الفهرس خزانة الاستشارات استشارات دعوية وإيمانية قضايا إيمانية وسائل الثبات

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العنوان

يشعر باحتقار الذات والإحباط

المجيب
مشرف مناهج بوزارة التربية والتعليم.
التاريخ الاربعاء 29 ذو القعدة 1424 الموافق 21 يناير 2004
السؤال

مشكلتي باختصار هي احتقار الذات، وعدم وجود الصحبة الصالحة، بدأت هذه المشكلة عندي منذ وقت قريب عند رجوعي من السعودية إلى بلدي السودان،
فقد كنت سابقاً مع الشباب الطيبين في الحلقة، وكذلك في المكتبة وفي المراكز الصيفية، وكنا نشتغل بالدعوة، ولكن الآن بعد رجوعي إلى بلدي لم أعد أحس أن لي قيمة؛ فليس لي أصحاب يعينونني على الطاعة، إضافة إلى اليأس الذي دخل إلى قلبي عندما وجدت أكثر أهل السودان بل وحتى أهلي (عدا أبي وأمي وإخواني)على التصوف وتكفير الشيخ محمد عبد الوهاب وابن باز، وتفسيق ابن العثيمين والألباني ...إلخ،
ولم استطع المقاومة إلا في مدرستي الثانوية، حيث بدأ البعض يتأثرون بكلامي، أحاول حفظ كتب الشيخ محمد عبد الوهاب، لكنني أحرص على شطب اسمه، أو نزع الغلاف الخارجي للكتاب؛ حتى لا تحصل مشاكل مع إدارة المدرسة، أرجو إعانتي، فهذه المشكلة تؤرقني كثيراً، والله قد صاحبت الكتب والأشرطة، ولكنها بالتأكيد لن تعمل عمل الصديق الصالح المرافق لك، أفيدونا، - جزاكم الله خيراً-.

