينا صلى الله عليه وسلم، بل عندما طلب موسى عليه السلام من ربه سبحانه وتعالى رؤيته، قال له لن تراني "وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ".
يقول الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي: (لا يرى الله تَعَالَى أحد في هذه الدنيا جهرة، ولو كَانَ ذلك حاصلاً لأحد من الأولياء أو من العباد لكان كليم الله موسى أولى به، بل الصحيح أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكرم الخلق عَلَى الله وأعظمهم ولاية وقربة من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وأرفعهم درجة وهو الذي وصل عنده في ليلة الإسراء والمعراج إِلَى الغاية التي لم يصل إليها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ومع ذلك فإنه لم ير ربه بعينه في الدنيا وعلى هذا يدل الحديث الصحيح قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت".
ويقول: "إنما لم نره في الدنيا لضعف أبصارنا، فإن قُوْىَ الإِنسَان وإدراكاته في الحياة الدنيا محدودة، فلا تستطيع أن ترى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وليس لأن الرؤية مستحيلة... وضرب لذلك مثالاً بهذا المخلوق الذي يبعث النور في الأرض وهو الشمس فإن الإِنسَان لا يستطيع أن ينظر إِلَى الشمس ويتأكد من حرها وحجمها؛ لأن شعاعها ونورها يُعشي عينه، فهو أقوى من أن يطيقه بصره وحاسته، وليس ذلك لأن الشمس ليس بالإمكان أن ترى لكن لضعف الحاسة، فإن قويت وتضاعفت فإنها تستطيع أن ترى الشمس عَلَى حقيقتها وجرمها كما تشاء".
ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي: (ولا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا، لا جبريل ولا غيره من الملائكة ولا غيرهم... ولا يستطيع أحد أن يتحمل رؤية الله في الدنيا، بل يحترقون، لو كشف الحجاب لاحترقوا، ولكن في يوم القيامة ينشأ الله المؤمنين نشأة قوية، يتحملون فيها رؤية الله، فلينظر المؤمنون إلى ربهم يوم القيامة).
والله سبحانه "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" [الأنبياء:23]، ثم ذكر العلماء حكمة أخرى وهي أن في ذلك اختبار، لِيُمَيِّزَ المُؤْمِنَ الصَّادِقَ فِي إِيمَانِهِ، مِنَ المُنَافِقِ المُتَشَكِّكِ، وَلِيُظْهِرَ مَنْ يُطيعُ الله وَمَنْ يَعصِيهِ، فإذا أبصر الناسُ ربَّهم عياناً في الدنيا، لم يكن هناك فرق بينهم فالجميع سيؤمن، ولن تكون الجنة مهراً للباذلين الصابرين العابدين، كما تقول أنتَ (ودخلت النار بسببها).
الوقفة الرابعة: احذر المعاصي.
إن مشكلتك ابتدأت بابتلاء وفتنة، ثم بالتهاون في المعاصي، حتى وصل الحال بك إلى شك في وجود الله، استمر معك طيلة (48) سنة، ولم تعالجه في مهده، ففتح عليك أبواب المعاصي كبيرها وصغيرها مشرعة، ولكي تنقذ نفسك مما أنتَ فيه، عليكَ بأن تحذر المعاصي دقَّها وجلَّها، عليكَ أن تطويَ صفحة الماضي، وتبدأ من جديد، وخصوصاً ذنوب الخلوات، الذنوب التي تعملها في خلوة عن الآخرين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (أجمع العارفون بالله أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات)، وفي مسلم رحمه الله عن حُذَيْفَةُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ".
وقد ذكر أهل العلم للذنوب آثاراً كثيرة منها:
1- الطبع على القلب إذا تكاثرت، حتى يصير صاحب الذنب من الغافلين، كما قال بعض السلف في قوله تعالى: "كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [المطففين:14]، هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب، وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانـًا، ثم يغلب حتى يصير طبعـًا وقفـلاً فيصير القلب في غشاوة وغلاف.
2- أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضـًا.
3- ظلمة يجدها في قلبه يحس بها كما يحس بظلمة الليل، كما روي عن ابن عباس أنه قال: "إن للحسنة نورًا في الوجه، وضياءً في القلب، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للمعصية سوادًا في الوجه وظلامـًا في القلب، وضيقـًا في الرزق، وبُغْضَةً في قلوب الخلق".