الجواب

لا أدري لأي شيء تحتقر ذاتك! فالذي يظهر من سياق استشارتك يشعر بقدرتك على التعبير عن فكرتك بوضوح، وتمتلك رؤية جيدة عن حالك، وتتمسك بقناعاتك إلى حد المقاومة... كل ذلك وأنت في عمر يعده كثير من الناس صغيرًا.
ومن الممكن أن نتفهم ما تشعر به من فقد البيئة التي اعتدت عليها في فترة ماضية، لكن لا يوجد مسوغ لأن تحس أنه ليس لك قيمة، قيمتك فيما تعلم وما تعمل، وليس بالضرورة فيمن حولك!
وعلى عكس ما تشعر به، فعودتك لبلدك ومجتمع أسرتك فرصة جيدة لتطبيق ما تعلمته باستقلالية، دون تدخل من جهة قد تحدّ من إبداعك، ولا يعني هذا ألا تستشير أحدًا، بل استشر، وأبدِ رأيك، وناقش.
من المحتمل أن الأحاسيس التي وجدتها هي بسبب تغير البيئة بشكل مفاجئ، وليس المقصود بيئة الشباب (الطيبين) فقط، بل الأوضاع الاجتماعية لم تعد كما هي، والبرنامج اليومي اختلف، وصداقاتك بدأت تتشكل من جديد مع شيء من التردد، لا تنسَ أن الفترة التي تقضيها في بيئة (ما) تسهم في تشكيل جوانب كثيرة من شخصيتك: طريقة تفكيرك، وذوقك، وعاداتك الذاتية والاجتماعية، مما ترتب على ذلك هجوم مشاعر أربكتك.
ولتقريب الفكرة المشار إليها،ننتقل إلى العالم المحسوس: للإنسان قدرات يستطيع من خلالها إدراك أشياء بحواسه، فمثلاً تستطيع أن تلمس الجسم الساخن بمفرده، وتستطيع أن تلمس الجسم البارد بمفرده... كل ذلك بصورة طبيعية وتميز خلالهما سخونة الجسم الساخن وبرودة الجسم البارد، لكن عندما تحاول القبض على جسمين متناقضين في درجة الحرارة بيد واحدة في وقت واحد تشعر بصعق يصيب أعصاب يدك وعضلاتك، كما لو كانت الحرارة أعلى ما تكون أو أن البرودة أخفض ما تكون، ونحو ذلك ما أصبح يسمى (خداع البصر) فللحواس طاقتها، وعندما يأتي شيء فوق تلك الطاقة أو دونها يحصل ارتباك الحس.
وما حدث لك من تغيرات كثيرة، جعلتك تشعر بمشاعر متعددة حيرتك، فنزَعتْ نفسُك إلى نوع من اليأس والاكتئاب، وتصوَّرت لغموض الخواطر التي تتوالى على نفسك بأن الذي فقدته هو تلك البيئة المحدودة (حلقة تحفيظ القرآن الكريم)؛ لكونها أوضح شيء لك.
ومشاعر الاكتئاب والقلق والحزن على فقدان الجو المعتاد، أسهمت في تسلل الوهن إلى نفسك، كما لو أصبت بنزلة برد، مما يجعلك تتحسس من أقل برودة، وتتألم بأقل ضغط على جسمك، ويجعلك لا تستسيغ بعض الأطعمة، فكذلك ما جرى لك أُدخلت مشاعر اليأس إلى قلبك... هذا كل شيء.
ستجد نفسك بعد فترة قد بدأت تتقبل المتغيرات شيئًا فشيئًا، إذا أقنعت نفسك.
وبقدر ما تكون متفائلاً واثقًا من المبادئ التي أنت عليها (بصرف النظر عن أصحابها) ستجد من يتأثر بك، ويستفيد من تلك المبادئ التي تحملها، وتأكد أن هناك الكثيرين الذين يستفيدون منك دون أن تشعر، فربما تقول الكلمة من الخير لا تلقي لها بالاً يحملها بعض من يستمع إليك محمل الجد، ويبحث، ويتحرى، وربما تفتح له آفاقًا وأنت لا تشعر... فليس كل من استفاد يعبر لك عن استفادته، وأحيانًا هناك أناس لا يدرون أنهم استفادوا منك أو أنهم تغيروا بسببك، مع أنهم كذلك، كما أنك استفدت، خلال حياتك، من أناس لا يعلمون باستفادتك، وربما لا يعلمون عنك أي شيء.
الحياة المعاصرة تتطلب نوعًا من المهارات قد لا تكون موجودة فيك سابقًا فتعلمْها، وهذا لا ينقص من قيمتك، فالوليد الذي لم يتمَّ شهره السادس بعد الولادة يستطيع، بمحض الفطرة، أن يرمي حجرًا، لكنه لا يمكنه - ولو كان أكبر من ذلك - أن يستخدم الحاسب دون مهارة تحصّل عليها بالمران والتدريب؛ لكون الحاسب يتطلب مهارة معاصرة. بالإضافة إلى أن أحوال الناس لم تعد كما هي من البساطة والانسيابية، بل تنزع إلى التعقد، ولذلك ابحث عن الفرص التي تتعلم منها مهارات الإقناع والتأثير والإلقاء والاتصال بالآخرين، ومهارات الكتابة الصحفية وكتابة المقالات... وليس كل هذا مطلوبًا لكنها نماذج.
ومما ينبغي مراعاته اختلاف البيئات، ورفض من حولك للعلماء الذين ذكرتهم أحد أسبابه اختلاف البيئة بشكل رئيس، وليس بالضرورة انحرافًا عن الاستقامة، فكل يميل إلى ما يناسبه في الجنس والعمر والاهتمامات ونحوها، وربما ينفر ممن يخالفه في ذلك. وسبب آخر من رفض من حولك لمن ذكرت من العلماء، الجهل بحقيقة دعوتهم والتشويه الذي يتعرضون له، وبخاصة أن أكثر الناس عامة قد لا يتمكنون من تحري الحقيقة أو لا يحسنون ذلك. وقد يكون عندهم انحراف فعلا،ً لكن هذا يستدعي الرفق بهم والتلطف في دعوتهم للحق، وليس بالضرورة دعوتهم للاعتراف بفضل عالم بعينه، فدعوتنا ليست إلى فلان وفلان، وإنما للرسول – صلى الله عليه وسلم- وما جاء به من الحق. ومحبة أهل العلم، والاستقامة من الدين، لكنها ليست هي الدين. ولذلك فلا يكون أولى اهتمامك أن تسوق للشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - أو غيره ممن ذكرت، بل عرف الناس بالحق الذي كانوا عليه، وتفهم مخالفة الناس لهم فيما يقبل المخالفة والاجتهاد.
وبخصوص الأصدقاء الذين يعينونك على الحق، ستكون هذه مهمتك،ولعلك تكون أنت من يشكل هذه الصداقات، ويبنيها من خلال قيامك بما تستطيع من واجب الدعوة إلى الله في صفوف شباب الحي والمسجد والمدرسة والجامعة، وما دمت قادرًا على التواصل معنا ومع زملائك السابقين من خلال «الإنترنت» فأنت قد تهيأت لك أسباب تستحق الاغتنام والاستغلال والتوظيف لبناء شخصية مسلمة قادرة على التأثير.
ولا تنسَ أن هناك فرصًا في الدعوة إلى الله في بلدك الآن لم تكن متهيئة لك في الفترة السابقة، فهذه ميزة يحسن مراعاتها.
أسأل الله لي ولك الثبات على الحق والتمسك به حتى نلقى ربنا، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، ويشد من أزرك ويشرح صدرك.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.