4- أن المعاصي توهن القلب والبدن، أما وهنها للقلب فأمر ظاهر، بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية، وأما وهنها للبدن فإن المؤمن قوته في قلبه وكلما قوي قلبه قوي بدنه.
5- تعسير أموره فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقـًا دونه أو متعسرًا عليه كما قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأجد ذلك في خُلق دابتي وامرأتي.
6- الوحشة التي تحصل بينه وبين الناس ولاسيما أهل الخير، قال أبو الدرداء: ليتق أحدكم أن تعلنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله فيلقى الله له البغض في قلوب المؤمنين.
7- أنها تطفئ في القلب نار الغيرة.
8- ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب.
9- أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة.
10- أن العبد لا يزال يرتكب المعاصي حتى تهون عليه وتصغر في قلبه، قال ابن مسعود: "إن المؤمن يرى ذنبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا"، وقال أنس رضي الله عنه: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات".
الوقفة الخامسة: تعالَ إلى الظلال الوارفة.
لقد جعل الله تعالى (الإيمان بالغيب) هو أول علامة من علامات عباده المؤمنين الموحدين، بل جعل الإيمان بالغيب أول صفة للعباد المتقين، قال تعالى: "الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ" [سورة البقرة].
إن في الإيمان بالله راحة لن يعرفها إلا من حُرِمها، في الإيمان بالغيب اطمئنان وراحة بال، يتضح ذلك في حديثه صلى الله عليه وسلم: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" رواه مسلم، فهو واثق بربه، معتمد عليه، موقن أنه لا يأتيه من الله إلا كل خير.
هي دعوة لك أخي للعودة إلى الظلال الوارفة، إلى طريق إياك نعبد وإياك نستعين، إلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه.
هي دعوة لك أخي لختام سِني حياتك بخير، وقد تجاوزت الستين، وهي السن التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين و أقلهم من يجوز ذلك" (صححه الألباني)، وقال صلى الله عليه وسلم: "معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين" حسَّنه الألباني.
هي دعوة لك أخي لسعادة نفسك، وطُمأنينة قلبك، ولتستمطر رحمة الله وبركته ورعايته وحفظه وحرزه، ولتحصِّن نفسك من الشيطان الرجيم وأعوانه وأشياعه.
حافظ على الصلوات المفروضات مع الجماعة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، والله الله بأذكار الصباح والمساء، واجعل لسانك يلهج بالاستغفار، واحذر من فضول النظر إلى ما حرَّم الله، وفضول السمع، "إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا" [الإسراء:36]..
وأخيراً اتقِ الله في نفسك! فقد أنعمَ عليك بأن أطال في عمرك، وأنعم عليكَ بنعمة الزوج، ونعمة الولد، ونعمة الوالدين المسلمين، ونعمة الصلاة، والصوم، والحج، ونعمة البعد عن كثير من الفواحش، فلا تجعل الشيطان الرجيم يخلط لك الأوراق أكثر، وقل: "آمنتُ بالله، ثم استقم".
هذا ما تيسَّر لاستشارتك هذه، مع أملي التواصل معنا بالجديد في حياتك إن وجَدْتَ فيها نفعًا، لنواصل موضوع استشارتك الثانية بعون الله، والله أعلم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

1 - الشعار المميز | ًصباحا 09:22:00 2010/01/07
جزاك الله خيرا اللهم احفضنا بتقواك
2 - نادية | ًصباحا 08:40:00 2010/05/21
ضع ايات الرقية الشرعية بصوت عالي استخدم المايكروفون نحن نعاني من وجود شياطين وتسليط وعكوسات جن بالبيت من حدايق البيت المليانة سحر مغلف بالقصدير اللي يغلف به الطعام حتا لا يدخل به ماء عجز اي شيخ بالدنيا يعالج او يخرج السحر كله من وراء الخادمة والوالد انا لله سنسوي
3 - حياتي كلها لله | مساءً 09:55:00 2010/07/16
عليكم بأكل سبع تمرات مع شرب اللبن على الريق كل صباح فذلك سيقيكم بإذن الله من الجن والسحر والعين ولا يشترط نوع معين من التمر فكله سواء وأحضر شيخ يقرأ في بيتكم كل يوم حماكم الله وحفظكم من كل سوء